القضية أكبر من الأشخاص.. نحو قراءة مسؤولة للواقع السياسي الكوردي في سوريا

خالد حسو

تُعدّ المراجعة والنقد جزءاً طبيعياً من أي تجربة سياسية أو اجتماعية، فالنقد البنّاء لا يهدف إلى إضعاف القضايا، بل يمكن أن يكون وسيلة لتصحيح المسار وتعزيز القدرة على تحقيق الأهداف. لكن في الوقت نفسه، فإن اختزال قضية شعب كاملة في أداء جهة سياسية أو حزب معيّن قد يؤدي إلى قراءة ناقصة لا تعكس حجم القضية وتعقيداتها.

القضية الكوردية في سوريا ليست وليدة حركة سياسية واحدة، ولا ترتبط بشخص أو مرحلة محددة، بل هي قضية تاريخية واجتماعية وثقافية وسياسية ومصيرية تتعلق بحقوق شعب وتطلعاته. لذلك فإن تقييم أي تجربة سياسية يجب أن يكون ضمن إطار أوسع، يأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة، والتحديات الداخلية والخارجية، ومدى قدرة القوى السياسية على تمثيل تطلعات المجتمع.

لا تكمن المشكلة في وجود حركة سياسية بحد ذاتها، فوجود التنظيمات والأحزاب جزء من الحياة العامة، وإنما في مدى قرب هذه الحركات من الناس، وقدرتها على الاستماع إلى مطالبهم، وحماية مصالحهم، والعمل على بناء مشروع يخدم المجتمع قبل أي حسابات ضيقة.

عندما تنفصل السياسة عن هموم الناس اليومية، وتتحول الأولويات من خدمة القضية إلى صراعات داخلية أو مصالح محدودة، فإن الأداة التي يفترض أن تكون وسيلة للنضال قد تصبح عبئاً على الهدف الأساسي. لذلك فإن أي تجربة سياسية تحتاج دائماً إلى مراجعة صادقة للأخطاء، وفتح مساحة للنقد والحوار، والعمل على توحيد الجهود بدل تكريس الانقسامات.

إن المرحلة الراهنة التي تمر بها القضية الكوردية في سوريا، بما تحمله من تحديات سياسية ووطنية ومصيرية، وما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، تفرض على جميع القوى والأحزاب والفعاليات الوطنية والمجتمعية والثقافية، ومن دون استثناء، تحمل مسؤولياتها التاريخية تجاه شعبها وقضيته العادلة. ومن هذا المنطلق، فإن قضيتنا القومية، وحركتها السياسية، أصبحت اليوم بأمسّ الحاجة إلى عقد مؤتمر وطني قومي كردي شامل وجامع، يكون مظلة وطنية حقيقية تجمع مختلف الأطراف والقوى والطاقات، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة والخلافات التي أرهقت الشارع الكردي وأضعفت حضوره السياسي.

إن الهدف من هذا المؤتمر لا ينبغي أن يقتصر على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، بل يجب أن يكون محطة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الكوردي، وتحديد المسار الوطني الصحيح والطبيعي للقضية الكوردية، ووضع رؤية سياسية موحدة تنطلق من إرادة شعبنا وتطلعاته المشروعة، وتواكب المتغيرات التي تشهدها سوريا والمنطقة، بما يحفظ حقوق شعبنا القومية ويعزز حضوره كشريك أساسي في مستقبل البلاد.

كما ينبغي أن يفضي هذا المؤتمر إلى تشكيل مرجعية قومية وطنية موحدة ومنظمة، تتمتع بالشرعية المستمدة من التوافق الوطني، وتكون الممثل الحقيقي لإرادة شعبنا الكردي، والقادرة على الدفاع عن حقوقه في مختلف المحافل، وإدارة الحوار مع القوى الوطنية السورية والمجتمعين الإقليمي والدولي بروح المسؤولية والوحدة. فغياب مرجعية موحدة أدى خلال السنوات الماضية إلى تشتت القرار، وتعدد الخطابات، وتضارب المواقف، الأمر الذي انعكس سلباً على مكانة القضية الكوردية وعلى قدرتها في انتزاع حقوقها المشروعة.

إن توحيد الخطاب السياسي، والقرار، والكلمة، والهدف، والمطالب، لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة وحجم التحديات. فالقضية الكوردية أكبر من أي حزب أو تنظيم أو شخصية، وهي مسؤولية جماعية تتطلب تغليب المصلحة القومية العليا على المصالح الفئوية، وتعزيز ثقافة الشراكة والتوافق والعمل المشترك، لأن وحدة الصف الكردي هي الضمانة الأساسية لصون الحقوق القومية، وترسيخ الحضور السياسي، وتحقيق تطلعات شعبنا في الحرية والكرامة والعدالة ضمن سوريا ديمقراطية تعددية، تقوم على المساواة والاعتراف الدستوري بحقوق جميع مكوناتها.

إن المرحلة التي تمر بها القضية الكوردية في سوريا تحتاج إلى مسؤولية أكبر من الجميع: مسؤولية القوى السياسية في تطوير أدائها، ومسؤولية المجتمع في المشاركة والنقد الواعي، ومسؤولية الجميع في وضع المصلحة العامة فوق الخلافات.

فالقضايا الكبرى لا تُبنى بالأشخاص فقط، بل بالوعي المشترك، والعمل الجماعي، والقدرة على تحويل الاختلاف إلى فرصة للإصلاح والتقدم. إن وحدة الصف، وتوحيد القرار، وبناء مرجعية قومية جامعة، هي الطريق الأقصر لحماية القضية الكوردية وتعزيز مكانتها، لأن الشعوب التي تتوحد حول مشروعها الوطني تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…

ماجدة بوعزة بين نزع سلاح حزب العمال وحسابات أردوغان للبقاء في السلطة، يفتح القانون الجديد باب السلام في تركيا، لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأكراد. فما تفاصيله؟ يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى. تحول في الخطاب القومي