عبد الجابر حبيب
لم يكن الانفجار الذي دوّى في دمشق مجرّدَ صوتٍ عابرٍ في مدينةٍ أنهكتها أصواتُ الحرب؛ فقد جاء في لحظةٍ شديدةِ الرمزية، بينما كانت العاصمة تستقبل ضيفاً دولياً يحمل معه صورةً مختلفةً عن سوريا التي تحاول أن تخرج من ظلال السنوات الثقيلة.
في السياسة، لا تكفي قراءة ما يحدث في المكان، بل يجب الإصغاء إلى توقيت الحدث أيضاً. فبعض الانفجارات لا تبحث عن ضحايا بقدر ما تبحث عن معنى، ولا تريد أن تغيّر الواقع بقدر ما تريد أن تقول: نحن ما زلنا هنا.
كان يمكن أن يكون التفجير حادثاً أمنياً محدوداً، لكنَّ قربه من مكان إقامة الرئيس الفرنسي، وتزامنه مع الزيارة، منحه حمولةً رمزيةً أكبر. فالمسألة لم تعد مرتبطةً بالعبوة وحدها، بل بالصورة التي أراد الفاعل ـ أياً كان ـ أن يصنعها أمام العالم بعدما وضع تلك العبوة.
إنَّ اللحظات الانتقالية هي أكثر اللحظات عرضةً للاهتزاز؛ ففي الوقت الذي تحاول فيه الدول فتح نوافذ جديدة، تظهر دائماً قوى تخشى فقدان نفوذها في الظلام، أو ترى في الاستقرار تهديداً لمصالحها. وهكذا يصبح العنف محاولةً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لكنَّ السؤال الأهم ليس فقط: من وضع العبوة؟ بل: ما الذي أراد أن يفجّره معها؟
هل أراد تفجير صورة الانفتاح الدولي على سوريا؟
هل أراد القول إنَّ العاصمة لم تستعد عافيتها بعد؟
أم أراد أن يذكّر الجميع بأنَّ هناك ملفاتٍ لم تُغلق، وجراحاً لم تلتئم؟
في كل مرحلةٍ من التاريخ، هناك من يراهن على الخوف كي يمنع ولادة الأمل. فحين تبدأ المدن بترميم أبوابها لاستقبال المستقبل، يأتي من يحاول تذكيرها بأنَّ الجدران ما زالت متصدعة. وحين تقترب السياسة من طاولة الحوار، يحاول العنف أن يضع كرسياً فارغاً على تلك الطاولة.
لكنَّ دمشق، التي عرفت عبر تاريخها أصواتاً كثيرةً؛ أصواتَ السيوف، والمدافع، والانقسامات، تعرف أيضاً أنَّ المدن لا تُهزم بصدى الانفجارات، ما دامت دمشق واثقةً من أبنائها، وأنَّ لديهم القدرة على تجاوزها.
قد ينتهي أثر العبوة بعد لحظات، لكنَّ الأسئلة التي تتركها تبقى طويلاً. فالانفجار الحقيقي ليس ما يهزّ الجدران، بل ما يحاول أن يهزّ ثقة الناس بالمستقبل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كان انفجار دمشق محاولةً لإعلان حضور الماضي في وجه المستقبل، أم أنَّ المستقبل نفسه ما زال يحمل في داخله أصواتاً لم تهدأ بعد؟
سؤالٌ وحيد يحتاج إلى أكثر من جواب: من لديه الرغبة في أن تعيش سوريا في دوامة القلق…؟