د.اسماعيل حصاف*
اكتسب اللقاء الثنائي، الذي جمع يوم الأربعاء (8 يوليو/تموز 2026) الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المنعقدة في العاصمة التركية أنقرة، أبعادًا إقليمية ودولية واسعة، وحظي باهتمام كبير من وسائل الإعلام العالمية.
تركزت عناوين وتقارير وكالات الأنباء العالمية (مثل رويترز، والصحف الأمريكية والفرنسية) حول
الإعلان عن شطب سوريا من قائمة الإرهاب الأمريكية، حيث نشرت وسائل إعلام دولية تفاصيل رسالة رسمية سلمها ترامب إلى الشرع عقب لقائهما اليوم، يُبلغه فيها بقراره الرسمي رفع اسم سوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب (المدرجة عليها منذ عام 1979)؛ وإعادة الإعمار والاستثمار، حيث نقلت الصحافة عن ترامب قوله في الرسالة: “لقد وعدت بإزالة جميع الحواجز التي تمنعكم من إعادة بناء بلدكم… لدينا شركات أمريكية مستعدة للاستثمار في سوريا”.وأشارت التقارير إلى أن ترامب أبلغ الكونغرس رسمياً بالقرار، لتبدأ فترة مراجعة مدتها 45 يوماً قبل دخول الشطب حيز التنفيذ، وذلك بعد فترة وجيزة من إلغائه الجزء الأكبر من العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر”.
في المقابل، نشرت منصات مثل (National Review) ومراكز أبحاث أمريكية (كـ المعهد الدفاع عن الديمقراطيات FDD) مقالات تحليلية تحذر ترامب من مغبة “شطب سوريا دون شروط صارمة”، مشيرةً إلى الماضي العسكري للشرع، واعتبرت أن رفع التصنيف يمثل تخلّياً عن أوراق ضغط قوية كان يمكن لواشنطن استخدامها لضمان مكافحة التطرف بشكل كامل وتحقيق الانتقال السياسي المستدام.
ورأت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن اللقاء يأتي في سياق إعادة دمج سوريا تدريجيًا في المشهد الدولي. وركزت الصحافة الفرنسية على ثلاث نقاط رئيسية: أولها أن اللقاء يعكس تحولًا واضحًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، وثانيها أن الشرع يسعى إلى تقديم سوريا بوصفها شريكًا في تحقيق الاستقرار الإقليمي، لا طرفًا في صراعات جديدة، وثالثها أن نجاح الاجتماع سيُقاس بمدى ترجمته إلى خطوات عملية، مثل توسيع التعاون الاقتصادي والأمني، وليس بالاكتفاء بالتصريحات السياسية
أما الصحافة الروسية، فقد اتسمت تغطيتها بلهجة براغماتية. فقد رأت وكالتا «تاس» و«ريا نوفوستي» أن اللقاء يعكس تحولًا كبيرًا في السياسة الأمريكية تجاه دمشق، وأنه يتجاوز كونه لقاءً بروتوكوليًا. كما رأى بعض المعلقين الروس أن هذا التحول قد يفتح بابًا لتنافس سياسي واقتصادي بين موسكو وواشنطن داخل سوريا.
وفي التحليلات السياسية الروسية برز رأي مفاده أن إدارة ترامب باتت تتعامل مع سوريا من منظور الاستقرار الإقليمي ومكافحة الجماعات المتطرفة، أكثر من تعاملها معها من منظور تغيير النظام، كما كان الحال في مراحل سابقة. ويرى بعض المحللين أن هذا التقارب قد يخلق فرصًا للتنسيق الأمريكي–الروسي في بعض الملفات، مع استمرار التنافس في ملفات أخرى، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن روسيا ما تزال تعتبر نفسها شريكًا أساسيًا لدمشق، وأن أي انفتاح أمريكي لن يلغي نفوذها في سوريا.
أما الصحافة التركية المقربة من الحكومة، فقد اعتبرت أن ما جرى يمثل نجاحًا للدبلوماسية التركية، انطلاقًا من أن اللقاء عُقد في أنقرة على هامش قمة الناتو. وفي المقابل، أشار بعض المحللين الأتراك إلى أن اللقاء لا يعني بالضرورة وجود توافق كامل بين واشنطن وأنقرة، إذ ما تزال هناك ملفات خلافية، أبرزها مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا، والعلاقة الأمريكية مع القوات الكردية المسلحة. وبصورة عامة، ترى أنقرة أن هذا اللقاء يخدم رؤيتها الرامية إلى إعادة دمج دمشق إقليميًا ودوليًا، مع الحفاظ على دور تركي محوري في أي ترتيبات سياسية أو أمنية تخص سوريا.
أخيرا، ماهي النتائج المترتبة مستقبلا للسياسة السورية فيما لو تحسنت علاقات حكومة دمشق مع واشنطن: من الممكن أن تصبح سوريا شريكًا متعاونًا مع الناتو في بعض الملفات الأمنية ومنها حوار أمني مع بعض دول الناتو وخاصة مع تركيا، برامج تدريب عسكري – استخباراتي، التعاون في مجال أمن الحدود وخاصة حدود كردستان المقسمة بين كل من تركيا وإيران وسوريا والعراق، ومكافحة الحركات “الهدامة” وفق توصيفهم لحركة التحرر الكردية، محاربة الارهاب والمشاركة في بعض المشاريع العامة للحلف. لكن هناك عقبات كبيرة امام تحقيق هذا الاتجاه وفي مقدمتها الصراع الروسي على سوريا.
وفيما يتعلق بالقضية الكردية، يبدو أن الاتجاه الغالب هو الدفع نحو سياسة الاندماج التي تنتهجها إيران وتركيا منذ عقود في سياساتها الكردية، إذ أصبح الخطاب الأمريكي يركز على وحدة الأراضي السورية واستقرار الدولة، بما ينسجم مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في غرب آسيا، مع التشديد على ضمان حقوق الكرد وبقية المكونات القومية والدينية داخل الدولة السورية.
وفي هذا السياق، يمكن للكرد الاستفادة من المرسوم الرئاسي رقم (13)، الذي تضمن إجراءات غير مسبوقة في القانون السوري، من بينها الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية الكردية. ويمكن النظر إلى هذا المرسوم باعتباره مرتكزًا لمواصلة النضال السياسي والقانوني من أجل تثبيت الحقوق القومية للشعب الكردي، والاعتراف بخصوصيته الجيوسياسية بوصفه قضية أرض وشعب.
وعمومًا، إذا استمر انفتاح دمشق على أوروبا والولايات المتحدة، فمن المرجح أن يصبح ملف الديمقراطية جزءًا من الحوار السياسي. إذ تميل الدول الأوروبية إلى ربط تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دمشق بإحراز تقدم في ملفات حقوق الإنسان، والحوكمة، والحريات العامة، واحترام التعددية القومية والدينية، وترجمة ذلك إلى سياسات وممارسات ملموسة على أرض الواقع.
ومع ذلك، فإن عدم التوصل إلى حل ديمقراطي عادل ومستدام للقضية الكردية سيجعل تحقيق الأمن والاستقرار الشاملين في سوريا أمرًا بالغ الصعوبة. فكلما طال بقاء هذه القضية دون تسوية سياسية، بقيت إحدى نقاط الضعف البنيوية في الدولة السورية قائمة، واستمر المجال مفتوحًا أمام التدخلات الإقليمية والدولية عبر هذا الملف.
——————-
*.إستاذ التاريخ الحديث والمعاصر