من يتكلم باسم الكرد؟ أزمة التمثيل بين قسد والمجلس الوطني والمعارضة الكردية.. الحلقة الرابعة من سلسلة: القضية الكردية بين الأسد والشرع

عدنان بدرالدين

في الحلقة الثالثة، كان اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي مدخلًا إلى سؤال أبعد من الاتفاق نفسه: هل يمكن لقوة عسكرية تملك الأرض والسلاح والمؤسسات أن تفاوض باسم شعب كامل؟ وهل يكفي أن يجلس قائد يمتلك الأمر الواقع إلى طاولة التفاوض كي يصبح ممثلًا سياسيًا لجماعة تاريخية أوسع من حزبه وقواته وإدارته؟

هذا السؤال ليس تفصيلًا في السياسة الكردية السورية. إنه جوهر الأزمة كلها. فمنذ سنوات، يجري التعامل مع القضية الكردية في سوريا كما لو أنها تختصر في طرفين: مركز سوري يملك اسم الدولة، وقوة عسكرية كردية أو كردية ـ سورية تملك السيطرة على جزء واسع من الأرض. لكن بين هذين الطرفين يوجد مجتمع كامل: أحزاب، حركات، مبادرات سياسية، مستقلون، مثقفون، نساء، شباب، نازحون، لاجئون، سكان عفرين وسري كانيه وكري سبي، كرد دمشق وحلب واللاذقية، وجمهور واسع لا يجد نفسه ممثلًا بالكامل لا في قسد، ولا في المجلس الوطني الكردي، ولا في أحزاب الإدارة الذاتية، ولا في المعارضة السورية العامة.

هنا تبدأ الحلقة الرابعة: من السؤال الذي ظل مؤجلًا طويلًا، وربما جرى الهروب منه لأن الإجابة عنه محرجة للجميع: من يتكلم باسم الكرد؟

ليست المشكلة أن الكرد بلا قضية. القضية واضحة في جذورها: شعب أُنكر وجوده القومي طويلًا، وحُرم من لغته وثقافته وحقوقه السياسية، وتعرض لسياسات استثنائية من الإحصاء والحزام العربي إلى منع اللغة وحرمان مئات الآلاف من الجنسية أو من آثارها المتوارثة عبر الأجيال. المشكلة أن هذه القضية العادلة لم تجد، في اللحظة السورية الجديدة، إطارًا تمثيليًا جامعًا قادرًا على تحويل العدالة التاريخية إلى قوة سياسية مفاوضة.

في السياسة، لا تكفي عدالة القضية وحدها. ولا تكفي التضحيات وحدها. ولا يكفي التاريخ وحده. فالقضية التي لا تملك تمثيلًا واضحًا تصبح عرضة لأن يتحدث باسمها من يملك السلاح، أو من يملك العلاقات الخارجية، أو من يملك الإرث الحزبي، أو من يملك اعترافًا مؤقتًا من قوة إقليمية أو دولية. عندها لا يعود السؤال: ما حق الكرد؟ بل يصبح: من يستطيع أن يفرض نفسه متحدثًا باسمهم؟

وهذا هو الخطر. لأن التمثيل، في معناه السياسي والديمقراطي، ليس مجرد قدرة على الظهور، ولا مجرد حضور على طاولة تفاوض، ولا نتيجة تلقائية للتضحية أو السيطرة أو القدم التنظيمي. التمثيل علاقة متجددة بين مجتمع ومن يتحدث باسمه. علاقة تقوم على التفويض والمساءلة والقدرة على التغيير. فإذا غابت هذه العناصر، تحول التمثيل إلى ادعاء، ثم إلى وكالة مفتوحة، ثم إلى وصاية.

قسد، من هذه الزاوية، تمثل الجزء الأكثر وضوحًا من الأزمة. فقد امتلكت القوة العسكرية، وسيطرت على مساحات واسعة، وأدارت مؤسسات، وتحولت إلى شريك دولي في الحرب على داعش. لكنها لم تتحول، رغم ذلك كله، إلى إطار تمثيلي جامع للكرد السوريين. قوتها جاءت من الحرب، لا من تفويض سياسي عام. وشرعيتها العملية جاءت من الوظيفة العسكرية والأمنية، لا من عقد ديمقراطي واضح مع المجتمع الكردي.

هذا لا يعني تجاهل تضحيات مقاتليها، ولا التقليل من الدور الذي أدته في مواجهة داعش، ولا إنكار أن مناطق الإدارة الذاتية شهدت بعض أشكال الاستقرار والمؤسساتية مقارنة بمناطق سورية أخرى. لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يجيب عن سؤال التمثيل. فالقوة قد تحمي منطقة في لحظة حرب، لكنها لا تمنح صاحبها، وحدها، حق تقرير مصير شعب كامل. والسلاح قد يصنع أمرًا واقعًا، لكنه لا يصنع وحده شرعية سياسية قابلة للاستمرار.

المشكلة الأعمق أن قسد لم تنشأ كجيش كردي وطني واضح، بل كصيغة عسكرية متعددة الأسماء والوظائف. كانت مرتبطة، في بنيتها وخطابها ومرجعيتها، بالفضاء الأوجلاني الأوسع، وفي الوقت نفسه قدمت نفسها، أمام الغرب، كقوة سورية ديمقراطية متعددة المكونات. هذا التعدد في الاسم والوظيفة سمح لها بالحركة، لكنه جعل سؤال التمثيل الكردي أكثر التباسًا. فهي ليست كردية بما يكفي كي تقول إنها جيش قومي كردي، وليست سورية عامة بما يكفي كي تمثل كل شمال وشرق سوريا ديمقراطيًا، وليست مستقلة بما يكفي عن المرجعية الأوجلانية كي تكون تعبيرًا سوريًا كرديًا خالصًا.

لذلك، حين تفاوض قسد أو قائدها، فإنهما يفاوضان من موقع قوة أمر واقع، لا من موقع تمثيل كردي جامع. وهذا فرق حاسم. يمكن لقسد أن تفاوض على ترتيبات عسكرية، وعلى ضمانات لمقاتليها، وعلى مستقبل مؤسسات الإدارة الذاتية، وعلى حماية مناطق سيطرتها. لكنها لا تستطيع وحدها أن تقرر ما هو سقف الحقوق الكردية في سوريا، ولا أن تستبدل الاعتراف القومي باتفاق إداري، ولا أن تجعل الاندماج في الدولة بديلًا عن عقد وطني جديد.

فالمشكلة ليست في أن قسد طرف موجود، بل في أن وجودها يُستخدم أحيانًا كبديل عن المجتمع. وليست المشكلة في أنها قوة لا يمكن تجاهلها، بل في أن قوتها قد تتحول، إذا لم تُضبط بتمثيل أوسع، إلى قناة وحيدة يمر عبرها مستقبل قضية لا تخصها وحدها. وهنا تبدأ المسافة بين القوة والشرعية. القوة تجيب عن سؤال: من يسيطر؟ أما الشرعية فتجيب عن سؤال آخر: من فوّض؟ ومن يراقب؟ ومن يستطيع أن يراجع القرار أو يغيّره؟

في المقابل، لا يستطيع المجلس الوطني الكردي أن يقدّم نفسه بوصفه البديل الجاهز والكامل. فالمجلس نشأ في لحظة بحث كردي ـ سوري مرتبكة عن إطار سياسي معارض بعد عام 2011، لا بوصفه مجرد أداة مخصصة لموازنة الحركة الأوجلانية منذ البداية. كان المشهد آنذاك أكثر سيولة وتعقيدًا: أحزاب كردية قديمة، ثورة سورية صاعدة، معارضة عربية لا تطمئن الكرد بما يكفي، حزب الاتحاد الديمقراطي يتحرك ضمن فضاء سياسي مختلف، وإقليم كردستان يحاول أن يلعب دورًا جامعًا أو وسيطًا. لكن ما بدأ كبحث عن إطار كردي معارض سرعان ما دخل في تنافس حاد مع المشروع الأوجلاني، ثم تحول التنافس، مع صعود سلطة الأمر الواقع، إلى انقسام عميق داخل البيت الكردي.

صحيح أن المجلس يضم أحزابًا لها تاريخ سياسي، وبعضها يمتد إلى عقود طويلة من النضال في ظل القمع والإنكار. وصحيح أنه مثّل، في مراحل معينة، صوتًا كرديًا يرفض احتكار حزب الاتحاد الديمقراطي للقرار. لكن التاريخ التنظيمي لا يكفي هو الآخر لصناعة تمثيل حي. فالشرعية لا تبقى حية لأنها كانت موجودة في الماضي، بل لأنها تستطيع أن تتجدد في الحاضر. والمجلس، في هذا المعنى، عانى من ضعف المبادرة، وبطء الحركة، والانقسام الداخلي، والاتكال الزائد على الخارج، وعدم القدرة على بناء حضور اجتماعي واسع داخل المناطق الكردية، خاصة بعد صعود سلطة الأمر الواقع.

كما لم يستطع المجلس أن يتحول إلى إطار سياسي يستوعب المستقلين والشباب والنساء والنازحين ومجتمعات المدن والريف. بقي، في نظر كثيرين، أقرب إلى تحالف حزبي تقليدي منه إلى مؤسسة تمثيلية وطنية واسعة. وهذا لا يُلغي أهميته، لكنه يضعها في حجمها الفعلي. فهو جزء من المشهد الكردي، لا كل المشهد. يملك جزءًا من الذاكرة السياسية، لا كل الشرعية. يملك خطابًا معارضًا، لكنه لا يملك وحده القدرة على تحويل هذا الخطاب إلى قوة تفاوضية جامعة.

بمعنى آخر، إذا كانت قسد تملك القوة أكثر مما تملك التفويض، فإن المجلس الوطني يملك جزءًا من الإرث السياسي أكثر مما يملك القدرة. وإذا كانت قسد تعاني من فائض السلاح ونقص التمثيل، فإن المجلس يعاني من فائض الخطاب ونقص الأدوات. وبين هذين النقصين وجد الشعب الكردي نفسه أمام ثنائية قاسية: سلطة أمر واقع لا تمثله بالكامل، ومعارضة كردية لا تستطيع حمايته أو فرض شروطه.

لكن الساحة الكردية لا تنحصر في قسد والمجلس الوطني. هناك أحزاب وحركات ومبادرات سياسية كردية خارج إطار أحزاب الإدارة الذاتية وخارج إطار المجلس. بعضها صغير الحجم، وبعضها محلي، وبعضها مرتبط بمبادرات شبابية أو مدنية أو ثقافية، وبعضها نشأ من خيبة الأمل من الطرفين الكبيرين. كما توجد شخصيات مستقلة، وكتاب، وناشطون، وشبكات اجتماعية وحقوقية، ومجموعات نسوية وشبابية، ووجوه من عفرين والجزيرة وكوباني والمهجرين، لا يمكن اختزالها في الثنائية الحزبية السائدة.

 

هذه القوى لا تملك، غالبًا، قوة السلاح ولا اعتراف العواصم ولا تمويل الأحزاب الكبرى. لكنها تمثل جزءًا من حيوية المجتمع الكردي، ومن حقها أن تكون جزءًا من أي نقاش حول المستقبل. فغيابها عن الطاولة لا يعني غيابها عن المجتمع. والمشكلة أن السياسة الكردية، كما السياسة السورية عمومًا، اعتادت أن ترى التمثيل من خلال الكتل المسلحة أو الأحزاب القديمة، لا من خلال المجتمع الحي بتنوعه وتعقيده.

أما المعارضة الكردية الأوسع، بما فيها الشخصيات المستقلة والمثقفون والناشطون والمنظمات المدنية، فهي حاضرة أخلاقيًا وفكريًا، لكنها مشتتة سياسيًا. كثيرون يملكون رؤية نقدية، وكثيرون عبّروا عن مواقف متقدمة تجاه الدولة السورية، وقسد، والمجلس، وتركيا، والمعارضة السورية. لكن هذه الأصوات لم تتحول إلى جسم سياسي قادر على التفاوض أو الضغط أو بناء موقف كردي عام.

هنا تكمن مأساة أخرى: المجتمع الكردي أوسع وأغنى من ممثليه. فيه طاقات مدنية وثقافية وفكرية هائلة، لكنه محاصر بين بنيات حزبية قديمة، وسلطة عسكرية ـ أيديولوجية، ومعارضة سورية لا تطمئن الكرد بما يكفي، وإقليم كردستان حذر، وقوى دولية تبحث عن شركاء وظيفيين لا عن تمثيل ديمقراطي. لذلك بقي المجتمع حاضرًا بوصفه موضوعًا للسياسة، لا فاعلًا مركزيًا فيها.

هذه ليست مشكلة أسماء فقط، بل مشكلة بنية. فحين تنشأ السياسة في ظروف الخطر والإنكار والعمل السري والحرب، يصبح من الطبيعي أن تتقدم الحماية على المشاركة، والانضباط على النقاش، والوحدة على التعدد. لكن ما يكون مفهومًا في لحظة التأسيس قد يتحول، إذا طال أمده، إلى قيد على المستقبل. فالأدوات التي نشأت لحماية المجتمع قد تبدأ، مع الزمن، بحماية نفسها من المجتمع. والشرعية التي كانت مستمدة من الضرورة قد تتحول إلى امتياز يصعب مساءلته. والتمثيل الذي كان وظيفة تاريخية قد يتحول إلى موقع مغلق.

هذا ما يفسر جزءًا كبيرًا من الأزمة الكردية السورية اليوم. فليست المسألة فقط أن قسد قوية والمجلس ضعيف، أو أن طرفًا يملك السلاح وطرفًا يملك التاريخ. المسألة أن المجال السياسي الكردي نفسه لم يجد بعد آلية مفتوحة لإنتاج التمثيل وتجديده. لذلك يتكرر السؤال ذاته عند كل محطة: من يقرر؟ من يفاوض؟ من يملك حق التنازل؟ ومن يستطيع القول إن هذا هو الحد الأدنى المقبول باسم الكرد؟

حين لا توجد آلية واضحة للإجابة عن هذه الأسئلة، يملأ الفراغَ من يملك القوة أو العلاقة الخارجية أو الذاكرة الحزبية. وحين يحدث ذلك، لا تعود السياسة تعبيرًا عن المجتمع، بل تصبح إدارة فوقية لمصيره. وهذا ما يجعل كل اتفاق قابلًا للطعن، وكل تفاوض قابلًا للشك، وكل تسوية معرضة لأن تبدو صفقة بين سلطتين فوق المجتمع: سلطة الدولة المركزية وسلطة الأمر الواقع.

من هذه الزاوية، لا يكفي تكرار نموذج مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في نيسان/أبريل 2025. فقد بدا المؤتمر، رغم رمزيته التاريخية، أقرب إلى حدث سياسي استعراضي منه إلى آلية تمثيلية قابلة للاستمرار. جمع أطرافًا مختلفة، وأنتج وثيقة عامة، وأوحى في لحظته الأولى بأن الساحة الكردية تتجه نحو موقف أكثر توحيدًا. لكن ما تلا المؤتمر كشف أن المشكلة لا تُحل بمجرد اجتماع واسع أو إعلان مشترك أو صورة جامعة. فالقرارات لم تتحول إلى مسار سياسي ملزم، والوثيقة بقيت أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى تفويض عملي، ولم تنشأ عنها آلية واضحة لمتابعة التنفيذ أو مراقبة الوفد التفاوضي أو مساءلة الأطراف المشاركة.

لذلك، لا ينبغي لأي محاولة جديدة لتوحيد الموقف الكردي أن تكرر نموذج المؤتمر بوصفه حدثًا ينتهي عند لحظة الانعقاد. فالمطلوب ليس مؤتمرًا آخر يعلن وحدة لا تُمارس، بل مسار سياسي ينتج تفويضًا واضحًا، وآلية قرار، وجدول متابعة، وحدودًا مكتوبة لما يمكن التفاوض عليه وما لا يجوز التنازل عنه. من دون ذلك، ستظل الوحدة الكردية تُستدعى في اللحظات الحرجة كشعار، ثم تُترك بعد ذلك حبرًا على ورق.

لا يمكن بناء تمثيل كردي جديد إذا بقي السؤال يدور حول من يحل محل من: هل تحل قسد محل المجلس؟ هل يحل المجلس محل قسد؟ هل يفرض المركز السوري طرفًا ويهمش آخر؟ هذا منطق ناقص. فالمطلوب ليس استبدال احتكار باحتكار، بل الخروج من فكرة الاحتكار نفسها. لا حزب واحد يستطيع أن يتكلم باسم الكرد. لا قائد عسكري واحد يستطيع ذلك. لا مجلس تقليدي وحده يستطيع ذلك. ولا شخصية رمزية أو مرجعية خارجية تستطيع أن تختصر مجتمعًا كاملًا.

التمثيل الحقيقي لا يولد من إعلان، بل من عملية. وهذه العملية يجب أن تبدأ من الاعتراف بأن الكرد في سوريا ليسوا كتلة صامتة تنتظر من يقرر عنها، بل مجتمع سياسي متنوع. فيه من يؤيد قسد، ومن يؤيد المجلس، ومن يرفض الاثنين، ومن يقف خارجهما، ومن يخاف من دمشق، ومن يخاف من تركيا، ومن فقد بيته في عفرين، ومن قاتل داعش، ومن هاجر، ومن بقي في الجزيرة، ومن يعيش في دمشق وحلب، ومن يريد حلًا فيدراليًا، ومن يقبل بلامركزية واسعة، ومن يطلب فقط ضمانات لغوية وثقافية وسياسية واضحة. تمثيل هذا المجتمع لا يمكن أن يتم عبر توقيع مغلق أو مؤتمر شكلي أو تفاهم بين قيادات محدودة.

من هنا، فإن السؤال العملي ليس: من هو الممثل الشرعي الوحيد للكرد؟ بل: كيف يمكن بناء إطار تمثيلي كردي أوسع، مؤقت ومرن، قادر على التفاوض باسم الحد الأدنى المشترك؟

هذا الحد الأدنى لا ينبغي أن يكون برنامجًا حزبيًا خاصًا، ولا مشروعًا أوجلانيًا، ولا رؤية مجلسية ضيقة، ولا استجابة لمطالب دمشق أو أنقرة أو واشنطن. يجب أن يكون وثيقة سياسية كردية ـ سورية واضحة، تقوم على نقاط أساسية: الاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكردي في سوريا، حماية اللغة الكردية في التعليم والإدارة والثقافة، لامركزية سياسية حقيقية أو صيغة حكم ذاتي ديمقراطي ضمن وحدة سوريا، تمثيل عادل في الجيش والأمن والمؤسسات، ضمان عودة المهجرين إلى عفرين وسري كانيه وكري سبي، رفض التغيير الديمغرافي، وفصل القضية الكردية السورية عن أجندات التنظيمات العابرة للحدود.

هذه ليست مطالب انفصالية. إنها شروط بناء ثقة. فالدولة التي تريد أن تستعيد مواطنيها لا تستطيع أن تطلب منهم العودة إلى مركز لم يعترف بهم. والقوى الكردية التي تريد أن تفاوض لا تستطيع أن تذهب متفرقة، أو أن تجعل حقوق الشعب بندًا تابعًا لمصير قوة عسكرية أو حزب سياسي.

ولا يعني الاتفاق على حد أدنى تجاهل الخلافات العميقة داخل الساحة الكردية. فهناك خلاف حقيقي حول العلاقة مع حزب العمال الكردستاني المنحل، وحول موقع قسد في المستقبل، وحول شكل الإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي، وحول العلاقة مع تركيا وإقليم كردستان والمعارضة السورية. هذه الخلافات لا يمكن حلها بإنكارها أو تأجيلها إلى ما لا نهاية. لكن يمكن تنظيمها داخل إطار سياسي مشترك. ما يمس الحقوق الأساسية للكرد يجب أن يكون موضع توافق عام، أما القضايا الأيديولوجية والحزبية والتحالفات الخاصة فيجب ألا تُفرض على المجتمع كله بوصفها قدرًا قوميًّا.

بهذا المعنى، لا يُطلب من القوى الكردية أن تصبح حزبًا واحدًا، بل أن تتفق على أن خلافاتها لا يجوز أن تمنح دمشق أو أنقرة أو أي قوة أخرى حق تقرير مستقبل الكرد بدلًا عنها. فالتعدد ليس خطرًا إذا وُجدت آلية تنظمه. الخطر هو أن يبقى التعدد مشتتًا، وأن تبقى القوة منفردة، وأن يبقى التاريخ عاجزًا، وأن يبقى المجتمع خارج القاعة.

لكن كيف يمكن الوصول إلى هذا الإطار؟

البداية ليست في مؤتمر احتفالي كبير، ولا في إعلان فوقي جديد. ولا يمكن لهذا المسار أن يبدأ من فراغ. ثمة حاجة أولًا إلى هيئة تحضيرية محدودة، لا تدّعي تمثيل الكرد، بل تهيئ شروط التمثيل. تضم هذه الهيئة شخصيات من قسد والمجلس الوطني الكردي، وأحزابًا وحركات ومبادرات كردية أخرى، ومستقلين، وممثلين عن عفرين والجزيرة وكوباني وسري كانيه وكري سبي وعن كرد دمشق واللاذقية، وعن النساء والشباب والنازحين واللاجئين. مهمتها ليست اتخاذ قرارات مصيرية باسم الكرد، بل وضع قواعد اللقاء الوطني الكردي: من يشارك؟ كيف تُتخذ القرارات؟ ما القضايا غير القابلة للتنازل؟ وما حدود التفويض الممنوح لأي وفد تفاوضي؟

بعد ذلك، يمكن الانتقال إلى مؤتمر كردي ـ سوري حقيقي، لا مؤتمر شعارات ولا محاصصة حزبية. معيار المشاركة فيه يجب ألا يكون السلاح وحده، ولا التاريخ الحزبي وحده، ولا العلاقة مع الخارج وحدها، بل الجمع بين الحضور الاجتماعي، والوزن السياسي، والاستقلالية النسبية، والالتزام بوثيقة حقوق كردية ـ سورية واضحة. وفي مثل هذا الإطار، لا يجوز لأي طرف أن يمتلك حق الفيتو المطلق، كما لا يجوز أن تُختزل القرارات في توافق قيادات مغلقة. المطلوب آلية قرار واضحة: توافق واسع حيث أمكن، وتصويت شفاف حيث يتعذر التوافق، مع إعلان نتائج النقاش أمام المجتمع لا إبقائها داخل الغرف المغلقة.

أما الوفد الذي يفاوض دمشق، فيجب ألا يكون وفد قسد وحدها، ولا وفد المجلس وحده، ولا وفدًا رمزيًا من المستقلين، بل وفدًا كرديًا ـ سوريًا مركبًا، يحمل تفويضًا محددًا ومكتوبًا. هذا التفويض يجب أن يحدد ما يستطيع الوفد التفاوض عليه، وما لا يستطيع التنازل عنه: الاعتراف الدستوري، اللغة، الإدارة، الأمن المحلي، عودة المهجرين، رفض التغيير الديمغرافي، والتمثيل العادل في مؤسسات الدولة. من دون هذا التفويض، سيبقى كل تفاوض قابلًا للطعن، وكل اتفاق قابلًا لأن يبدو صفقة بين قوة تملك السلاح ومركز يملك الدولة.

في هذا المسار، يمكن لإقليم كردستان العراق أن يلعب دورًا مهمًا، إذا أراد وتوافرت له الظروف. فالإقليم يمتلك خبرة سياسية، وعلاقات كردية وسورية ودولية، ووزنًا معنويًا لدى جزء كبير من الكرد السوريين. لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن القرار الكردي السوري نفسه. دوره الأفضل ليس فرض طرف على طرف، ولا إدارة توازنات حزبية ضيقة، بل المساعدة على خلق مساحة آمنة للحوار، وضمان ألا يتحول أي اتفاق إلى إقصاء جديد.

كما يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد، لكن لا يجوز انتظار الخلاص منه. القوى الدولية تبحث عن الاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وتقليل الكلفة. وقد تدعم مسارًا كرديًا إذا كان واضحًا ومنظمًا وواقعيًا، لكنها لن تبني تمثيلًا بدلًا من الكرد. لذلك فإن الاعتماد على واشنطن أو باريس أو أي عاصمة أخرى لا يمكن أن يعوض غياب القرار الداخلي.

المطلوب، قبل كل شيء، عقل سياسي جديد. عقل يعترف بأن قسد جزء من المشهد لا كل المشهد، وأن المجلس جزء من الشرعية التاريخية لا كل الشرعية، وأن الأحزاب والحركات والمبادرات السياسية خارج الإطارين ليست هامشًا زائدًا، وأن المستقلين والمجتمع المدني ليسوا زينة سياسية، وأن النساء والشباب والنازحين ليسوا جمهورًا يُستدعى عند الحاجة، بل أصحاب مصلحة مباشرة في مستقبل القضية. من دون ذلك، سيظل التمثيل يدور داخل حلقة مغلقة: من يملك السلاح يتكلم، ومن يملك التاريخ يحتج، ومن يملك المجتمع يبقى خارج القاعة.

هذه الحلقة المغلقة هي ما يجب كسره. لا عبر تخوين قسد، ولا عبر الإستخفاف بقوة المجلس، ولا عبر مطالبة المستقلين بما لا يملكونه، بل عبر إعادة تعريف التمثيل نفسه. فالقضية الكردية لا تحتاج إلى قائد مخلّص، ولا إلى حزب أبدي، ولا إلى مجلس يحتكر الشرعية، ولا إلى قوة عسكرية تفرض الأمر الواقع. إنها تحتاج إلى بنية تمثيلية قابلة للمساءلة، تعرف حدودها، وتفاوض باسم ما اتفق عليه المجتمع، لا باسم ما قررته القيادة.

وهنا يجب التمييز بين القيادة والتمثيل. كل حركة سياسية تحتاج إلى قيادة. لكن القيادة لا تصبح تمثيلًا إلا حين تكون ناتجة عن تفويض، وخاضعة للمساءلة، وقابلة للتغيير. أما القيادة التي تستند إلى السلاح أو التاريخ أو الرمز أو العلاقات الخارجية وحدها، فهي قد تقود لحظة، لكنها لا تستطيع أن تمثل مجتمعًا كاملًا إلى ما لا نهاية.

في الحالة الكردية السورية، لم تعد الأزمة في غياب الأصوات، بل في غياب الآلية التي تجمعها وتحوّلها إلى تفويض مستقر. لدينا قوى مسلحة، وأحزاب، ومثقفون، ومجتمع مدني، وذاكرة نضال، وجرح تهجير، وتجربة إدارة، وعلاقات إقليمية ودولية، ولدينا أيضًا محاولات وحدوية سابقة بقيت دون أثر تنفيذي كافٍ. لكن هذه العناصر لم تتحول بعد إلى مؤسسة تمثيلية قادرة على إنتاج القرار ومساءلته. وما لم يحدث ذلك، سيبقى كل اتفاق معرضًا لأن يبدو صفقة فوق المجتمع، وكل تفاوض معرضًا لأن يُسأل بعده: من فوّضكم؟

هذا السؤال قد يكون مزعجًا، لكنه ضروري. لأنه لا يستهدف إضعاف الموقف الكردي، بل تقويته. فالموقف الذي يذهب إلى التفاوض بتفويض أوسع يكون أقوى من موقف يذهب باسم سلطة أمر واقع فقط. والمطلب الذي يصدر عن توافق كردي واسع يكون أصعب على دمشق أن تتجاهله، وأصعب على تركيا أن تشوهه، وأصعب على القوى الدولية أن تختزله في ملف أمني.

من هنا، فإن أزمة التمثيل ليست مشكلة داخلية هامشية، بل جزء من الصراع على الاعتراف. فحين لا يعرف العالم من يمثل الكرد، يسهل عليه أن يختار الطرف الأكثر فائدة له. وحين لا يملك الكرد إطارًا جامعًا، يسهل على دمشق أن تفاوض طرفًا وتهمش آخر. وحين تنقسم الساحة الكردية بين قوة بلا تفويض كامل، ومعارضة بلا أدوات كافية، ومبادرات مشتتة بلا إطار، يصبح الاعتراف نفسه قابلًا للتأجيل.

لذلك، فإن بناء تمثيل كردي أوسع ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرط سياسي. شرط لأي تفاوض جدي مع دمشق، وشرط لأي حماية دولية، وشرط لأي شراكة سورية مستقبلية. لا يمكن للكرد أن يطلبوا من الدولة السورية الجديدة الاعتراف بتعدد سوريا، فيما بيتهم السياسي عاجز عن تنظيم تعدده الداخلي. ولا يمكنهم أن يواجهوا مركزية دمشق القديمة أو الجديدة بعقل سياسي مغلق يعيد إنتاج المركزية داخل المجتمع الكردي نفسه.

ليست القضية، إذن، أن يختفي هذا الطرف أو ذاك. قسد أو ما تبقى منها ستبقى بحكم قوتها . والمجلس سيبقى طرفًا مهمًا بحكم تاريخه وصلاته السياسية. والأحزاب والمبادرات والمستقلون سيبقون جزءًا لا غنى عنه من حيوية المجتمع. لكن كل طرف يجب أن يعرف حدوده. لا القوة وحدها تمثل، ولا التاريخ وحده يمثل، ولا النقد وحده يمثل. التمثيل يحتاج إلى عملية سياسية واضحة، وإلى تفويض، وإلى مساءلة، وإلى قدرة على تحويل المجتمع من جمهور ينتظر إلى شريك يقرر.

في النهاية، من يتكلم باسم الكرد؟

لا أحد وحده.

يتكلم باسم الكرد إطارٌ يشارك فيه الكرد بتعددهم، ويفوّضونه بوضوح، ويحاسبونه عند الحاجة، ويعرف هو نفسه أنه لا يملك القضية بل يخدمها. يتكلم باسمهم من يستطيع أن يحول عدالة القضية إلى مشروع سياسي، والتضحيات إلى ضمانات، والذاكرة إلى مستقبل، والخوف إلى عقد وطني جديد.

أما إذا بقي التمثيل محصورًا بين من يملك السلاح ومن يملك التاريخ، وإذا بقيت الوحدة الكردية تُنتج مؤتمرات لا تملك آليات تنفيذ، فإن المجتمع سيبقى خارج القاعة، وستبقى القضية الكردية معلقة بين سلطة أمر واقع ودولة مركزية، وبين اعتراف مؤجل وتمثيل ناقص. وحينها لن يكون الخطر أن يخسر طرف كردي موقعه، بل أن يخسر الكرد، مرة أخرى، فرصة تحويل لحظة الانكشاف إلى بداية سياسية جديدة.

2 يوليو/تموز 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود لا تكتمل الديمقراطية بصناديق الاقتراع وحدها، ولا تُقاس حيويتها بعدد الأحزاب، بل بوجود معارضة وطنية منظمة، تمتلك هوية واضحة ووظيفة رقابية وبرنامجًا قابلًا للتنفيذ، في العراق وكردستان، لم تنجح القوى السياسية يومًا في بلورة معارضة من هذا الطراز؛ معارضة تراقب الحكومة وتساعدها على تصحيح أخطائها، لا معارضة تتشبث بكراسي الحكم وامتيازات الوزارات المدرة والأمنية، فالمعارضة عند هذه القوى…

شــــريف علي تعيش الساحة الكوردية في جنوب كوردستان لحظة سياسية تتجاوز حدود الجدل اليومي، لحظة تكشف عمق التباين بين مشروع قومي تحرري ترسخ بتضحيات مئات الآلاف من الشعب الكوردي وعلى نهج مدرسة البارزاني الخالد، وبين قوى اعتادت التموضع خارج هذا المشروع ،بل وبالضد منه ، حتى باتت في محطات عديدة أقرب إلى الأنظمة التي سلبت الشعب الكوردي حقوقه عبر عقود…

لوند حسين* يُعد القائد الفيتنامي نغوين جياب واحداً من أبرز القادة العسكريين في التاريخ الحديث، ليس لأنَّهُ واجهَ فرنسا ثمَّ الولايات المتحدة الأميركية فحسب، وإنما لأنه نجح في تحويل إرادة شعبهِ إلى قوة سياسية وعسكرية استطاعت هزيمة قوى كانت تُعد الأقوى في العالم؛ لم يكُن جياب خريج أكاديمية عسكرية، بل كانَ مُدرساً للتاريخ، إلا أنَّهُ أدرك أن أيّ حركة تحرر…

خالد حسو تُعدّ المراجعة والنقد جزءاً طبيعياً من أي تجربة سياسية أو اجتماعية، فالنقد البنّاء لا يهدف إلى إضعاف القضايا، بل يمكن أن يكون وسيلة لتصحيح المسار وتعزيز القدرة على تحقيق الأهداف. لكن في الوقت نفسه، فإن اختزال قضية شعب كاملة في أداء جهة سياسية أو حزب معيّن قد يؤدي إلى قراءة ناقصة لا تعكس حجم القضية وتعقيداتها. القضية الكوردية…