العِقال بين الرمز والإنسان.. دعوة إلى التهدئة والحكمة

د . مرشد اليوسف
أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا .
فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ.
غير أن الحكمة تقتضي التمييز بين التصرف الفردي وبين العلاقات العميقة التي تربط بين الكرد والعرب . فالأمم لا تُقاس بأفعال الأفراد، ولا تُختزل في موقف عابر أو انفعال لحظي.
وإذا كان من حق الناس أن يستنكروا أي إساءة إلى ما يعتبرونه رمزًا من رموزهم الثقافية، فمن الواجب أيضًا ألا يتحول ذلك إلى سبب للخصومة بين العرب والكرد أو بين أي مكونين من مكونات المنطقة.
لقد عاش العرب والكرد قرونًا طويلة في مدن وقرى واحدة أو متجاورة ، وتقاسموا الخبز والماء والأفراح والأحزان.
وتعاونوا في بناء دول وحضارات، وخاضوا معًا محطات تاريخية صعبة.
وفي بلاد الشام وبلاد الرافدين والأناضول، لم تكن العلاقة بين العرب والكرد علاقة جيران فحسب، بل علاقة تداخل اجتماعي وثقافي وإنساني عميق.
إن العِقال بالنسبة للكثير من العرب رمز للكرامة والأصالة، كما أن للكرد رموزهم الثقافية والقومية التي يعتزون بها ويحترمونها. واحترام الرموز المتبادلة هو جزء من احترام الإنسان نفسه.
فحين نحترم ما يقدسه الآخر ثقافيًا، فإننا نؤسس لجسور الثقة والتفاهم، لا لجدران القطيعة والعداء.
ومن المهم التذكير بأن الغالبية الساحقة من العرب والكرد لا تنظر إلى بعضها البعض من خلال حادثة فردية أو موقف عابر. فالعلاقات بين الشعوب أكبر من أن تهتز بسبب تصرف شخص واحد، وأعمق من أن تختزل في مشهد انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. فالتاريخ تصنعه الشعوب، أما الاستفزازات العابرة فغالبًا ما تذروها الرياح مع مرور الوقت.
إن المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى لغة العقل والتهدئة. فالتحديات التي تواجه الجميع أكبر من أن تسمح بإهدار الطاقات في نزاعات رمزية أو سجالات انفعالية.
وما يحتاجه العرب والكرد هو تعزيز ثقافة الاحترام المتبادل والاعتراف بالكرامة المتساوية للجميع، والعمل من أجل مستقبل يقوم على الشراكة والتعايش والتعاون.
والعِقال ليس سيفًا للصراع، كما أن الرموز الكردية ليست ميدانًا للمواجهة.
فكل رمز ثقافي يحمل قيمة لأصحابه، وكل شعب له حق الاعتزاز بتراثه وهويته.
وعندما ننظر إلى بعضنا البعض من زاوية الاحترام لا الاستفزاز، يصبح الرمز خيطًا للتفاهم لا سببًا للخصام.
وفي النهاية، تبقى الحكمة القديمة صالحة لكل زمان: لا تحاكموا الشعوب بأخطاء الأفراد، ولا تجعلوا حادثة عابرة تهدم ما بناه التاريخ من روابط وعلاقات. فالعرب والكرد جيرانًا وشركاء في الماضي والحاضر ، وهم قادرون على أن يكونوا شركاء في المستقبل أيضًا متى انتصرت لغة العقل على لغة الغضب، ولغة الحوار على لغة الإهانة.
والسؤال الأهم هو:
لماذا ينبغي أن نحافظ على التعايش؟
ليس فقط لتجنب الفتن، بل لأن التفكك الاجتماعي يقتلنا بيولوجياً.
حين نمزق النسيج، فإننا لا نمزق وطناً فقط، بل نمزق أعمارنا الحقيقية. وكل كراهية نزرعها هي تقصير في عمرنا الوجداني والانساني .
وكل احترام نبادله هو استثمار في “العمر الآخر” الذي نبحث عنه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…