الفيدرالية في سوريا: رؤية دستورية لإدارة التنوع وتعزيز الشراكة الوطنية

خالد حسو

ليست الفيدرالية شعارًا يُرفع في لحظة غضب، ولا مشروعًا يُفرض على مجتمعٍ أنهكته الأزمات، بل هي إحدى الصيغ الدستورية والإدارية التي تلجأ إليها بعض الدول لتنظيم توزيع السلطات وتحقيق مشاركة أوسع في إدارة الشأن العام. ويظل اختيار أي نموذج للحكم مسألةً سيادية ترتبط بإرادة المواطنين والتوافق الوطني، وبما ينسجم مع الدستور وسيادة الدولة ووحدتها.

لم تكن سوريا يومًا مجتمعًا أحادي الهوية، بل هي وطنٌ يضم تنوعًا قوميًا وثقافيًا ودينيًا ولغويًا شكّل جزءًا من تاريخها وهويتها الوطنية. وفي هذا السياق، يُعدّ الكورد أحد الشعوب الأصيلة في سوريا، ولهم حضور تاريخي وجغرافي واجتماعي وثقافي أسهم في الحياة الوطنية. وإن الاعتراف بهذا التنوع وصون الحقوق الثقافية واللغوية لجميع الشعوب والمكونات ينسجم مع مبادئ المواطنة المتساوية ولا يتعارض مع وحدة الدولة.

إن التحدي الحقيقي لم يكن في وجود هذا التنوع، وإنما في كيفية إدارته ضمن إطارٍ دستوري يكفل المساواة أمام القانون، ويضمن المشاركة العادلة في صنع القرار، ويحمي الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز. فكلما شعر المواطن بأن حقوقه مصونة وأن صوته ممثل، تعززت الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

لقد كشفت السنوات الماضية عن حاجةٍ ملحّة إلى إعادة النظر في آليات الحكم والإدارة، بما يحقق الاستقرار ويعزز الشراكة الوطنية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من يحكم، بل كيف تُدار الدولة بما يضمن مشاركة جميع أبنائها، ويحافظ في الوقت ذاته على وحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن استقرارها لا يرتبط بتماثل مكوناتها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات دستورية تحترم التعددية، وتوزع الصلاحيات بصورة واضحة، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين السلطة المركزية والإدارات المحلية، وفقًا لما يقرره الدستور.

وفي هذا الإطار، تُطرح الفيدرالية بوصفها أحد النماذج الدستورية الممكنة لإدارة التنوع وتوزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية والأقاليم، مع بقاء السيادة والتمثيل الدولي والدفاع والسياسات الوطنية ضمن إطار الدولة الواحدة، كما هو معمول به في عدد من الدول. وهي ليست، من الناحية القانونية، مرادفًا للانفصال، وإنما تبقى إحدى الصيغ الدستورية التي يحدد نجاحها أو فشلها طبيعة تطبيقها ومدى توافقها مع خصوصية كل دولة.

إن بناء مستقبل مستقر يتطلب عقدًا وطنيًا جديدًا يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وخصوصية جميع الشعوب والقوميات والمكونات والأديان، والاعتراف المتبادل بين جميع الشعوب ومكونات المجتمع، بما يعزز الانتماء الوطني ويصون وحدة البلاد.

قد لا يكون الطريق سهلًا، لكن الوصول إلى الاستقرار الدائم يقتضي حوارًا وطنيًا مسؤولًا، يبحث في مختلف الخيارات الدستورية والسياسية بروح التوافق، وصولًا إلى دولة يشعر فيها جميع المواطنين بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات، وفي صناعة الحاضر والمستقبل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ريزان شيخموس الاستاذ الفاضل أكرم محمد ؛ قرأت مقالك باهتمام، ولا أخفي أنني وجدت فيه جهدًا واضحًا في محاولة تفسير أحد أهم الإشكاليات التي رافقت الحركة السياسية الكردية طوال القرن الماضي. وأعتقد أن مثل هذه الكتابات، مهما اختلفنا معها، تستحق أن تُناقش بهدوء لأنها تمس جوهر القضية الكردية ومستقبلها. لكن ما سأكتبه هنا ليس دفاعًا عن اليسار الكردي، كما قد…

صلاح بدرالدين في مقابلة مطولة مع فضائية – الجزيرة – تناولت العديد من القضايا الهامة المتعلقة بسوريا حاضرا ومستقبلا ، أعلن الرئيس السوري الانتقالي عن مواقف مستجدة شديدة الوضوح ومميزة تجاه الوضع الكردي السوري ، معترفا بوجود قضية كردية سورية ، خارج اطار– قسد – والتنظيمات . حول هوية سوريا قال : ” أن هوية البلاد سورية وان ادخال تعريفات…

عنايت ديكو المثقف لا تصنعه الاجتماعات والمؤتمرات والمظاهر البرّاقة، بل تصنعه المواقف، وتُنجبه المبادئ. المثقف هو ذاك العنقاء الذي يخرج من بين الزحام والآلام، حاملاً مشروعه الوجودي بين يديه. نعم … قد يخطئ المثقف، لأنه بشر، يأكل ويشرب، لكنه لا يخون عمداً، ولا يؤجر مساحات الوعي، ولا يبيع أركان ضميره، ولا ينكر معروفاً. فيبقى وفياً لقضية الانسان، صادقاً في مشاعره،…

شادي حاجي ورقة رؤية استراتيجية لبناء النفوذ الكردي داخل الديمقراطيات الغربية بعد عقود من الهجرة والاستقرار في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لم يعد السؤال: كم يبلغ عدد الكرد في المهجر؟ بل: لماذا ما يزال تأثيرهم السياسي والفكري أقل بكثير من حجمهم الحقيقي؟ لا تهدف هذه الورقة إلى نقد واقع الجاليات الكردية فحسب، بل إلى طرح رؤية عملية لكيفية تحويل…