لوند حسين*
يُعد القائد الفيتنامي نغوين جياب واحداً من أبرز القادة العسكريين في التاريخ الحديث، ليس لأنَّهُ واجهَ فرنسا ثمَّ الولايات المتحدة الأميركية فحسب، وإنما لأنه نجح في تحويل إرادة شعبهِ إلى قوة سياسية وعسكرية استطاعت هزيمة قوى كانت تُعد الأقوى في العالم؛ لم يكُن جياب خريج أكاديمية عسكرية، بل كانَ مُدرساً للتاريخ، إلا أنَّهُ أدرك أن أيّ حركة تحرر لا تستطيع الصمود ما لم تستند إلى حاضنة شعبية تؤمن بعدالة قضيتها وتثق بقيادتها.
ولهذا، بقي الشعب الفيتنامي يحتضن مشروعهُ رغم سنوات الحرب الطويلة والتضحيات الهائلة، فكانت القيادة والشعب يسيران في خندقٍ واحد، وهو ما منح المقاومة الفيتنامية القُدرة على الاستمرار حتى تحقيق أهدافِها.
وعند إجراء مقارنة مع تجربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وقائدها الجنرال مظلوم عبدي، يظهر اختلاف جوهري في طبيعة العلاقة بين القيادة والشعب، وفي القدرة على قراءة المتغيرات السياسية والعسكرية؛ فهناك من يرى أنَّ قيادة قسد لم تخسر جزءاً كبيراً من حاضنتها الشعبية بسبب الظروف العسكرية وحدها، وإنما نتيجة تبنيها نهجاً أيديولوجياً مُغلقاً، جعلها تعتقد أن احتكار القرار السياسي والأمني يمكن أن يكون بديلاً عن الشراكة الوطنية؛ وانطلاقاً من هذه القناعة، مارست سياسات اقصائية واسعة، شملت ملاحقة واعتقال وتصفية عدد من النُشطاء والسياسيين الكُرد، وإبعاد بعضهم عن مناطقهم، فضلاً عن التضييق على الأحزاب السياسية المنافسة، ومنع عدد من وسائل الإعلام الكُردية المستقلة من العمل في مناطق سيطرتها، لأنها لم تكُن مُنسجمة مع الخط السياسي لحزب العمال الكُردستاني أو فرعِهِ السوري، حزب الاتحاد الديمقراطي.
ولم تتوقف المشكلة عند حدود الممارسات الأمنية، بل امتدت إلى غياب المراجعة السياسية ورفض الاستماع إلى الأصوات الناقدة، الأمر الذي أسهم في تعميق الفجوة بينها وبين قطاعات واسعة من الشعب الكُردي في كُردستان (سوريا/ ڕؤژآڤا)؛ فبدلاً من التعامل مع النقد بوصفه فرصة لتصحيح المسار، جرى النظر إلى كثير من المعارضين على أنهم خصوم ينبغي إقصاؤهم أو تحييدهم؛ وهكذا، تحولت العلاقة بين القيادة وجزء مهم من المجتمع من علاقة تمثيل وشراكة إلى علاقة هيمنة وفرض أمر واقع.
إنَّ أيّ حركة سياسية أو عسكرية قد تتمكن من فرض سيطرتها بقوة السلاح لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع أنْ تؤسس مشروعاً تاريخياً مستقراً ما لم تستند إلى شرعية شعبية حقيقية؛ وقد أثبتت التجارب أنَّ الدعم الخارجي، مهما كان حجمهُ، يبقى رهناً بالمصالح والمتغيرات الدولية، بينما تظل الحاضنة الشعبية هي الضمانة الوحيدة لاستمرار أي مشروع سياسي؛ وعندما تضعف هذه الحاضنة، يصبح المشروع بأكملِهٍ أكثر عرضة للتراجع، وتتقلص خيارات قيادتِهِ مع كل تحول في موازين القوى الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنظور، فإن ما انتهت إليه قسد من توجه نحو الاندماج مع الدولة السورية لا يمكن فهمَهُ بمعزل عن هذا السياق، فقيادة قسد وصلت إلى مرحلة لم تعد تمتلك فيها خيارات استراتيجية واسعة، خاصة بعد تغيُر موازين القوى الإقليمية والدولية.
وتجلى ذلك بمواقف زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، الذي دعا في مراحل مختلفة إلى ما سماه «الاندماج الديمقراطي» أو إعادة صياغة العلاقة مع الدول القائمة، كما أنَّهُ أدلى بتصريحات مُؤكداً مُعارضتَهُ قيام كيان كُردي مستقل برعاية أمريكية وإسرائيلية، ورأى أن هذا المشروع لا يخدم رؤيته السياسية؛ وإذا أُخذت هذه المواقف بوصفها معبرة عن التوجه الفكري للقيادة المرتبطة بِهِ، فإنها تساعد في تفسير المسار الذي انتهت إليه قسد لاحقاً.
لقد أثبت التاريخ أن الانتصارات العسكرية لا يصنعُها السلاح وحدهُ، بل تصنعها قبل ذلك شرعية القيادة وثقة الشعب بها؛ فجياب الفيتنامي لم يهزم فرنسا والولايات المتحدة لأنَّهُ امتلك جيشاً أقوى، بل لأنَّهُ امتلك شعباً رأى فيِهِ قائداً يُعبر عن تطلعاتِهِ ومستقبلِهِ؛ أما الجنرال مظلوم وقسد فقدوا ثقة شعبِهُم، نتيجة الكثير من التجاوزات والانتهاكات والوعود التي أطلقوها ولم يفوا بها؛ لذلك خسِروا أهم عناصر القوة، وأصبح التراجع أو التسوية السياسية نتيجة يصعب عليهُم تجنبها، مهما بلغ حجم الدعم الخارجي أو الإمكانات العسكرية.
ألمانيا: 2 تموز 2026
* صحفي وكاتب كُردي