أزمة الأحزاب الكردية… الإصلاح أو الانهيار

حسين امين

 

لسنا بصدد إنكار تاريخ الأحزاب الكردية، ولا التنكر لتضحيات آلاف المناضلين الذين اعتُقلوا، وفُصلوا من وظائفهم، وحُرموا من التعليم والعمل، وعاشوا سنوات من الملاحقة الأمنية والفقر، ودفعوا مع عائلاتهم أثمانًا باهظة دفاعًا عن القضية الكردية. هؤلاء هم الرصيد الحقيقي، وهم من يستحقون الوفاء والاحترام.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى ملكيات خاصة، وتبقى القيادات نفسها لعقود، وكأن الزمن لم يتغير. الأخطر من ذلك أن بعض من كانت تحوم حولهم شبهات الارتباط بالأجهزة الأمنية، أو ممن استفادوا من امتيازات السلطة في مراحل سابقة، أصبحوا لاحقًا في مواقع القرار، بينما همّشت الكفاءات، وأُبعد أصحاب الرأي الحر، وحوصر كل صوت يطالب بالإصلاح.

لقد تغيّر العالم، بينما لا تزال بعض الأحزاب تعيش بعقلية السبعينيات والثمانينيات. سقطت أنظمة كانت تبدو أبدية، وتغيّرت مفاهيم السياسة والإعلام، وأصبحت الشعوب أكثر وعيًا، ولم يعد بالإمكان احتكار الحقيقة أو إخفاء الفشل خلف الشعارات. أما بعض قياداتنا فما زالت تدير الأحزاب بعقلية الوصاية، وترفض تداول المسؤولية، وتعتبر أي نقد مؤامرة، وأي إصلاح تهديدًا لمواقعها.

ما نراه اليوم من استقالات وانشقاقات وانسحابات ليس أزمة أفراد، بل أزمة بنية سياسية استنفدت نفسها. وإذا استمرت الذهنية ذاتها، فإن الزلزال السياسي القادم لن يستثني أحدًا.

لقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة. ولم يعد مقبولًا ترميم بيت تتآكل أساساته، بل المطلوب إعادة البناء من الجذور.

ومن هنا، فإن الخيارات أصبحت واضحة:

أولًا: ثورة إصلاحية حقيقية داخل الأحزاب، تبدأ بانتخابات ديمقراطية، وتحديد مدد القيادة، والمحاسبة، والشفافية، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المستقلة.

ثانيًا: الدعوة إلى مؤتمر كردي عام، يضم الأحزاب والكوادر التاريخية، والنشطاء، والمستقلين، والمثقفين، لإجراء مراجعة نقدية شجاعة للتجربة السياسية، بعيدًا عن المجاملات والقداسة الحزبية.

ثالثًا: إذا عجزت الأحزاب عن إصلاح نفسها، فلا بد من إطلاق مشروع وطني كردي جديد، لا يقوم على الزعامة الوراثية أو الولاءات الشخصية، بل على المؤسسات، والديمقراطية، والكفاءة، والشراكة الحقيقية، ليكون إطارًا جامعًا يعيد الثقة بين الشعب والعمل السياسي.

لقد آن الأوان أن تدرك القيادات أن شرعيتها لا تستمد من تاريخها فقط، بل من قدرتها على التجدد والاستجابة لتطلعات شعبها. فالتاريخ يُحترم، لكنه لا يمنح أحدًا حق احتكار المستقبل.

القضية الكردية أكبر من جميع الأحزاب، وأبقى من جميع القيادات. ومن يحب هذه القضية حقًا، عليه أن يختار الإصلاح قبل أن يفرضه الشارع، لأن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تقبل أن يبقى مستقبلها رهينة أخطاء لا يريد أحد الاعتراف بها.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…