تأثير التصريحات السياسية على القضية الكردية

نورالدين عمر 
تسود لدى قطاع واسع من مجتمعنا قناعة بضرورة تقييم المواقف السياسية للدول تجاه القضية الكردية بالأفعال لا بالأقوال، معتبرين التصريحات الشفهية مجرد استهلاك إعلامي لا قيمة له. ورغم منطقية هذا الطرح الداعي إلى نتائج ملموسة، إلا أنه يحجم أحياناً عن إدراك الوزن الاستراتيجي للخطاب السياسي، فالأحداث الكبرى في التاريخ لم تبدأ بالتحركات الميدانية المباشرة، بل بالتصريحات الأخلاقية لصناع القرار، والتي تمتلك قدرة فائقة على تغيير ديناميكيات القضايا العادلة حتى وإن اقتصرت في بدايتها على التأييد النظري.
إن أي تصريح حتى وأن كان لمسؤول حكومي في دولة غير مؤثرة، يساهم في نقل القضية الكردية من دائرة التهميش والتعتيم الممنهج إلى واجهة الاهتمام الدولي والخبر الرئيسي. هذا الاعتراف الشفهي يمنحنا كشعب مضطهد تأييد سياسي وأخلاقي، ويصعب على الطرف القامع تسويق روايته أو تبرير انتهاكاته. علاوة على ذلك، قد يساهم الموقف المعلن في بناء معيار دولي جديد؛ فعندما يعرب مسؤول عن تضامنه، فإنه يرفع الكلفة السياسية والأخلاقية على الجهات القامعة، ويحرج القوى المحايدة أو الحليفة لها، مما يجبرها على اتخاذ مواقف صريحة أو تقديم تفسيرات أمام المجتمع الدولي.
ولعل التأثير الأعمق للتأييد النظري يكمن في كسر العزلة النفسية لشعب يعاني من الظلم والاضطهاد، وهو عنصر حاسم في إبقاء جذوة النضال قائمة؛ إذ يرسل الخطاب الرسمي إشارة واضحة للشعوب المضطهدة بأن صوتها مسموع، مما يمنح الحركات الشعبية والناشطين زخماً معنوياً لاستكمال مسيرتهم. والأهم من ذلك أن التعاطف الشفهي غالباً ما يكون الخطوة الأولى في سلم التصعيد السياسي؛ فهو يؤسس للرأي العام والبيئة التشريعية التي تسمح لاحقاً بفرض عقوبات اقتصادية، أو تقديم مساعدات مادية، أو تحريك دعاوى قضائية أمام المحاكم الدولية.
لكن هذا لا يعني أيضا الانجراف خلف الأوهام؛ فمن الضروري الإشارة إلى حدود هذا التأثير النظري وخطر التعاطف الرمزي. في كثير من الأحيان، تستخدم الدول التصريحات الأخلاقية كأداة ناعمة لامتصاص غضب الرأي العام والتنصل من اتخاذ أفعال حقيقية ومكلفة، فيصبح الكلام بديلاً مريحاً عن الفعل. وفي عرف السياسة البراغماتية، إذا لم يتقاطع هذا التعاطف مع مصالح استراتيجية أو ضغوط مادية حقيقية، فسيظل أثره حبيس البعد الإعلامي دون أن يغير ميزان القوى على الأرض.
ومع ذلك، يظل الموقف النظري والتعاطف الأخلاقي لبنة أساسية في تشكيل الوعي الجمعي وإعادة رسم الحدود الأخلاقية للسياسة الدولية، وهو البذرة التي تسبق أي تغيير مادي أو سياسي ملموس. من هنا، فإن تصريح أي مسؤول حكومي في العالم يمثل مكسباً استراتيجياً للقضية الكردية يجب عدم التقليل من شأنه، كذلك عدم التهجم عليه، خاصة إذا كان التصريح لمسؤول أمريكي أو غربي أو إسرائيلي. إن النضال الواقعي يتطلب منا التوقف عن الترديد التلقائي لشعار “نريد أفعالاً لا أقوالاً”، والانتقال فوراً إلى بناء آليات عمل حقيقية لاستثمار هذه التصريحات الشفهية وتوظيفها لتشبيك المصالح وتحويل التأييد النظري إلى أدوات ضغط فعلية تخدم القضية على أرض الواقع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شيخ أمين كلين ياسادة الافاضل : مارأيكم في فكرة المراجعة ؟ _ الفلاح في نهاية كل موسم يدقق في حساباته لابل يراجع حتى يعرف ميزان الربح والخسارة . _ الطالب قبل دخول الامتحان يراجع موضوع المطلوب منه ، وبعد خروجه من الامتحان يراجع من جديد ليتاكد من اجاباته . _ التاجر نهاية كل سنة ، يأتي بمحاسب ليدقق له حساباتة…

شكري بكر جميعنا ندرك أن الدولة الكوردية المستقلة لا يمكن أن تأتي دفعة واحدة، بل قد تتحقق بصورة تدريجية، انطلاقا من إقليم كوردستان أولا، بالتوازي مع حدوث تطورات إيجابية في أوضاع الكورد في سوريا وتركيا وإيران. وبناء على ذلك، يمكن الحديث عن عدد من السيناريوهات المحتملة لقيام الدولة الكوردية، ومن أبرزها: 1 ترسيخ إقليم كوردستان ككيان شبه مستقل يتطلب ذلك…

د. عدنان بوزان كلما عادت القضية الكوردية إلى واجهة الأحداث، عاد معها السؤال الذي لم يجد جواباً حاسماً منذ عقود: لماذا ما زالت قضية بهذا العمق التاريخي والسياسي والاجتماعي تبحث عن طريقها إلى حل عادل ومستقر؟ ولماذا ما زالت بعض السلطات تتعامل معها بعقلية أمنية، أو تحاول اختزالها في مشكلة داخلية يمكن احتواؤها بالقوة، في حين أثبتت الوقائع السياسية…

ماهين شيخاني   كان البيت الكوردي القديم يشبه النهر: ماؤه واحد، وضفافه تمتد للجميع. كان الأخوة يكبرون كأصابع اليد الواحدة، والمال بينهم كالماء في الجدول، لا يسأل أحدٌ صاحبه: “كم أخذت؟” ولا يقول أحدٌ لأخيه: “هذا لي وليس لك”. كانت الثقة هي العملة المتداولة، والكلمة هي العقد الموثّق. لكن النهر حين يصبح سداً، والماء حين يصبح ملكية، والثقة حين تواجه…