هل بإمكان تحول الحلم الكوردي إلى حقيقة؟

شكري بكر

جميعنا ندرك أن الدولة الكوردية المستقلة لا يمكن أن تأتي دفعة واحدة، بل قد تتحقق بصورة تدريجية، انطلاقا من إقليم كوردستان أولا، بالتوازي مع حدوث تطورات إيجابية في أوضاع الكورد في سوريا وتركيا وإيران.

وبناء على ذلك، يمكن الحديث عن عدد من السيناريوهات المحتملة لقيام الدولة الكوردية، ومن أبرزها:

1 ترسيخ إقليم كوردستان ككيان شبه مستقل

يتطلب ذلك العمل على مجموعة من الخطوات الأساسية، من بينها:

توحيد مؤسسات الإقليم، وتوحيد قواته العسكرية، ولا سيما قوات البيشمركة.

تقريب مواقف الأحزاب الكوردية وتوحيدها قدر الإمكان.

حل الخلافات بين أربيل والسليمانية.

بناء اقتصاد أكثر تنوعا وأقل اعتمادا على النفط.

تطوير علاقات قوية ومتوازنة مع تركيا والولايات المتحدة وأوروبا والعراق.

معالجة ملف كركوك والمناطق المتنازع عليها بالوسائل السياسية، بعيدا عن المواجهات العسكرية.

وتكتسب هذه النقاط أهمية كبيرة بالنسبة إلى الإقليم، لأن تجربة الاستفتاء التي جرت عام 2017 أظهرت أن التأييد الشعبي الواسع للاستقلال لا يكفي وحده، ما لم تتوافر بيئة إقليمية ودولية مؤيدة أو على الأقل غير معارضة.

2 تحول العراق إلى دولة اتحادية مستقرة

بدلا من الدخول في مواجهة مسلحة أو صراع دائم مع بغداد، يمكن العمل على تطوير النظام الاتحادي في العراق بما يسمح بتحويل العلاقة بين بغداد وأربيل إلى شراكة حقيقية بين كيانين ضمن دولة اتحادية، مع منح الإقليم صلاحيات واسعة.

ويتطلب ذلك التوصل إلى اتفاقات واضحة وثابتة بشأن النفط والميزانية والأمن والحدود والصلاحيات الدستورية.

وقد يشكل نجاح هذا النموذج مرحلة انتقالية مهمة نحو وضع سياسي أكثر استقلالية للإقليم في المستقبل.

3 تسوية القضية الكوردية في تركيا

شهد هذا الملف تطورات مهمة خلال عام 2026، ولا سيما بعد الخطوات المتعلقة بإنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكوردستاني.

وفي حال تحولت هذه العملية إلى تسوية سياسية وديمقراطية حقيقية ودائمة، فإن ذلك قد يمثل واحدا من أهم التحولات الاستراتيجية في القضية الكوردية منذ عقود.

تركيا دولة قوية ومؤثرة في المنطقة، كما أن علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع إقليم كوردستان واسعة. ومن هنا فإن تحول الموقف التركي من القضية الكوردية، ونجاح مسار السلام والاستقرار الداخلي، يمكن أن يكون عاملا بالغ الأهمية في مستقبل الإقليم.

فتركيا قد لا تعارض بالضرورة أي تطور كوردي، إذا لم تعتبره تهديدا مباشرا لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.

4 تثبيت وضع الكورد في سوريا

أرى أن الهدف الأقرب والأكثر واقعية بالنسبة إلى كورد سوريا في المرحلة الحالية يتمثل في الوصول إلى صيغة حكم ذاتي أو لامركزية دستورية حقيقية، بدلا من التوجه نحو إعلان استقلال شمال شرق سوريا.

فالوضع السوري ما زال في مرحلة إعادة تشكيل الدولة ودمج المناطق المختلفة ضمن النظام السياسي الجديد، مع استمرار الخلافات والتوترات المتعلقة بشكل الحكم والإدارة والأمن.

والأهم في هذه المرحلة هو بناء علاقات سياسية واقتصادية وثقافية قوية بين إقليم كوردستان وكورد سوريا، من دون أن يكون ذلك بالضرورة جزءا من مشروع مباشر لتغيير الحدود الدولية.

5 انتظار لحظة تاريخية إقليمية

إذا تمكن إقليم كوردستان من الوصول إلى مرحلة متقدمة من القوة الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية، بالتزامن مع تحسن أوضاع الكورد في الدول الأخرى، فقد تأتي لحظة تاريخية استثنائية تفتح الباب أمام الاستقلال.

وقد ترتبط هذه اللحظة بعدة عوامل، منها إعادة تشكيل بعض دول المنطقة، أو حدوث تحولات سياسية كبرى، أو التوصل إلى اتفاق إقليمي واسع، أو ظهور قبول أمريكي وأوروبي ودولي، أو اتخاذ تركيا وإيران موقفا محايدا، إضافة إلى احتمال حدوث أزمة دستورية كبيرة بين أربيل وبغداد.

عندها يمكن أن يتحول استقلال إقليم كوردستان من مجرد طموح أو إعلان سياسي إلى احتمال واقعي قابل للتحقق.

الطريق الأكثر واقعية

النقطة الأهم في هذا السياق أنني لا أعتقد أن الطريق إلى الدولة الكوردية سيمر عبر توحيد المناطق الكوردية في سوريا وتركيا والعراق وإيران دفعة واحدة ضمن دولة كوردية واحدة.

فالسيناريو الأكثر واقعية هو أن يتحول إقليم كوردستان أولا إلى دولة مستقلة، ثم يعمل على نسج علاقات قوية مع المناطق والمجتمعات الكوردية الأخرى، بالتزامن مع تحسن حقوق الكورد وأوضاعهم السياسية في سوريا وتركيا وإيران.

ومن خلال ذلك، يمكن إنشاء فضاء كوردي قوي سياسيا واقتصاديا وثقافيا يتجاوز الحدود القائمة.

وقد لا تنتهي هذه العملية بقيام كوردستان الكبرى بالمعنى التقليدي، لكنها قد تؤدي إلى ظهور أمة كوردية قوية تمتلك مركزا سياسيا مستقلا، وترتبط في الوقت نفسه بكورد الأجزاء الأربعة من خلال علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية، وربما من خلال مؤسسات مشتركة في المستقبل.

واللافت أن تغير الموقف التركي من الصراع الكوردي قد يكون عاملا حاسما في هذا المسار.

فإذا تحولت عملية السلام الجارية في تركيا إلى استقرار سياسي حقيقي وتسوية دائمة للقضية الكوردية، فإن إحدى أكبر العقبات الإقليمية أمام استقلال إقليم كوردستان قد تتراجع بصورة كبيرة.

وعندها قد يدخل الإقليم مرحلة جديدة تؤدي إلى تغييرات جذرية في موقعه السياسي ومستقبله، وقد تجعل الحلم الكوردي أقرب إلى التحول من فكرة تاريخية إلى واقع سياسي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شيخ أمين كلين ياسادة الافاضل : مارأيكم في فكرة المراجعة ؟ _ الفلاح في نهاية كل موسم يدقق في حساباته لابل يراجع حتى يعرف ميزان الربح والخسارة . _ الطالب قبل دخول الامتحان يراجع موضوع المطلوب منه ، وبعد خروجه من الامتحان يراجع من جديد ليتاكد من اجاباته . _ التاجر نهاية كل سنة ، يأتي بمحاسب ليدقق له حساباتة…

نورالدين عمر تسود لدى قطاع واسع من مجتمعنا قناعة بضرورة تقييم المواقف السياسية للدول تجاه القضية الكردية بالأفعال لا بالأقوال، معتبرين التصريحات الشفهية مجرد استهلاك إعلامي لا قيمة له. ورغم منطقية هذا الطرح الداعي إلى نتائج ملموسة، إلا أنه يحجم أحياناً عن إدراك الوزن الاستراتيجي للخطاب السياسي، فالأحداث الكبرى في التاريخ لم تبدأ بالتحركات الميدانية المباشرة، بل بالتصريحات الأخلاقية…

د. عدنان بوزان كلما عادت القضية الكوردية إلى واجهة الأحداث، عاد معها السؤال الذي لم يجد جواباً حاسماً منذ عقود: لماذا ما زالت قضية بهذا العمق التاريخي والسياسي والاجتماعي تبحث عن طريقها إلى حل عادل ومستقر؟ ولماذا ما زالت بعض السلطات تتعامل معها بعقلية أمنية، أو تحاول اختزالها في مشكلة داخلية يمكن احتواؤها بالقوة، في حين أثبتت الوقائع السياسية…

ماهين شيخاني   كان البيت الكوردي القديم يشبه النهر: ماؤه واحد، وضفافه تمتد للجميع. كان الأخوة يكبرون كأصابع اليد الواحدة، والمال بينهم كالماء في الجدول، لا يسأل أحدٌ صاحبه: “كم أخذت؟” ولا يقول أحدٌ لأخيه: “هذا لي وليس لك”. كانت الثقة هي العملة المتداولة، والكلمة هي العقد الموثّق. لكن النهر حين يصبح سداً، والماء حين يصبح ملكية، والثقة حين تواجه…