كورد سوريا في حيص بيص… فما العمل؟

حسن قاسم
تمر القضية الكوردية في سوريا بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود. فالمشهد يبدو مرتبكاً إلى حد كبير؛ فلا يوجد اعتراف رسمي بالإدارة الذاتية بصيغتها الحالية، ومستقبلها يظل رهناً بالتفاهمات بين القوى المحلية والإقليمية والدولية. كما أن مؤسسات الدولة السورية في المناطق الكوردية لا تزال معطلة أو محدودة الفاعلية، بينما تستمر الانقسامات الحزبية في استنزاف ما تبقى من الرصيد السياسي والشعبي.
ولعل أخطر ما في المشهد هو غياب إطار دستوري يضمن الحقوق القومية للكورد. ففي أي نظام سياسي مستقر، تتنافس القوى السياسية ضمن قواعد دستورية واضحة، فتنقسم إلى موالاة ومعارضة مع الاحتفاظ بالثوابت الوطنية والقومية. أما في الحالة الكوردية السورية، فإن الخلافات تدور حول أصل المرجعية والشرعية، لا حول البرامج والسياسات، مما يجعل الانقسام أكثر خطورة.
إلى جانب ذلك، تراجعت ثقة الشارع بالأحزاب الكوردية نتيجة سنوات طويلة من الانقسامات، وضعف الإنجاز، وتغليب المصالح الحزبية على المصلحة العامة. ولم يعد ممكناً استعادة هذه الثقة بالشعارات، بل بخطوات عملية تعكس مراجعة حقيقية للتجربة السابقة.
إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة ترتيب الأولويات، وأبرزها:
توحيد الصف الكوردي على أساس برنامج وطني واقعي، لا على أساس المحاصصة الحزبية.
تشكيل مرجعية سياسية ومجتمعية تضم الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية المستقلة، لتكون مرجعاً في القضايا المصيرية.
التمسك بحل دستوري ديمقراطي يقر بالوجود القومي للشعب الكوردي ويضمن حقوقه ضمن سوريا لامركزية تعددية.
إطلاق عملية إصلاح داخلية شاملة تعزز الشفافية والمحاسبة وتجدد القيادات وتفتح المجال أمام الشباب والنساء وأصحاب الكفاءة.
استعادة ثقة الجماهير عبر تحسين الإدارة والخدمات، ومحاربة الفساد، وربط القرار السياسي بمصالح الناس لا بمصالح التنظيمات.
بناء شبكة علاقات متوازنة مع دمشق والقوى السورية الأخرى، ومع الأطراف الإقليمية والدولية، انطلاقاً من مبدأ أن القضية الكوردية جزء من استقرار سوريا والمنطقة، وليست عبئاً عليها.
إن التحديات الداخلية لا تقل خطورة عن الضغوط الإقليمية والدولية. فالانقسام الداخلي يمنح الآخرين فرصة لفرض أجنداتهم، بينما تشكل الوحدة السياسية والمجتمعية مصدر القوة الأول في أي مفاوضات مقبلة.
اليوم، لم يعد السؤال: من هو الحزب الأقوى؟ بل: كيف نحافظ على ما تبقى من القضية الكوردية ونحولها من حالة دفاع مستمر إلى مشروع سياسي قابل للحياة؟
إن التاريخ لا يمنح الشعوب فرصاً كثيرة. وإذا لم تنجح الحركة السياسية الكوردية في مراجعة تجربتها، وتوحيد جهودها، وصياغة رؤية مشتركة للمستقبل، فإنها تخاطر بفقدان ما تبقى من أوراق القوة. أما إذا جعلت المصلحة القومية فوق الاعتبارات الحزبية، فقد تستطيع تحويل هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق جديدة نحو حل عادل ودائم يضمن حقوق الشعب الكوردي في إطار سوريا ديمقراطية تعددية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…