كركوك بين براثن الحسابات الضيقة وانهيار العقد الوطني

أميرة لاوند

ليست كركوك مجرد بقعة جغرافية على الخريطة بل هي نبض الهوية ومحك الوطنية الكردستانية. لكن وللأسف تحولت هذه المدينة في أروقة التاريخ السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني إلى ساحة لتصفية الحسابات أو مساحة للمناورة التي انتهت بانتكاسات مفصلية مؤلمة. إن الحديث عن تسليم كركوك مرتين ليس مجرد توصيف عابر لحدث عسكري بل هو توصيف لانهيار العقد الأخلاقي بين الحزب وجمهوره.
عندما يتم التعامل مع الأرض كأداة في لعبة توازنات إقليمية فإن النتيجة الحتمية هي ضياع البوصلة الوطنية. ما شهدناه في المرات التي سقطت فيها كركوك لم يكن مجرد ضعف عسكري مفاجئ بل كان انعكاساً لنهج سياسي يغلّب الحسابات الفئوية على المصلحة القومية العليا. إن الفجوة بين الخطاب الشعاراتي الذي يرفع راية قدسية كركوك وبين الواقع الميداني الذي شهد ما وصفه الشارع الكردستاني بالانسحاب غير المبرر أحدث شرخاً عميقاً في ذاكرة الأجيال.
إن الوطنية ليست مجرد انتماء عاطفي بل هي فعل مستمر وموقفٌ صلب في لحظات الاختبار التاريخي. حين تخلو الساحة من المسؤولية وتصبح الخيارات السياسية قائمة على المساومات أو التواطؤ غير المباشر مع أطراف تتربص بكيان المدينة فإننا نخرج من دائرة الخطأ السياسي لندخل في نفق خيانة الثقة الوطنية.
إن التاريخ لا يرحم والذاكرة الجمعية لأهل كركوك لا تنسى. إن محاولات العودة إلى كركوك تبدو باهتة بعد أن تم تمييع هويتها وتغيير ديموغرافيتها تحت مرأى ومسمع من كان يفترض بهم حمايتها. لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالتبريرات أو رمي الكرة في ملعب الآخرين؛ فالمسؤولية التاريخية تقتضي اعترافاً شجاعاً وفهماً بأن تكرار الأخطاء تحت مسمى الواقعية السياسية ليس سوى تدمير ممنهج للطموح القومي.
ختاماً إن كانت البوصلة الوطنية قد ضاعت في دهاليز السلطة فليكن الصمت خيراً من تكرار مسرحيات التسليم. كركوك أمانة ومن يعجز عن صونها لا يملك الحق في ادعاء تمثيل روحها ونضالها. سيحاكم التاريخ الجميع بميزان المواقف، لا بميزان الوعود الجوفاء التي تتبخر مع أول أزمة. لقد آن الأوان لتصحيح المسار قبل أن تصبح كركوك مجرد ذكرى في كتب التاريخ، بدلاً من أن تكون قلب كوردستان النابض.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…

د. فريد سعدون استقبل المحافظ وفد مربي النحل .. استقبل مدير المنطقة وفد تجار البوظة استقبل مدير الناحية وفد مزارعي البابونج.. استقبل عظيم الروم وفد رعاة البط وديوك الحبش ……… كنت أتمنى أن نقرأ : قام المحافظ بتدشين أوتستراد ديريك/ قامشلو/ الحسكة، وافتتاح مشفى الحسكة لأمراض السرطان. قام مدير المنطقة بتدشين محطة كهرباء قامشلي النووية. قام مدير الناحية بتدشين مصفاة…