بيان بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لتأسيس المنظمة الآثورية الديمقراطية

شكّلت المنظمة الآثورية الديمقراطية، منذ انطلاقتها، أول مدرسة قومية سياسية بين أبناء شعبنا السرياني الآشوري، إذ مثّلت أفكارها ومبادئها تحولاً نوعياً وثورة فكرية على البنى الطائفية والعشائرية التي كانت سائدة آنذاك. وقد حملت مشروعاً سياسياً وطنياً وقومياً يستند إلى قيم الحرية والحداثة، الأمر الذي جعلها تواجه مقاومة من مختلف القوى الاجتماعية والدينية التي رأت في مشروعها تهديداً لمصالحها ونفوذها.
وكان التحدي الأكبر الذي واجه المنظمة مع انطلاقها في الخامس عشر من تموز عام 1957 يتمثل في كسر حاجز الخوف من العمل السياسي، ذلك الخوف الذي راكمته عقود طويلة من الاضطهاد والمجازر والمظالم التي تعرض لها شعبنا عبر تاريخه، والتي سعت إلى إقصائه وإبعاده بل وشطبه تماماً من المشهد السياسي في وطنه وأرضه التاريخية.
ورغم ما تعرضت له المنظمة من ملاحقة وقمع وتنكيل، فقد بقيت وفية لنهجها، ثابتة على مواقفها، متمسكة بأهدافها الوطنية والقومية. وقدّمت قياداتها وكوادرها نموذجاً مشرفاً في التضحية والإخلاص، إذ دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن قضيتهم، تمثلت في الاعتقال والنفي والتعذيب وسائر أشكال القمع، دون أن يحيدوا عن المبادئ التي آمنوا بها.
لقد اقترنت المطالبة بالاعتراف بحق شعبنا السرياني الآشوري في الوجود والحرية والحقوق القومية بالفعل السياسي المنظم، وسعت المنظمة إلى تثبيت هذه الحقوق من خلال الانخراط المبكر في أطر المعارضة السورية، بدءاً من ربيع دمشق وإعلان دمشق، وصولاً إلى المشاركة الفاعلة في مؤسسات المعارضة التي تشكلت بعد انطلاق الثورة السورية، وفي مقدمتها المجلس الوطني السوري، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وهيئة التفاوض السورية، واللجنة الدستورية.
وبالتوازي مع ذلك، وبعد عقود من العمل السياسي السري، خاضت المنظمة تجربة المشاركة في انتخابات مجلس الشعب، في محاولة لتثبيت الحضور السياسي لشعبنا وإيصال صوته إلى المؤسسات الرسمية. وقد رشحت خمسة من قيادييها بين عامي 1990 و2010، ولم يحالف النجاح سوى المرشح بشير سعدي في انتخابات عام 1990، في ظروف دولية استثنائية دفعت النظام البائد آنذاك إلى إجراء انتخابات شهدت هامشاً مقبولاً من الحرية. وجاءت هذه الترشيحات لتوجيه رسالة سياسية واضحة إلى السلطة وإلى شركاء الوطن، مفادها أن الشعب السرياني الآشوري شعب حي، لا يمكن كسر إرادته أو تغييب حضوره الوطني.
ومنذ سقوط النظام البائد، تبنت المنظمة موقفاً إيجابياً ومسؤولاً تجاه مسار التغيير والانتقال السياسي في سوريا. وانطلاقاً من خطابها السياسي القائم على الاعتدال والمبدئية، والبعيد عن الشعبوية والتحريض، دعمت كل خطوة تصب في مصلحة بناء الدولة السورية الجديدة، وفي الوقت ذاته لم تتردد في توجيه النقد إلى السلطة الانتقالية كلما ارتكبت أخطاء، كما أدانت بوضوح كل الانتهاكات والفظائع التي شهدتها البلاد، في موقف يعكس استقلالية قرارها السياسي وتمسكها بقناعاتها الوطنية والأخلاقية دون حسابات ضيقة أو اعتبارات آنية.
وفي هذا السياق، توّجت المنظمة هذا النهج الإيجابي بقبولها المشاركة في عضوية مجلس الشعب ممثلةً بمسؤولها الأستاذ كبرئيل موشي، انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية، وسعياً إلى تحقيق هدفين رئيسيين.
أولهما، تثبيت الحضور السياسي لشعبنا السرياني الآشوري في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا، باعتباره أحد أقدم شعوبها الأصيلة، ومن حقه الطبيعي أن يكون شريكاً في صناعة مستقبلها. كما أن المنظمة الآثورية الديمقراطية، بوصفها أحد أبرز الأحزاب السياسية لشعبنا، والتي مارست العمل المعارض مبكراً واستمرت فيه بثبات حتى سقوط النظام، وتحظى باحترام وقبول واسع على المستويين القومي والوطني، تستحق أن تكون ممثلة في هذا المجلس إلى جانب سائر القوى السياسية السورية.
أما الهدف الثاني، فيتمثل في أهمية المشاركة في صياغة الدستور الجديد للبلاد، باعتبار أن مجلس الشعب سيكون شريكاً أساسياً في هذه العملية التاريخية. ومن هنا تبرز الضرورة الوطنية والقومية لوجود ممثل عن المكون السرياني الآشوري، ليعمل على تضمين الدستور اعترافاً صريحاً بوجود شعبنا وحقوقه القومية، إلى جانب تثبيت الحقوق الدستورية لجميع المكونات السورية، بما يؤسس لدولة المواطنة والعدالة والشراكة الحقيقية.
إن مراجعة مسيرة المنظمة الآثورية الديمقراطية الممتدة منذ عام 1957 تؤكد سلامة خياراتها السياسية على امتداد ما يقارب سبعة عقود، فقد بقي رهانها الأول والأخير على شعبها وإرادته، وظلت بوصلتها تتجه دائماً نحو الدفاع عن المصالح العليا لشعبنا السرياني الآشوري، بالتوازي مع الحرص على حرية وكرامة الشعب السوري، ووحدة سوريا وسيادتها واستقرارها، والعمل من أجل دولة ديمقراطية عادلة يتساوى فيها جميع المواطنين.
ولعل الإجماع الواسع الذي حظيت به المنظمة في استحقاق تمثيلها في مجلس الشعب مؤخراً يشكل خير دليل على المكانة الوطنية التي راكمتها عبر تاريخها النضالي، فقد نالت دعماً وتأييداً غير مسبوق من غالبية كنائسنا وأحزابنا ومؤسساتنا القومية، كما حظيت بتأييد واسع من شركائنا في الوطن، من عرب وكرد وتركمان وأرمن، ومن المسلمين والمسيحيين والإيزيديين، وهو إجماع يعكس الثقة التي اكتسبتها المنظمة من خلال مسيرتها الطويلة ومواقفها الوطنية.
إن هذا الإجماع القومي والوطني والمسيحي يشكل وسام شرف يزين تاريخ المنظمة، وفي الوقت نفسه يحمّل ممثلها في مجلس الشعب النائب كبرئيل موشي مسؤولية كبيرة، سنبذل كل ما في وسعنا للوفاء بها، كما وفينا طوال العقود السبعة الماضية، دفاعاً عن حقوق شعبنا وخدمةً لوطننا.
وفي الذكرى التاسعة والستين لتأسيس المنظمة الآثورية الديمقراطية، نتوجه بأحر التهاني إلى جميع الرفاق والمناضلين، ونحيّي صمودهم وتضحياتهم وإخلاصهم، ونستذكر بكل اعتزاز كل من أسهم في بناء هذه المسيرة النضالية. كما ندعو الجميع إلى مواصلة العمل بروح المسؤولية والوحدة، من أجل تثبيت حقوق شعبنا، والمساهمة في بناء سوريا الجديدة، الدولة التعددية الديمقراطية التي حلم بها الآباء المؤسسون، وناضلت المنظمة من أجلها إلى جانب شركاء العمل السياسي على امتداد الساحة الوطنية منذ فجر تأسيسها.
المنظمة الآثورية الديمقراطية
المكتب التنفيذي
سوريا 15 تموز 2026 ميلادية

6767 آشورية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…