المعارضة الوطنية… حين يغيب البديل وتحضر الضوضاء

كفاح محمود

  لا تكتمل الديمقراطية بصناديق الاقتراع وحدها، ولا تُقاس حيويتها بعدد الأحزاب، بل بوجود معارضة وطنية منظمة، تمتلك هوية واضحة ووظيفة رقابية وبرنامجًا قابلًا للتنفيذ، في العراق وكردستان، لم تنجح القوى السياسية يومًا في بلورة معارضة من هذا الطراز؛ معارضة تراقب الحكومة وتساعدها على تصحيح أخطائها، لا معارضة تتشبث بكراسي الحكم وامتيازات الوزارات المدرة والأمنية، فالمعارضة عند هذه القوى محطة انتظار إلى حين العودة إلى الغنيمة، لا وظيفة دستورية.

  الأخطر أن القوى التي لم تحقق فوزًا أو تقدمًا في صناديق الانتخاب لا تتحول إلى معارضة بنّاءة، بل إلى عقبة أمام تشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان، وهذا ما يجري الآن بوضوح في إقليم كردستان، حيث تستغل بعض القوى الخاسرة نفوذها وعلاقاتها مع خصوم الحزب الأكبر خارج الإقليم لابتزاز العملية السياسية، فتُعطَّل جلسات البرلمان، ويتأخر تشكيل الحكومة، ليس لأن هناك برنامجًا بديلًا، بل لأن المقعد الضائع يُراد استرجاعه عبر المفاوضات والمساومات الجانبية.

  وما يحصل في كردستان ليس استثناءً، فقد تكرر المشهد ذاته في معظم الدورات الانتخابية الاتحادية في بغداد؛ قوى تخرج من الانتخابات بخسارة أو تراجع، فتتحول فورًا من لاعب سياسي إلى عرقلة جالسة على الطريق، تُحاصر تشكيل الحكومة وتُجمّد البرلمان، وتُحوّل الأزمة إلى أداة ضغط لانتزاع حصة لم تمنحها صناديق الاقتراع، وبذلك فشلت تلك القوى مرارًا في إنتاج معارضة وطنية فعالة، لأنها لم تكن تبحث عن دور رقابي بل عن مقعد تعويضي.

  ولا يكتمل تفسير هذا العجز دون الإشارة إلى التأثير الإقليمي في صياغته، فدول الجوار المعروفة بتورطها في الشأن العراقي لا تكتفي بالتأثير في مسار الانتخابات ونتائجها، بل تدفع حلفاءها من القوى الخاسرة إلى تعطيل البرلمان وتأخير تشكيل الحكومة، إلى أن تتشكل بالصيغة التي تريدها تلك العواصم لا التي يفرضها صندوق الانتخاب، فتتحول العرقلة الداخلية إلى أداة بيد الخارج، والمعارضة المفترضة إلى وكيل إقليمي.

  تعود الأزمة أيضًا إلى إرث الدولة الأمنية التي جرّمت الاختلاف، فصار المعارض يُنظر إليه كخصم يجب احتواؤه أو كخطر ينبغي عزله، ومع الانتقال الشكلي إلى الديمقراطية، انتقلت معها ثقافة الاحتكار، فبقيت السلطة تُعامل كغنيمة، ولم تتأسس علاقة صحية بين موالاة تحكم ومعارضة تراقب، ثم تأتي الدولة الريعية لتزيد الخلل عمقًا، فحين تكون الحكومة أكبر صاحب عمل وموزع للعقود والامتيازات، يصبح الحقل السياسي شبكة مصالح أكثر منه ميدانًا للبرامج، يسهل عندها احتواء المعارض بوظيفة أو موقع أمني، كما يسهل معاقبته بحرمان جمهوره من الخدمة، فتتلاشى الحدود بين الموالاة والمعارضة لأن الطرفين يتنافسان على الغنيمة ذاتها لا على عدالة السياسات.

  وتسهم منظومة الحكم والانتخاب في تفتيت المعارضة بدل تنظيمها؛ قوانين انتخابية مفصّلة، ودوائر صغيرة، وحكومات “وحدة وطنية” دائمة، عوامل تُدخل الجميع إلى السلطة وتُخرج فكرة المعارضة من معناها، وحين يكون الكل شريكًا، فمن يراقب من؟ تتحول الرقابة إلى مجاملة، واللجان البرلمانية إلى ساحات تفاوض، والمقعد النيابي إلى قيمة ريعية لا إلى مسؤولية سياسية.

  إن بناء معارضة وطنية لا يتحقق بالخطب أو بالعرقلة، بل بإصلاحات واضحة: الاعتراف القانوني بدور المعارضة وحقوقها، وتمكينها من رئاسة لجان رقابية، وتنظيم تمويل الأحزاب، وقوانين انتخابية تشجع البرامج لا الزعامات المحلية، فالمعارضة الوطنية ليست نقيض الدولة بل إحدى ضماناتها، تختلف على السياسات لا على السيادة، وتقدم البديل قبل الهدم والبرنامج قبل الهتاف، وحتى تنضج بمنطق وطني خالص لا بحساب إقليمي، ستبقى أزمة تشكيل الحكومة مسرحًا لابتزاز متجدد، لا محطة لتداول سلمي للسلطة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مهند محمود شوقي كاتب وباحث في الشأن السياسي ليس من الصعب أن تبني طريقًا أو جسرًا أو محطة كهرباء إذا توفرت الإرادة والموارد. لكن الأصعب بكثير أن تهدم منظومة مصالح عاشت سنوات طويلة على الفوضى، وأن تواجه من اعتادوا أن يكون غياب القانون مصدرًا لنفوذهم وثرواتهم. هنا تبدأ المعركة الحقيقية مع الفساد. كثيرون يختزلون الفساد في رشوة أو اختلاس…

الدكتور رضوان بديتي قبل الذكاء الاصطناعي كان لقب “كاتب” أو “صحافي” لا يُمنح بسهولة. لم يكن يكفي أن يمتلك الإنسان فكرة أو رغبة في الكتابة، بل كان عليه أن يمر بسنوات طويلة من القراءة، والتجربة، وصقل اللغة، واكتساب القدرة على التحليل، وتحمّل مشقة البحث والتحرير والمراجعة. كانت الكتابة، إلى حد بعيد، مهنة تقوم على التراكم المعرفي والموهبة والانضباط، ولذلك ظل…

محمد سعيد آلوجي لا يمكن إنكار ما قدمه رواد النخبة الكردية الأوائل الذين أسسوا أول حزب كردي في سوريا، وواصلوا النضال في أصعب الظروف، ولا سيما في عهد البعث الشوفيني، دفاعاً عن حقوق شعبنا وكرامته. وقد كنتُ، على تواضع جهدي، واحداً ممن شاركوا فيما بعد في هذه المسيرة داخل الوطن وخارجه، دفاعاً عن الحقوق المشروعة لشعبنا الكردي الذي عانى طويلاً…

المحامي محمود عمر ليس بخاف على أحد منا بأنه كان (لاسماعيل عمر) الفضل الأبرز في تأسيس مدرسة نضالية متمايزة في جسد الحركة الوطنية الكوردية في سوريا، مدرسة السياسة الواقعية حيث تحاك فيها السياسة الفكر، والثقافة، والوعي الحر، والحوار بقوة المنطق لا بمنطق القوة ،مدرسة لا يستمد فيه أي شعار مشروعيته فقط من عدالته بل من امكانية تطبيقه على أرض الواقع،…