” التشاركية ” و “المحاصصة ” في الخصوصية السورية

صلاح بدرالدين  

  المشاركة او التشاركية في السلطة والثروة بين مكونات سوريا القومية تعني الاعتراف الدستوري بسوريا تعددية ، وبالوان واطياف مختلفة ، وطي صفحة النظرة القومية العنصرية الأحادية لنظام الاستبداد البعثي التي ترسخت في مؤسسات الإدارة منذ أكثر من نصف قرن بل وفي التاريخ المدون ، ومصادر التدريس في وزارات التربية والتعليم ، وهي قوننة ، وشرعنة حقوق الآخرين من غير الأكثرية العربية الحاكمة ، وقبول اجراء إحصاء سكاني عام يتضمن بند الانتماء القومي حتى تظهر النسب الحقيقية للالوان الوطنية الجميلة ، وينال كل مكون حقه المشروع من دون مكرمة من أحد ، ثم تثبت ذلك كمسلمات بالدستور الدائم ، وعلى صعيد التطبيق العملي يجري التعامل الرسمي مع ممثلي هذه المكونات في حركاتهم السياسية الموحدة من خلال العملية الديموقراطية في مؤتمرات علنية تعقد بالعاصمة الوطنية دمشق ، بعد ان قسمتها الأنظمة الشوفينية الى كتل وأحزاب وفصائل ، وميليشيات طوال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة .

   بعد نجاح الثورة السورية في تحقيق هدفها الأول اسقاط نظام الاستبداد في ديسمبر /٢٠٢٤ ، تبنى العهد الجديد في بياناته ، وتصريحات مسؤوليه شعار – التشاركية – ومالبث ان انتقل الى النقيض أي  المحاصصة التي حذر منها ليل نهار ، فان الإدارة الانتقالية الحاكمة أول من أخذ بها في مسألتي – دمج – مسلحي وإدارة – قسد – وتعيين أعضاء من عدد من المكونات القومية في مجلس الشعب مثل الكرد – ١٤ – عضو ، والتركمان – ١٢ – عضو ، والآشوريين – عضو واحد – ، ولأنها – محاصصة – لم تستند الى وقائع تاريخية مدروسة للواقع السوري الجيوسياسي ، ونتائج إحصائية سليمة مفترضة ،  ولم يتم الضمان الدستوري المطلوب ، واستندت الى مواقف وتوجهات اللون الواحد حيث مدة حاكميته في – ادلب – لم تتميز بتجربة معرفية في مقاربة القضايا القومية ، وإيجاد الحلول الشافية لها ،لذا فالعملية لم تكن عادلة ، ولم تكن سليمة ، وكانت بعيدة عن المفهوم الديموقراطي حول قضايا القوميات وحقوقها المكفولة في وثائق هيئة الأمم المتحدة ، الذي افتقدناه لستين عاما في بلادنا المنكوبة من جانب نظام دكتاتوري اجرامي خنق الحريات العامة ، وأثار النعرات العنصرية ، ودمر قاعدة الوحدة الوطنية لعقود طويلة .

  نحن نتكلم حتى الان عن المكونات القومية والثقافية التي من حقها المشاركة في تقرير مصير البلاد ، والتوزع في المؤسسات الوطنية حسب النسبة العددية والكفاءة ، أما في مفهوم المحاصصة النقيض للتشاركية ، والمتبع في اختيار أعضاء ( مجلس الشعب !)  فلم يقتصر على المكونات القومية بل شمل الأديان والمذاهب ، فقد اختير أربعة مقاعد للمسيحيين ولأسباب امنية تم تأجيل اختيار حصص الساحل والسويداء ، في حين ان الدرزي والعلوي والغالبية المسيحية يندرجون بشكل عام في خانة المكون العربي حيث لاتوجد في سوريا قوميات علوية ودرزية ومسيحية ، وبدلا من إيجاد حلول وطنية ديموقراطية تصون الوحدة الوطنية ، والعيش المشترك نجد هذا المفهوم ينسفهما من الأساس .

  أمام هذا الوضع الشديد الدقة على الوطنيين الكرد السوريين العمل المسؤول الهادف من أجل تغيير المعادلة – المحاصصاتية – القائمة الى عقد اجتماعي تشاركي ، فتلك المعادلة  لم تستند الى إرادة السوريين وفي مقدمتهم الكرد ، وتوفير شروط ، ومتطلبات مبدأ – التشاركية – ، والتحضير لها كرديا ( كأنها ستحصل غدا ) وذلك بعدم – النحيب –  مطولا على أطلال هذا الحزب المنهار وذاك ،بل باطلاق عملية الحوار ، والنقاش في سبيل التعاون لتوفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع لاعادة البناء من جديد ووضع اللبنات الأولى لحركة كردية سياسية موسعة تضم كل التيارات الفكرية، والرؤا السياسية ، والتوجهات الثقافية ، والخطوة الأولى ستبدأ بالتوافق على لجنة تحضيرية للاعداد ، والاشراف ، بغالبية وطنية مستقلة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

يعرب منتدى الكلمة الحرة عن رفضه لأي محاولة تهدف إلى تغيير اسم مدينة كوباني واستبداله بأي اسم آخر، لما يحمله هذا الاسم من قيمة تاريخية وثقافية ورمزية في الذاكرة الجمعية لسكان المنطقة ولكل من تابع ملحمة صمودها التي أصبحت رمزًا عالميًا في مواجهة الإرهاب. إن اسم كوباني (Kobanê) ليس مجرد تسمية جغرافية، بل هو جزء من هوية المدينة وتاريخها، وقد…

هيئة التحرير كتب السيد مروان خورشيد في منشورين* على صفحته عبارات قاسية بحق موقع (ولاتي مه) مستخدما أوصافا مسيئة بحق الموقع والعاملين فيه، كما وجه اتهامات كبيرة حول دوره وتأثيره، دون تقديم أمثلة أو أدلة واضحة تبرر هذه الأحكام. إن موقع (ولاتي مه) ليس مشروعا عابرا ظهر في السنوات الأخيرة، بل هو تجربة إعلامية وثقافية مستمرة منذ أكثر من عشرين…

حسن قاسم تمر القضية الكوردية في سوريا بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود. فالمشهد يبدو مرتبكاً إلى حد كبير؛ فلا يوجد اعتراف رسمي بالإدارة الذاتية بصيغتها الحالية، ومستقبلها يظل رهناً بالتفاهمات بين القوى المحلية والإقليمية والدولية. كما أن مؤسسات الدولة السورية في المناطق الكوردية لا تزال معطلة أو محدودة الفاعلية، بينما تستمر الانقسامات الحزبية في استنزاف ما تبقى من…

حسين امين يراودني سؤال… بعد الحديث عن اندماج قسد مع سلطة دمشق، وبعد مشاركة أعضاء من المجلس الوطني الكردي في البرلمان، وبعد صدور المرسوم رقم 13 الذي تضمّن الاعتراف باللغة الكردية في بعض السياقات… لماذا يتصدر فجأة موضوع القارمات في قامشلو، ثم في كوباني؟ هل هي القضية الأكثر إلحاحًا اليوم؟ أم أن هناك من يدفع بهذا الملف إلى الواجهة لإشغال…