بين الرمزية الوطنية والتوظيف الديني.. إشكالية جامع بارزاني الكبير

خالد حسو

 

عندما تختار الشعوب أسماء قادتها ورموزها التاريخية لتطلقها على مؤسساتها ومشاريعها، فهي لا تختار مجرد أسماء، بل تختار المعاني والرسائل التي تريد أن تبقى في الذاكرة.

 فالأسماء الكبرى تحمل معها تاريخًا وتجارب ومواقف، ولهذا فإن طريقة تخليدها تصبح بحد ذاتها موضوعًا للنقاش.

وفي المجتمعات المتنوعة دينيًا وثقافيًا، تزداد أهمية هذا النقاش، لأن الرمز الوطني الجامع يجب أن يبقى قادرًا على احتضان جميع أبناء المجتمع بمختلف انتماءاتهم. ومن هنا تأتي قضية بناء “جامع بارزاني الكبير” في أربيل، ليس فقط كمشروع عمراني، بل كسؤال حول معنى الرمز، وحدود استخدامه، ومدى انسجامه مع التاريخ والفكر الذي يمثله.

فمصطفى البارزاني لم يكن في الذاكرة الكوردية مجرد قائد سياسي، بل أصبح رمزًا تاريخيًا مرتبطًا بقضية شعب ونضاله من أجل الحرية والكرامة والحقوق.

 ولذلك فإن وضع اسمه على أي مشروع كبير يفتح باب النقاش حول الرسالة التي يحملها هذا المشروع، وما إذا كانت تنسجم مع الإرث الذي تركه.

هناك من يرى أن إطلاق اسم البارزاني على مشروع ديني هو تكريم له وتخليد لذكراه، لكن هناك أيضًا من يرى أن هذا الاختيار يطرح إشكالية، لأن البارزاني ارتبط في وجدان الكثيرين بمشروع وطني وقومي وديمقراطي جامع، وليس بمشروع ديني أو مذهبي محدد.

فالبارزاني، كما يراه مؤيدوه ومحبيه، كان رمزًا لكوردستان المتعددة، وكان قريبًا من مختلف مكونات المجتمع الكوردي، من المسلمين والإيزيديين والمسيحيين وغيرهم. وكانت فكرة التعايش واحترام المختلف جزءًا أساسيًا من صورته التاريخية.

ومن هذا المنطلق، فإن موقفي من هذه القضية لا يأتي من موقف ضد شخصية البارزاني، بل على العكس تمامًا. فالبارزاني بالنسبة لي يمثل رمزًا كورديًا وطنيًا وتاريخيًا، ورمزًا لقضية شعب ونضاله.

 إن الاعتراض ليس على اسم البارزاني، بل على ربط هذا الاسم بمشروع ديني قد لا يعكس كل أبعاد إرثه.

أنا، بصفتي كورديًا إيزيدياً ديمقراطيًا ، أرى أن البارزاني أكبر من أن يُحصر في إطار ديني أو مذهبي واحد، لأنه يمثل تاريخ الكورد بكل مكوناته.

 إن رمزيته جاءت من مشروعه الوطني، ومن دفاعه عن الإنسان وحقوق شعبه، وليس من كونه رمزًا دينيًا.

وهنا تظهر حساسية الموضوع بالنسبة للكثيرين، لأن الذاكرة الكوردستانية تحمل تجارب مختلفة ومؤلمة عاشتها مكونات عديدة من الشعب الكوردي.

 فالمجتمع الإيزيدي، الذي يعتبر جزءًا أصيلًا من الهوية الكوردية، تعرض عبر التاريخ إلى حملات اضطهاد ومآسٍ شملت القتل الجماعي، والحرق، والتهجير، والسبي، والعنف الجنسي، ومحاولات محو الهوية والثقافة.

كما أن الإبادة التي تعرض لها الإيزيديون على يد تنظيم داعش عام 2014 بقيت جرحًا عميقًا في الذاكرة، وأكدت الحاجة إلى خطاب كوردي ديمقراطي يحمي جميع المكونات دون استثناء.

وتبقى كذلك في الذاكرة الكوردية مأساة الأنفال التي استهدفت مناطق كوردية وخلفت آلاف الضحايا، وهي من التجارب التي جعلت حقوق الإنسان وكرامة المكونات المختلفة جزءًا أساسيًا من أي مشروع سياسي كوردي.

إن الحديث عن هذه المآسي لا يعني رفض حق أي إنسان في ممارسة معتقده، بل يعني التأكيد على أن الرموز الوطنية الجامعة يجب أن تراعي تاريخ جميع أبناء المجتمع، وأن تبقى فوق الانقسامات الدينية والمذهبية.

فالقضية الكوردية، كما يراها كثيرون، لا تتحقق ببناء المساجد أو الصروح الدينية، ولا تتحقق الحقوق بالخطابات الدينية، بل ببناء مجتمع ديمقراطي، ومؤسسات قوية، وتعليم، وتنمية، وعدالة، وضمان حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الجانب الاجتماعي والاقتصادي. فالمبالغ الكبيرة التي ستُصرف على المشروع تفتح نقاشًا مشروعًا: هل الأولوية اليوم لبناء صروح ضخمة، أم لمعالجة احتياجات الناس اليومية من مدارس ومستشفيات وخدمات وفرص عمل؟

إن تخليد العظماء لا يكون فقط بحجم البناء أو ارتفاع القباب، بل بحجم الفكرة التي يحملها ذلك التخليد. فالوفاء للبارزاني يكون بالحفاظ على القيم التي ارتبط بها اسمه: الحرية، والكرامة، والتعايش، واحترام جميع أبناء كوردستان.

قد تكون للجهات الرسمية حساباتها الخاصة، لكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام تخليد حقيقي لإرث البارزاني، أم استخدام لاسم رمز قومي في اتجاه قد لا ينسجم مع جوهر مشروعه؟

إن احترامنا للرموز التاريخية لا يعني أن نصمت أمام ما نراه من قرارات قابلة للنقاش.

فالحب والوفاء لا يكونان بالتصفيق الدائم، بل بالحرص على أن تبقى القيم التي ناضل من أجلها هؤلاء الرموز حاضرة.

نحن نحترم التاريخ، لكننا لا نصفّق للأخطاء، لأن النقد المسؤول هو أيضًا جزء من حماية الذاكرة وصونها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ان تصل متاخرا خير من ان لا تصل يمثل بيان الامانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا الصادر بتاريخ 29 حزيران اعترافا سياسيا واضحا بحقائق سبق أن حذر منها عدد من قيادات وكوادر المجلس منذ سنوات بشأن طبيعة العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسياسات الاستفراد وتعطيل الشراكة والالتفاف على التفاهمات. يومها تعرضنا للتشكيك…

عدنان بدرالدين في الحلقة السابقة، كان الحديث عن كردستان الغربية بعد الوهم: كيف تحولت قوة عسكرية كردية واسعة إلى شريك وظيفي في حرب دولية ضد داعش، من دون أن تتحول إلى ضمانة سياسية مستقرة للقضية الكردية في سوريا. كانت تلك الحلقة محاولة لفهم اللحظة التي انكشف فيها الفرق بين القوة والشرعية، وبين السيطرة والتمثيل، وبين التحالف العسكري والاعتراف السياسي. تأتي…

تابعت الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن الاجتماع الذي عُقد في مقر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بمدينة قامشلو بتاريخ 28 حزيران. وقد أدلت السيدة بروين يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بجملة من التصريحات التي اتسمت بالتناقض، حيث أشارت إلى أن مهمة الوفد الكردي المشترك هي التفاوض مع سلطات دمشق…

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…