نحو مراجعة كردية جادة: آليات التنفيذ والتمويل .؟

اكرم حسين

يظلّ الطرح الهام للدكتور عبدالحكيم بشار في مقاله “نحو مراجعة جذرية للوضع الكردي في سوريا”، بحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة، وإلا تحوّل إلى نخبوية فكرية لا تتجاوز صفحات التواصل الاجتماعي . فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس “هل نحتاج إلى مراجعة؟” لأن ذلك قد بات بديهياً، بل “كيف ؟ ومن سيقوم بهذه المراجعة؟”.

إن تجارب المراجعات في الحركة الكردية، سواء تلك التي تمت تحت ضغط الهزائم أو في فترات الهدوء السياسي، أثبتت أن غياب الآلية الواضحة والجهة المُنفّذة المحايدة يحوّل هذه المبادرات إلى بيانات إنشائية تودع في أدراج النسيان، أو تُوظّف لخدمة أجندات ضيقة تحت شعار “التجديد”.

وبالعودة إلى جوهر التساؤل: هل القائمون اليوم على رأس الأحزاب الكردية في سوريا ، والذين كانوا شركاء في الواقع الذي نود مراجعته، قادرون على قيادة عملية المراجعة بموضوعية؟ أم أن المطلوب هو إفساح المجال أمام الصف الثاني والثالث، بل والأجيال الجديدة التي لم تتحمل مسؤولية الماضي، ولا ترتبط بأخطائه، وهي الأكثر قدرة على رؤية المستقبل بعيون مختلفة؟

لا شك أن التجربة أثبتت أن التغيير الحقيقي لا يأتي من ذات العقلية التي أنتجت الأزمة. فالإصلاح لن يتحقق إن بقي رهين الإطار القيادي ذاته، حتى وإن زُخرف ببعض الوجوه الجديدة أو العناوين البراقة. لأن المراجعة الجذرية تحتاج إلى جهة مستقلة ذات مصداقية، تمتلك الجرأة على طرح الأسئلة المحرجة، والقدرة على تجاوز الولاءات الحزبية التقليدية، والتمتع برؤية استراتيجية لا ترتبط بمكاسب آنية أو مواقع نفوذ.

أما عن الجانب العملي الأهم، وهو الدعم والتمويل، فهنا تكمن عقدة العقد . فمن المعروف أن غالبية الأحزاب الكردية في سوريا تعاني أصلاً من شح الموارد، وتعتمد في تمويل أنشطتها على مساهمات الأعضاء أو على دعم خارجي مشروط غالباً بأجندات سياسية. فمن سيموّل هذه الورش الموسّعة في كل المناطق والمهجر؟ ومن سيضمن حيادية هذا التمويل حتى لا تؤثّر مصادره على مخرجات الحوار؟

الإجابة الواقعية تقتضي الاعتراف بأن هذه المراجعة، لكي تكون نزيهة وفعالة، يجب أن تكون ذاتية التمويل ، عبر مساهمات من أبناء الشعب الكردي أنفسهم، ورجال الأعمال المستقلين، والمؤسسات الأهلية، بعيداً عن أي تبعية سياسية أو إقليمية ، وأن يتم إنشاء صندوق وطني شفاف لإدارة هذه العملية، يُشرف عليه هيئة مستقلة من الشخصيات الموثوقة، على أن تنشر حساباته وتقاريره دورياً لضمان النزاهة.

كما أن نجاح هذه الورش يتطلب وضع معايير واضحة لمخرجاتها، بحيث لا تبقى مجرد توصيات نظرية، بل تتحول إلى وثائق ُملزمة توقع عليها الأطراف المشاركة، وتُترجم إلى خطوات عملية زمنية، مع آليات للمتابعة والتقييم، وإلا ستكون تكرار لتجارب سابقة انتهت بالنسيان .

إن المراجعة الجذرية التي يدعو إليها الدكتور بشار هي بوابة العبور إلى مستقبل مختلف، لكنها تظل عبارة عن  طموح نبيل ما لم تُجب على الأسئلة الصعبة: من المنفّذ؟ وكيف سيموّل؟ ولمن سيكون ولاء القائمين عليها؟. فإن كانت الإجابات ستأتي من داخل المنظومة الحزبية القائمة وبتمويلها، فالنتيجة محسومة مسبقاً: إعادة إنتاج الازمة بثوب جديد. أما إذا كانت هناك ارادة قوية لتجاوز الذات وفتح الباب أمام كفاءات مستقلة وشابة، بتمويل وطني نزيه، عندها يمكن القول إن الحركة الكردية السورية قد دخلت فعلياً في عصر المراجعة الجادة، بعيداً عن التمنيات!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…

عبد الرحمن حبش ليس كل قائد يستطيع أن يحول حضوره إلى رسالة وليس كل زيارة تكتب في بروتوكولات السياسة فقط بل هناك زيارات تسجل في ذاكرة الشعوب. لقد جاءت زيارة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لتؤكد أن القضية الكوردية حاضرة بقوة وأنها لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل سوريا والمنطقة….

د. محمود عباس لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما. المسألة أعمق…

لأول مرة في تاريخ سوريا، يكتب الرئيس السوري أحمد الشرع تغريدة باللغة الكردية، بمناسبة زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق. وتكتب اللغة الكردية في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية، وليس بالحروف العربية كما هو الحال في اقليم كردستان العراق، حيث تستخدم السورانية المكتوبة بالأبجدية العربية المعدلة. وفيما يلي نص تغريدة الرئيس السوري أحمد الشرع: أحمد الشرع…