مسرحية التشييع بطهران.. عروض جوفاء أمام ساعة الحساب

نظام مير محمدي *

 

هناك حقيقة لم ينجح أي نظام استبدادي في القفز فوقها، وهي أن التاريخ قد يتأخر في فتح دفاتره، لكنه لا ينسى، وحين يحين موعد الحساب، فإنه لا يقبل التقسيط ولا المساومة. والنظام الإيراني، الذي اعتقد طوال أكثر من أربعة عقود أن بإمكانه الإفلات من نتائج سياساتها بالقمع والإرهاب وتصدير الأزمات، يجد نفسه اليوم أمام حسابات لم يعد قادراً على تأجيلها.

لقد قامت فلسفة هذا النظام منذ يومه الأول على محاربة الحرية، لأنه أدرك أن الإنسان الحر هو العدو الأخطر لأي سلطة استبدادية. ولذلك لم يكتف بمصادرة الحقوق السياسية، بل سعى إلى إعادة تشكيل وعي المجتمع الإيراني، وإحلال ثقافة الخوف والطاعة محل ثقافة الكرامة والاختيار. غير أن هذا المشروع اصطدم بحقيقة لم يستوعبها النظام قط، وهي أن الشعب الذي أسقط دكتاتورية الشاه لا يمكن أن يقبل بدكتاتورية أشد قسوة تتستر بعباءة الدين. فالتجارب القاسية لا تصنع الشعوب المستسلمة، بل تصنع شعوباً أكثر تصميماً على إسقاط جلاديها.

وبالتوازي مع حربه على الداخل، اندفع النظام إلى بناء مشروع توسعي قائم على الميليشيات والوكلاء، متوهماً أن نفوذه خارج الحدود سيمنحه حصانة داخلها. فأنفق المليارات على صناعة أذرع مسلحة في عدد من بلدان المنطقة، غير آبه بإرادة شعوبها ولا بمعاناة الإيرانيين الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الفقر والعقوبات والانهيار الاقتصادي. وهكذا، لم يعد النظام يصادر مستقبل الإيرانيين فحسب، بل أخذ يصادر أيضاً حق شعوب المنطقة في بناء دولها بعيداً عن الوصاية والتدخل.

غير أن أكبر خطأ ارتكبه هذا النظام كان اعتقاده أن الإرهاب قادر على إنهاء فكرة المقاومة. فمنذ الأيام الأولى لحكمه، وضع منظمة مجاهدي خلق في مقدمة أهدافه، لأنها مثلت البديل السياسي الأكثر تنظيماً وإصراراً على إسقاط ولاية الفقيه. ولأن الأنظمة الضعيفة تخشى أصحاب المواقف أكثر مما تخشى السلاح، فقد شن ضدها حرباً دموية بلغت ذروتها في مجزرة صيف عام 1988، عندما أعدم أكثر من ثلاثين ألف سجين سياسي، في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في التاريخ المعاصر. لكنه، رغم كل ذلك، فشل في تحقيق هدفه، وبقيت المقاومة حاضرة، فيما أخذ النظام يفقد، عاماً بعد آخر، ما كان يعتقد أنه عناصر قوته.

وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح تام في هذه الأيام؛ فبينما يمر النظام بمرحلة من الغموض والارتباك الكبيرين، فإنه يحاول استغلال مراسم تشييع علي خامنئي كمنصة لاستعراض القوة والإيحاء بالاستقرار والتماسك، لكن التقارير الدولية الحية من قلب طهران فضحت هذا الزيف الهيكلي. وفي هذا الصدد، أكد مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” من العاصمة الإيرانية أن مظاهر البهرجة والبروتوكولات الرسمية للجنازة لم تفلح في حجب واقع يعج بالاضطراب، حيث تستمر الحياة اليومية للمواطنين تحت وطأة الأزمات المعيشية وانقطاع الكهرباء والمياه. كما أشار التقرير إلى الرقابة الصارمة والقيود المفروضة على وسائل الإعلام الأجنبية لمنعها من نقل الحقيقة، وتحدث عن الخوف السائد بين المواطنين من عواقب التعبير عما في قلوبهم. وفي ذات السياق، كشف تقرير لشبكة “سي إن إن” تحت عنوان “ليس كل الإيرانيين يشاركون في عزاء خامنئي” عن امتناع شريحة واسعة من سكان طهران عن الانخراط في هذه الحشود خوفاً وزهداً بالنظام؛ حيث نقلت الشبكة عن مواطنين قولهم إن إغلاق العاصمة من أجل “شخص دمر حياتهم” يثير الغضب، مؤكدين أن موت خامنئي لم يغير من واقع الأمر شيئاً، وأن الأرقام التي يروجها الإعلام الحكومي مبالغ فيها بشكل صارخ مقارنة بالأموال الطائلة التي أُنفقت هندسياً لتنظيم هذا العرض البائس.

إن ما يواجهه النظام اليوم ليس أزمة عابرة، ولا مجرد ضغوط سياسية أو اقتصادية، بل حصيلة طبيعية لمسار طويل من القمع والتوسع والكذب والخداع. فالأنظمة التي تصادر حرية شعوبها، وتبني نفوذها على الدم والخراب، لا تهزمها المؤامرات، وإنما تهزمها النتائج الحتمية لسياساتها.

لقد أنفق النظام سنوات طويلة وهو يعتقد أن بإمكانه تأجيل ساعة الحساب، لكنه اكتشف متأخراً أن التاريخ لا يسقط الحقوق بالتقادم، وأن الشعوب لا تنسى جلاديها. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل سيدفع النظام ثمن ما ارتكب؟ بل: كيف ستكون نهاية نظام جعل من القمع عقيدة، ومن الإرهاب سياسة، ومن الأكاذيب وسيلة للحكم؟ وكل المؤشرات تؤكد أن الحساب الذي طال انتظاره قد بدأ بالفعل، وأن النهاية، مهما حاول تأخيرها، لن تكون إلا بحجم الجرائم التي ارتكبها بحق إيران والمنطقة.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب لم يكن الانفجار الذي دوّى في دمشق مجرّدَ صوتٍ عابرٍ في مدينةٍ أنهكتها أصواتُ الحرب؛ فقد جاء في لحظةٍ شديدةِ الرمزية، بينما كانت العاصمة تستقبل ضيفاً دولياً يحمل معه صورةً مختلفةً عن سوريا التي تحاول أن تخرج من ظلال السنوات الثقيلة. في السياسة، لا تكفي قراءة ما يحدث في المكان، بل يجب الإصغاء إلى توقيت الحدث أيضاً….

خالد حسو ليست الفيدرالية شعارًا يُرفع في لحظة غضب، ولا مشروعًا يُفرض على مجتمعٍ أنهكته الأزمات، بل هي إحدى الصيغ الدستورية والإدارية التي تلجأ إليها بعض الدول لتنظيم توزيع السلطات وتحقيق مشاركة أوسع في إدارة الشأن العام. ويظل اختيار أي نموذج للحكم مسألةً سيادية ترتبط بإرادة المواطنين والتوافق الوطني، وبما ينسجم مع الدستور وسيادة الدولة ووحدتها. لم تكن سوريا يومًا…

محمود أوسو   استفاقت فجأة بعض القوى السياسية من سباتها الطويل، لتكتشف أن إقليم كردستان يتهاوى. وأن لا منقذ له إلا بتحالف جديد تاريخي. تحالف يضم: الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة الجيل الجديد بقيادة شاسوار عبد الواحد، وكتلة بابليون، وحركة التغيير.   والهدف النبيل المعلن: بناء إقليم كردستان وحمايته. نعم، بناء الإقليم. الإقليم الذي لم يبنوه. أي بناء هذا الذي…

خالد علوكة حضر يوم الجمعة 3-7-2026 السيد نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة اقليم كوردستان العراق بدعوة من الحكومة الايرانية مع مسؤولين عراقيين اخرين حضرمراسيم تشييع المرشد الايراني علي خامئني وقال البارزاني :- (أن توجيهاته الحكيمة في التطورات التي شهدتها إيران والمنطقة ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ – واعرب عن تعاطفه العميق وتعاطف شعب اقليم كوردستان العراق مع الامة الايرانية ). وجهة…