الحقوقي حسين نعسو
إن كل مبادرة صادقة لرأب الصدع الذي أصاب حزب الوحدة وإعادة اللحمة إلى صفوفه تستحق الترحيب والدعم، لأنها تنطلق من الإيمان بأن وحدة الحزب أكبر من الأشخاص، وأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام وخلافٍ دائم
وفي هذا السياق، فإن مبادرة الدكتور كاميران تمثل خطوة إيجابية تعكس شعوره بالأسف تجاه ما آلت إليه أوضاع حزبه السابق، كما تؤكد حرصه على إبقاء جسور التواصل قائمة مع الحزب ورفاقه الذين جمعته بهم سنوات طويلة من النضال والعمل المشترك ، رغم كل ماعكّر صفوة هذه العلاقات في الماضي من احداث ، وهذه الروح تستحق التقدير، لأنها تنطلق من قناعة بأن الأوطان والأحزاب تُبنى بالحوار لا بالخصومة، وبالتقارب لا بالإقصاء
لكن، وفي الوقت نفسه، فإن أي مبادرة لا يمكن أن تحقق أهدافها ما لم تقم على أسس واضحة وآليات عملية تحظى بثقة الجميع ، اي اطراف الخلاف ،
ولذلك ينبغي أن تشمل ثلاثة أطراف رئيسية: القيادة، المنسحبين اضافة المستنكفين سابقاً ( وهنا يجب ان تضم الدكتور كاميران والاستاذ زردشت )، ولجنة وساطة مستقلة تتولى إدارة الحوار وتقريب وجهات النظر
ومن الضروري أن تضم لجنة الوساطة شخصيات مشهودًا لها بالحكمة والاستقلالية والحرص على وحدة الحزب من رفاقه القدامى، مع إمكانية الاستعانة بشخصيات وطنية من الدائرة المحيطة بالحزب و تحظى بالاحترام والثقة، على ألا يكون لأي من أعضاء لجنة الوساطة دور سابق في تعميق الانقسام أو المساهمة في شق وحدة الحزب، حتى تبقى اللجنة بمنأى عن أي تشكيك في حيادها ونزاهتها
كما ينبغي أن تحظى جميع الأطراف المشاركة، ولجنة الوساطة، بصلاحيات كاملة وتفويض واضح ومعلن من القاعدة الحزبية، لأن أي حوار يفتقر إلى الإرادة الحقيقية والصلاحيات اللازمة لن يكون سوى إضاعة للوقت، وستبقى نتائجه حبرًا على ورق
وقبل الشروع في أي حوار، لا بد من اتخاذ خطوة تعكس حسن النية، تتمثل في الوقف الفوري لحملات التخوين والتشهير والإساءة المتبادلة على منصات التواصل الاجتماعي، فالكلمة الجارحة تهدم ما تعجز سنوات من العمل على بنائه، والثقة لا تُستعاد إلا في مناخ يسوده الاحترام المتبادل
إن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع الارتقاء فوق الجراح الشخصية والحسابات الضيقة، وتغليب مصلحة الحزب والقضية على أي اعتبار آخر، فالأحزاب لا تنهار بسبب تعدد الآراء، وإنما تنهار عندما تغيب الحكمة ويُستبدل الحوار بالتخوين، والشراكة بالإقصاء
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الحزب إلى شجاعة المصارحة أكثر من حاجته إلى تبادل الاتهامات، وإلى إرادة التوافق أكثر من التمسك بالمواقف المتصلبة ، فليس عيبًا أن نختلف، وإنما العيب أن نجعل اختلافنا سببًا في ضياع تاريخ طويل من النضال والتضحيات
فلنجعل من هذه المبادرة بدايةً لمراجعةٍ شجاعة، لا محطةً عابرة ، وبدايةً لاستعادة الثقة، لا مناسبةً للتشفي وتبادل اللوم، فالحزب الذي صنعه المخلصون لا يستحق أن يبقى أسير الخلاف، وما يجمع أبناءه أكبر بكثير مما يفرقهم، إذا صدقت النوايا وتوافرت الارادة.