عبد الرحمن كلو
قراءةٌ استراتيجية تتجاوز التفسير الانتخابي إلى موقع الاتفاق في هندسة إقليمية أوسع لمرحلة ما بعد إيران.
تحرير الحدث المحلّي من سياقه الضيّق
لا يُمكن قراءةُ المشهد السياسي الراهن في إقليم كوردستان العراق — وتحديدًا الاتفاق الأخير بين رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني ورئيس حركة الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد، المعروف اصطلاحًا بـ«اتفاق السجن»[1] — بوصفه مجرّد تكتيكٍ انتخابي أو إعادة تموضعٍ حزبي محلّي. فهذه القراءةُ الاختزالية، وإن بدت وجيهة في ظاهرها، تُغفل طبقةً أعمق من التحليل. والأطروحةُ التي يطرحها هذا المقال أن الحدث، حين يُقرأ في سياقه الإقليمي الأوسع، يُمكن أن يُفهَم بوصفه حلقةً في تدبيرٍ جيوسياسي استباقي تَستشعر أنقرةُ الحاجةَ إليه لمواجهة استحقاقات مرحلة «ما بعد إيران».
ولا بدّ هنا من ضبطٍ منهجي: فهذه قراءةٌ استدلالية تَربط القرائنَ وتَستنطق الوظائف والمآلات، لا دعوى تَملك وثيقةً تُثبت «تدبيرًا تركيًّا» صريحًا. غير أن التحليل الاستراتيجي الرصين لا يَنتظر دائمًا اعترافًا مكتوبًا؛ إذ يَكفيه أن يَقرأ تطابقَ الحدث مع مصلحةٍ إقليمية واضحة، وتزامنَه مع تحوّلاتٍ كبرى، واتّساقَه مع نمطٍ سبق اختبارُه في ساحاتٍ أخرى. وهذا المقال يَنطلق من أطروحةٍ سبق أن أصّلناها في قراءة «معادلة الداخل الكوردستاني»: أن ثمّة فرقًا بنيويًّا بين معارضةٍ وطنية تَختلف مع السلطة داخل الإطار الوطني الجامع، ومعارضةٍ وظيفية يَتقاطع أداؤها — قصدًا أو دونه — مع أجنداتٍ تَتجاوز المجال الوطني. وفي ضوء هذا التمييز يُقرأ الاتفاق.
أولًا: المسألة الكوردستانية العابرة للحدود والبراديغم الوقائي التركي
تتأسّس المقاربةُ التركية تجاه هذه المرحلة على تقدير موقفٍ استراتيجي مفادُه أن أيّ انكفاءٍ أو انهيار لمركز القرار في طهران سيُفضي إلى فراغٍ جيوسياسي كبير، يترتّب عليه انفلاتُ «مفاعيل البُعد القومي الكوردستاني»؛ وتحديدًا نشوءُ ديناميكية تلاحمٍ وتداخل بين شرقي كوردستان (في إيران) وجنوبي كوردستان (في العراق). فالحدودُ التي حَفظها ضعفُ الأطراف وقوّةُ المركز الإيراني، قد تتحوّل — عند انهيار ذلك المركز — إلى خطوط تماسٍّ قابلة للاختراق القومي.
وتُدرك أنقرةُ أن صعود قوًى كوردية في عمق الجغرافيا الإيرانية المأزومة، بالتزامن مع وجود كيانٍ كوردستاني ذي وضعٍ دستوري معترَفٍ به في العراق، سيُشكّل قوّةَ دفعٍ استراتيجية قد تُفضي إلى ما يُمكن تسميته «الإقليم الموازي»: نموذجٌ ثانٍ يُضاعف الثقلَ الجيوسياسي الكوردي في المنطقة. وإزاء هذا التهديد — كما يُقدَّر في العقل الأمني التركي — تَنزع أنقرةُ إلى إجراءٍ وقائي استباقي (Preventive Action) هدفُه إضعافُ البنية الدستورية والكيانية الحالية لإقليم كوردستان العراق من الداخل، ضمانًا لألّا يتحوّل إلى قاعدة انطلاقٍ أو عمقٍ استراتيجي لأيّ تحوّلٍ كوردستاني عابرٍ للحدود في مرحلة ما بعد إيران.
جوهر البراديغم الوقائي التركي
المنطقُ التركي هنا وقائيٌّ لا ردعيّ: فهو لا يَنتظر ولادةَ التهديد ليُواجهه، بل يَسعى إلى إجهاض شروط نشوئه سلفًا. ومن هذا المنظور، يُصبح إضعافُ إقليم كوردستان العراق — وهو الكيانُ الكوردي الوحيد ذو الوضع الدستوري الراسخ — أولويةً استراتيجية: إذ إن بقاءه قويًّا متماسكًا يَجعله النواةَ المحتملة لأيّ تبلورٍ كوردي أوسع عند انهيار المركز الإيراني. فالمستهدَفُ ليس الإقليمَ لذاته، بل وظيفتَه المحتملة بوصفه عمقًا وقاعدةً لمرحلةٍ قادمة.
ثانيًا: «اتفاق السجن» أداةً لتفكيك الكيانية الدستورية من الداخل
في هذا السياق الاستراتيجي، يُقرأ «اتفاق السجن» بوصفه ترجمةً عملية محتملة لهذه المقاربة. فالرهانُ ليس على مواجهةٍ خارجية مباشرة مع الإقليم — وهي مكلفة ومكشوفة — بل على تغيير موازين القوى من داخله عبر أدواتٍ محلّية متقاطعة المصالح. والقرينةُ الدالّة أن الاتفاق أزاح — بضربةٍ واحدة — تقدّمَ الحزب الديمقراطي المنفرد، إذ رفع الثقلَ المشترك للاتحاد والجيل الجديد إلى ثمانيةٍ وثلاثين مقعدًا مقابل تسعةٍ وثلاثين[2]، فأدخل معادلةَ الحكم في حالة توازنٍ هشّ يُعطّل تشكيلَ الحكومة ويُطيل أمدَ الشلل المؤسّسي.
والهدفُ المضمر من دعم مثل هذه الصيغ — في هذه القراءة — ليس إصلاحَ المنظومة السياسية الكوردية، بل إحداثُ اختراقٍ في معادلة الحكم التاريخية: تفتيتُ مراكز القرار، وإدخالُ المؤسسات الدستورية في حالةٍ من السيولة والعجز. فحين يُجرَّد الإقليمُ من استقراره المؤسّسي ومن عناصر قوّته السيادية والمالية، يَفقد القدرةَ على التمدّد أو على الإفادة من أيّ تغيّراتٍ دراماتيكية في جغرافيا إيران. وهكذا يَخدم الشللُ الداخلي هدفًا خارجيًّا: تحجيمَ الكيان الكوردي قبل أن تَنضج ظروفُ صعوده.
من المعارضة الوطنية إلى المعارضة الوظيفية
هنا يَتّصل التحليلُ بأطروحة «معادلة الداخل». فحين تَنخرط قوّةٌ معارِضة في ترتيبٍ يُفضي — موضوعيًّا — إلى شلّ الكيان الدستوري في لحظةٍ إقليمية حسّاسة، فإن معارضتها تَنزلق من الوطنية إلى الوظيفية: لا لأنها بالضرورة تَقصد خدمةَ أجندةٍ خارجية، بل لأن أثرها البنيوي يَصبّ في تلك الأجندة. والعبرةُ في التحليل السياسي بالمآل والوظيفة، لا بالنيّة المُعلَنة وحدها. فالمعارضةُ التي تُضعف مناعةَ الوطن في لحظة تهديده تُصبح — أيًّا كانت شعاراتُها — جزءًا من معادلة إضعافه.
ثالثًا: المقاربة الصفقاتية لإدارة ترامب وإعادة التدوير الوظيفي
لا تَكتمل هذه القراءةُ دون بُعدها الأمريكي. فالهندسةُ التركية الاستباقية، في هذا التحليل، لا تتحرّك في الساحة العراقية بمعزلٍ عن موقفٍ أمريكي مُواتٍ، تُتيحه الرؤيةُ الصفقاتية لإدارة الرئيس دونالد ترامب. وثمّة سابقةٌ دالّة اختبرتها المنطقةُ في الشمال السوري: حيث مُنحت أنقرةُ مساحةً واسعة من النفوذ العسكري والسياسي لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي هناك، ضمن مقاربةٍ أمريكية تُفضّل تفويضَ الوكلاء الإقليميين على الانخراط المباشر.
والأخطرُ أن هذا التقاطع الأمريكي–التركي يَمتدّ إلى ملفّ إعادة توظيف حزب العمال الكوردستاني[3]. فثمّة مسارٌ لإعادة هيكلة الكيانات المرتبطة بهذا الفصيل في شمالَي سوريا والعراق، ودفعِها من «التمرّد الأيديولوجي» العابر للحدود إلى «أدواتٍ وظيفية» ذاتِ طابعٍ محلّي، خاضعةٍ لإملاءات المعادلة التركية، تُؤدّي مهامَّ محدّدة تَصبّ في تأمين الحدود التركية. وبذلك يُفرَّغ المشروعُ القومي الكوردي من محتواه الاستراتيجي العابر للحدود، ويُعاد تدويرُ أدواته لخدمة النقيض. وهكذا تتكامل الصورةُ: تفكيكُ الكيان الدستوري في الجنوب (عبر ترتيباتٍ كاتفاق السجن)، وتذويبُ المشروع الثوري في الغرب (عبر إعادة تدوير حزب العمال) — ضمن هندسةٍ واحدة تَستهدف البُعدَ الكوردي العابر للحدود في لحظة انكشاف إيران.
خطر الدور التركي
يَنبغي التشديدُ على أن جوهر الخطر لا يَكمن في هذا الاتفاق أو ذاك، بل في النمط التركي الذي يَتعامل مع أيّ تبلورٍ كوردي بوصفه تهديدًا وجوديًّا يَستوجب الإجهاض الاستباقي. فالميثاقُ الملّي التركي — بامتداداته العقائدية — يَقرأ الجغرافيا الكوردية كلَّها مجالًا يَجب ضبطُه لا شريكًا يُمكن التعايشُ معه. ومن ثَمّ، فإن اللعبة ليست انتخابيةً ولا استحقاقًا داخليًّا عابرًا، بل حلقةٌ في مشروعٍ إقليمي أوسع لإعادة رسم موازين القوى على حساب الوجود الكوردي. وإغفالُ هذا البُعد هو أخطرُ ما قد يَقع فيه التحليلُ الكوردي، إذ يُحوّل معركةً وجودية إلى مجرّد سجالٍ حزبي على المقاعد والحقائب.
حتمية الصدام بين الطموح القومي والهندسة الإقليمية
في المحصّلة، يَظهر «اتفاق السجن» بين طالباني وعبد الواحد — في هذه القراءة الاستراتيجية — حلقةً صغيرة لكنها دالّة في سلسلةٍ أوسع من الهندسة الوقائية التي تَقودها أنقرةُ بغطاءٍ أمريكي. وهو يَكتسب خطورتَه لا من حجمه المحلّي، بل من موقعه في هذه السلسلة[4]. فالقراءةُ الأكاديمية للمشهد تُنبّئ بأن المنطقة مقبلةٌ على صراعٍ استراتيجي بين تيّارين: تيّارِ الحتمية التاريخية الذي يَدفع نحو صعود المسألة الكوردية وتداخل أجزائها جرّاء الضعف الإيراني المتوقّع، وتيّارِ الهندسة الإقليمية الاستباقية الذي تُمثّله تركيا الساعيةُ إلى تقويض الكيانات القائمة منعًا لولادة كياناتٍ جديدة.
وعليه، فإن مستقبل إقليم كوردستان العراق لم يَعُد محكومًا بصناديق الاقتراع أو التوافقات الحزبية وحدها، بل بمدى قدرته على الصمود أمام ضربات التفكيك الداخلي المُصمَّمة إقليميًّا لمرحلة ما بعد المظلّة الإيرانية. والمعادلةُ الحاسمة أن وعيَ الكورد بطبيعة اللعبة هو خطُّ دفاعهم الأول: فإن قرؤوها معركةً وجودية على الكيان، حَصّنوا بيتهم الداخلي وأغلقوا منافذ الاختراق؛ وإن ظنّوها سجالًا على السلطة والحصص، سَهّلوا — من حيث لا يَدرون — مهمّةَ من يُهندس إضعافهم من الخارج. فالخطرُ الأكبر ليس في قوّة الخصم، بل في سوء تقدير طبيعة الصراع.
[1]وُقّع الاتفاقُ بين رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني ورئيس حركة الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد في السليمانية، بعد مفاوضاتٍ بدأت في كانون الثاني/يناير 2026 وأُعلن إطارُها الأول في 17 منه، ثم صُودق عليها في أيار ووُقّعت نهائيًّا في 2 تموز/يوليو 2026. وقد سُمّي «اتفاق السجن» في الأوساط السياسية لتزامنه مع الإفراج عن شاسوار عبد الواحد من سجنٍ في السليمانية (14 كانون الثاني)، إذ أعلن التحالفَ بعد ثلاثة أيّامٍ فقط من إطلاق سراحه، مما أثار تساؤلاتٍ واسعة عن دور الضغوط القضائية والسياسية في تكوينه. المصادر: The New Region؛ Kurdpress؛ Shafaq News؛ PUKMEDIA (2026).
[2]بموجب هذا التحالف، ارتفع الثقلُ البرلماني المشترك للاتحاد الوطني (23 مقعدًا) وحركة الجيل الجديد (15 مقعدًا) إلى 38 مقعدًا، أي أقلّ بمقعدٍ واحد من الحزب الديمقراطي الكوردستاني (39 مقعدًا) — بما يُزيل تقدّمَه المنفرد. وقد حصلت حركةُ الجيل الجديد على حقيبةٍ وزارية في الحكومة الاتحادية (وزارة البيئة، تولّتها سروة عبد الواحد شقيقة رئيس الحركة). المصادر: The National Context؛ The New Region (2026).
[3]انطلق مسارُ التسوية بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني عام 2025 إثر دعوة عبد الله أوجلان إلى إلقاء السلاح؛ ويشير محلّلون إلى مساعٍ لإعادة توظيف الكيانات المرتبطة بالحزب في شمال سوريا والعراق ضمن ترتيباتٍ تخدم الأمن الحدودي التركي، بما يُفرّغ المشروعَ القومي الكوردي من بُعده العابر للحدود. المصادر: Foreign Affairs؛ Brookings (2026).
[4]للسياق: يبني بافل طالباني «استراتيجية جبهتين» ضدّ الحزب الديمقراطي؛ ففي الإقليم أزاح تقدّمَه عبر التحالف مع الجيل الجديد، وفي بغداد نسج تحالفًا مع كتلٍ شيعية وسنّية صاعدة (كتلة الحلبوسي ~35 مقعدًا، وكتلة الخزعلي ~30 مقعدًا). كما رافق ذلك إبعادُ قياداتٍ تاريخية في الاتحاد كانت تميل إلى التفاهم مع الديمقراطي. المصدر: The National Context (2026).