د. محمود عباس
متى يصبح التكويع سكينًا في الظهر الكوردي؟
ليست المشكلة في فضح التكويع حين يكون انتهازًا رخيصًا، ولا في تعرية السياسي أو المثقف الذي يبدّل موقعه كلما تبدّلت المصلحة. ليس هذا دفاعًا عن الفاشلين، ولا تبريرًا للانتهازيين، ولا غطاءً لمن باعوا المواقف بالمصالح؛ فهؤلاء يجب فضحهم بلا رحمة. المشكلة تبدأ حين تتحول كلمة “التكويع” من توصيفٍ لموقفٍ انتهازي إلى سكينٍ يُغرَس في الظهر الكوردي، وحين يصبح كل تبدلٍ تكتيكي خيانة، وكل مراجعة فكرية سقوطًا، وكل مناورة اضطرارية عارًا أخلاقيًا. عندها لا يعود النقد أداةً للفهم والإصلاح، بل يتحول إلى شهوة اتهام، وإلى مهنة هدم، وإلى وسيلة لتوسيع الشقوق داخل مجتمع محاصر أصلًا بين دول محتلة، وأجهزة مخابرات، وتحالفات لا تعرف الوفاء إلا لمصالحها.
مصطلح “التكويع” انتشر عندنا بأضحل معانيه، وكأن من يطلقه صار حكيم المرحلة. ينسى هؤلاء أن أكبر الانعطافات في العالم لا تُسمى تكويعًا حين تقوم بها الدول الكبرى، بل تُسمى استراتيجية، ومصلحة، وإعادة تموضع. أمريكا نفسها، وهي أعظم قوة في صناعة التحولات، تغيّر اتجاهات الدول والأنظمة والأحزاب والجماعات بحسب مصالحها، ثم تترك الشعوب الضعيفة تدفع ثمن تلك الانعطافات.
أمريكا لا تسمّي تحوّلاتها تكويعًا، بل تسميها استراتيجية. في أفغانستان ساهمت في صناعة بيئة “الجهاد” ضد السوفييت، ثم عادت لتحارب نتائجها باسم مكافحة الإرهاب، وبعد عشرين عامًا فاوضت طالبان وسلّمتها المشهد. وفي إيران دعمت الشاه ونظامه الأمني، ثم وجدت نفسها أمام نظام ولاية الفقيه الذي خرج من رحم الانفجار الإيراني، فحوّلته إلى عدو دائم. وفي العراق غضّت الطرف عن صدام حسين حين كان يخدم توازناتها ضد إيران، ثم أسقطته، وحلّت الجيش، وفتحت الباب أمام المحاصصة والفساد، ثم عادت لتشتكي من النفوذ الذي تمدد في ظل النظام الذي سمحت بولادته.
وفي سوريا، تعاملت واشنطن طويلًا مع الأسد بوصفه جزءًا من توازنات المنطقة، ثم حاصرته، وتركت البلاد تتآكل بين الجريمة والفوضى والفصائل المتطرفة. وبعد ذلك بدأت تتعامل مع بعض تلك القوى الإرهابية كأمر واقع، وقد تعود غدًا إلى محاربتها إذا انتهت وظيفتها السياسية والأمنية.
وبوادر ذلك بدأت تظهر حين عُرض عليها الانخراط في محاربة حزب الله، بينما تماطل الشرع وجماعته بلغة دبلوماسية ملتوية. وقد لا تمرّ هذه التكويعة بسهولة في الحسابات الأمريكية؛ فواشنطن قد تفرض الانعطاف على القوى المتطرفة حين تحتاج إلى خدماتها، لكنها لا تغفر لها حين ترفض الدور المرسوم لها، أو حين تحاول المناورة خارج حدود الاستراتيجية الأمريكية.
والكورد أنفسهم شاهد حي على هذه التكويعات الكبرى؛ سلّحت أمريكا قسد، ودربتها، وتحالفت معها قرابة عقد في الحرب على داعش، ثم حين تغيّرت الحسابات تركتها أمام تركيا، ودمشق، والجولاني، وبقايا النصرة، وتوائم داعش، وحسابات القوى التي لا ترى في التضحيات الكوردية إلا ورقة قابلة للصرف عند الحاجة، وكأن دماء آلاف المقاتلين الكورد لم تكن إلا تفصيلًا في دفتر المصالح.
هذه ليست قراءة عاطفية، بل سجل سياسي واضح: القوى الكبرى تغيّر الاتجاهات وتفرض على الآخرين السير في مساراتها، راضين أو مكرهين. أما حين تضطر الشعوب الصغيرة والحركات المحاصرة إلى مناورة محسوبة كي لا تُسحق، لا إلى بيع المواقف ولا إلى تبديل المبادئ، يأتي بعض كتّابنا ليجلدوها بمصطلح “التكويع”، وكأنهم اكتشفوا حكمة التاريخ.
وفي المفارقة الكوردية الأشد غرابة، أن أكثر الكتّاب والمثقفين صخبًا في المجتمع هم أنفسهم من مارسوا التكويع الأوضح، وربما كان تكويع بعضهم أشد فجاجة من تكويعات كثير من السياسيين والحزبيين الكورد. يرفعون الصوت عاليًا، كأنهم يريدون بالصراخ تغطية آثار انعطافاتهم، وينسون أن تغيير الموقف، إذا كان نابعًا من مراجعة فكرية صادقة ومعلنة ومسؤولة، لا من تبدّل المصالح والولاءات، ليس حكرًا عليهم وحدهم. فالآخرون أيضًا قد تكون لهم قناعات جديدة، ورؤية سياسية وثقافية للمستقبل، وركيزة فكرية لا تقل متانة ولا عمقًا عن تلك التي يتكئ عليها المثقف المكوع وهو يبرّر انتقاله من ضفة إلى أخرى.
نعم، يحاكمون السياسي أو المثقف الكوردي كأنه يتحرك في دولة مستقلة تمتلك جيشًا، واقتصادًا، وحدودًا محمية، وقرارًا سياديًا كاملًا. ينسون أن الحراك الكوردي محاصر بين دول محتلة، وأجهزة مخابرات، وتحالفات متغيرة، وقوى دولية لا تعرف الوفاء إلا لمصالحها. ثم بعد كل ذلك يطلبون من السياسي الكوردي أن يكون ملاكًا، ومن المثقف الكوردي أن يقاتل وحده، ومن الشعب الكوردي أن ينتصر بلا أدوات.
المؤلم أن بعض هؤلاء لا يكتبون لبناء وعي، بل لتوسيع الشقوق. لا نكاد نجد لهم نصًا خارج جغرافية الطعن في الحراك الثقافي والسياسي الكوردي، فرديًا كان أو عامًا. لا مشروع لديهم، لا بديل، لا رؤية، لا طريق للخروج من الأزمة؛ فقط متعة الهدم، ولذة التشفي، والوقوف على الركام لإلقاء خطبة أخلاقية باردة.
وهنا تكمن خطورة هذا النمط من الكتابة: إنه لا يميز بين الخطأ والخيانة، ولا بين الاضطرار والانتهازية، ولا بين المناورة السياسية والسقوط الأخلاقي. يخلط كل شيء في سلّة واحدة، ثم يوزع الاتهامات كما لو أنه يمتلك مفاتيح الحقيقة المطلقة. وهذا ليس نقدًا شجاعًا، بل تعميم كسول يريح صاحبه من مشقة الفهم، ويمنحه لذة الحكم من دون أن يقدم للناس طريقًا واحدًا للخروج من المأزق.
نحن لا نحتاج إلى مثقف يصفّق للسياسي، ولا إلى كاتب يبرر الفشل، ولا إلى قلم يجمّل العجز. لكننا أيضًا لا نحتاج إلى مثقف يحوّل النقد إلى مهنة هدم، يرى في كل محاولة سياسية خيانة، وفي كل تبدل تكتيكي سقوطًا، وفي كل خلاف فرصةً للطعن. فالنقد الحقيقي لا يهدم البيت فوق رؤوس أهله؛ يكشف الخلل ليُصلح، ويفتح الطريق أمام الوعي، لا أمام اليأس.
أما أن يتحول بعض كتّابنا إلى معاول داخلية، يوسعون الشرخ، ويهدمون المعنويات، ويطلقون أحكامًا جاهزة على واقع لم يدرسوا ظروفه ولا موازين قواه، فهذه ليست شجاعة فكرية، بل عجز مغطى بلغة صاخبة. فالكاتب الذي لا يرى من المشهد إلا موضع الطعن، ولا يرى من السياسة إلا زاوية الاتهام، لا يختلف كثيرًا عمّن يضع السكين في ظهر الجماعة ثم يسمي ذلك بطولة أخلاقية.
التكويع الحقيقي ليس في كل موقف سياسي اضطراري، ولا في كل مناورة تفرضها موازين القوى، بل قد يكون في عقل المثقف حين ينحني أمام رغبته في الطعن، ويعجز عن رؤية الصورة الكبرى. وأشد أنواع التكويع خطرًا هو أن يتحول الكاتب من ضميرٍ ناقد إلى شاهدٍ على انهيار بيته، مستمتعًا بصوت الحجارة وهي تسقط.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
28/6/2026 م.