عبدي والشرع: الاندماج حين يصبح بديلًا عن الاعتراف.. الحلقة الثالثة من سلسلة: القضية الكردية بين الأسد والشرع

عدنان بدرالدين

في الحلقة السابقة، كان الحديث عن كردستان الغربية بعد الوهم: كيف تحولت قوة عسكرية كردية واسعة إلى شريك وظيفي في حرب دولية ضد داعش، من دون أن تتحول إلى ضمانة سياسية مستقرة للقضية الكردية في سوريا. كانت تلك الحلقة محاولة لفهم اللحظة التي انكشف فيها الفرق بين القوة والشرعية، وبين السيطرة والتمثيل، وبين التحالف العسكري والاعتراف السياسي.

تأتي هذه الحلقة من تلك النقطة بالضبط. فالاتفاق الذي وُقّع في العاشر من آذار/مارس 2025 بين أحمد الشرع، بوصفه رئيسًا للسلطة السورية الجديدة، ومظلوم عبدي، بوصفه قائد قوات سوريا الديمقراطية، لم يكن مجرد تفاهم عسكري أو إداري عابر. كان لحظة انتقال كاملة: انتقال قسد من موقع الحماية الوظيفية التي منحتها إياها الحرب على داعش، إلى موقع الاندماج داخل مركز سوري جديد لم يقدم، حتى الآن، اعترافًا واضحًا بالقضية الكردية بوصفها قضية قومية ودستورية.

من هنا تأتي خطورة الاتفاق. فهو لا يتعلق فقط بمستقبل قوة عسكرية أو إدارة محلية أو حقول نفط ومعابر ومؤسسات. إنه يتعلق بالسؤال الأعمق: هل سيؤدي دمج قسد والإدارة الذاتية في الدولة السورية إلى حل القضية الكردية، أم إلى إعادة إدخالها في بنية مركزية جديدة تحت اسم الدولة والوحدة والسيادة؟

في الظاهر، يمكن قراءة الاتفاق بوصفه خطوة نحو إنهاء الانقسام السوري. فالدولة الواحدة لا تستطيع، من حيث المبدأ، أن تبقى موزعة بين جيوش متعددة، ومؤسسات متوازية، ومعابر منفصلة، وسلطات محلية لا تخضع لعقد وطني واحد. من هذه الزاوية، يبدو الدمج مطلبًا طبيعيًا في أي عملية انتقالية تريد إعادة بناء الدولة.

لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ الدمج وحده، بل في شروطه. فالدمج قد يكون بداية عقد وطني جديد إذا جاء بعد اعتراف واضح بالحقوق، وبعد تفاوض واسع، وبعد ضمانات دستورية وسياسية وإدارية. وقد يكون، في المقابل، وسيلة لابتلاع الطرف الأضعف إذا جرى تحت ضغط الحاجة، وغموض الضمانات، وغياب تمثيل كردي جامع.

اتفاق الشرع ـ عبدي يقع في هذه المنطقة الرمادية. فهو يتحدث عن حقوق الكرد كمواطنين، وعن وحدة سوريا، وعن دمج المؤسسات العسكرية والمدنية في الدولة. لكنه لا يجيب بوضوح عن الأسئلة التي تشكل جوهر القضية الكردية: هل يعترف الدستور القادم بالكرد كشعب له خصوصية قومية داخل سوريا؟ هل تكون اللغة الكردية محمية رسميًا في مناطقها؟ هل ستكون هناك لامركزية سياسية حقيقية، أم مجرد إدارة محلية محدودة؟ هل سيشارك الكرد في الجيش والأمن والإدارة بوصفهم شركاء، أم بوصفهم أفرادًا ملحقين بمؤسسات يعيد المركز تشكيلها وحده؟

هذه الأسئلة ليست تفاصيل قانونية مؤجلة. إنها جوهر المسألة. فالدولة السورية القديمة كانت تقبل بالكرد كأفراد، لكنها أنكرتهم كجماعة قومية. وإذا جاء الاتفاق الجديد ليعيد إنتاج المنطق نفسه بلغة أكثر نعومة، فسنكون أمام تبدل في الطريق لا في النتيجة: من الإنكار المباشر إلى الاحتواء الهادئ.

ليس من الخطأ أن يعود الكرد إلى الدولة السورية. فهم جزء أصيل من سوريا، جغرافيًا وتاريخيًا وسياسيًا. لكن السؤال هو: إلى أي دولة يعودون؟ هل يعودون إلى دولة تعترف بأنهم شعب له حقوق قومية وثقافية وسياسية، أم إلى دولة تطلب منهم التخلي عن خصوصيتهم مقابل حقوق مواطنة عامة لا تكفي وحدها لمعالجة عقود من الإنكار؟

المواطنة قيمة أساسية، ولا يمكن لأي حل ديمقراطي أن يتجاوزها. لكن المواطنة، في المجتمعات المركبة، لا تلغي الحاجة إلى ضمانات جماعية. فحين تكون الدولة قد بنيت تاريخيًا على إنكار جماعة معينة، لا يكفي أن تقول لها لاحقًا: أنتم مواطنون متساوون. لا بد أن تعترف أيضًا بسبب انعدام الثقة، وبالحقوق التي حُرمت منها تلك الجماعة، وبالحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بينها وبين الدولة.

من هذه الزاوية، يبدو اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 أقرب إلى تسوية مع قوة أمر واقع منه إلى حل تاريخي للقضية الكردية. فقد جلس الشرع مع عبدي لأن قسد تملك السلاح والأرض والمؤسسات والموارد، لا لأنها تمثل وحدها كل الكرد السوريين. وجلس عبدي مع الشرع لأن توازنات الحماية القديمة بدأت تتآكل، لا لأن القضية الكردية دخلت لحظة اعتراف مضمون.

كلا الطرفين كان يحتاج إلى الاتفاق. الشرع كان بحاجة إلى خطوة كبرى تثبت قدرته على استعادة وحدة البلاد، وتمنحه صورة رجل الدولة القادر على جمع الجغرافيا السورية بعد سقوط الأسد. كان يحتاج إلى المناطق الواقعة تحت سلطة قسد بما تحمله من موارد ومعابر ووزن عسكري وسياسي. وكان يحتاج أيضًا إلى إرسال رسالة إلى الداخل والخارج: إن الدولة الجديدة قادرة على احتواء الملفات الكبرى دون حرب شاملة.

أما عبدي، فكان يدخل الاتفاق من موقع أكثر تعقيدًا. قسد لم تعد في ذروة صعودها. الحماية الأمريكية لم تعد تبدو ضمانة مفتوحة. تركيا تضغط باستمرار. الإدارة الذاتية تعاني أزمة شرعية داخلية وخارجية. والقوى الكردية الأخرى لم تكن شريكة فعلية في القرار. في هذا السياق، لم يكن الاتفاق خيارًا حرًا بالكامل، بل كان أقرب إلى محاولة لتقليل الخسائر في لحظة بدأت فيها الخيارات تضيق.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة خيار عبدي وقسد بوصفه مجرد تنازل سياسي أو خطأ تفاوضي معزول. فقد كانت قسد تتحرك في لحظة تضيق فيها الهوامش: ضغط تركي مستمر، تراجع في وضوح الالتزام الأمريكي، أزمة شرعية داخلية، خوف من مواجهة عسكرية واسعة، وتبدل في مركز السلطة داخل دمشق. هذه الضغوط لا تمنح الاتفاق شرعية تمثيلية كاملة، لكنها تفسر لماذا بدا، في نظر قيادته، خيارًا أقل كلفة من الانهيار أو المواجهة المفتوحة.

إلى جانب هذه الضغوط، كان هناك عامل آخر لا يقل أهمية: العامل الأيديولوجي والتنظيمي المرتبط بمنظومة حزب العمال الكردستاني وبخطاب عبد الله أوجلان نفسه. فقد جاء اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بعد أقل من أسبوعين على بيان أوجلان في السابع والعشرين من شباط/فبراير 2025، البيان الذي لم يكتف بالدعوة إلى إلقاء السلاح وحلّ حزب العمال الكردستاني، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن «الدولة القومية المنفصلة» و«الاتحاد» و«الاستقلال الإداري» وحتى «الحلول الثقافية» لا تمثل حلًا للبنية الاجتماعية للمجتمع التاريخي، ودعت إلى الاندماج مع الدولة والمجتمع تحت عنوان «السلام والمجتمع الديمقراطي».

لم يكن هذا التحول حدثًا تركيًا داخليًا فقط، لأن البنية الأوجلانية في سوريا لم تكن منفصلة فكريًا وتنظيميًا عن هذا الفضاء. لذلك يصعب فهم اندفاع قسد والإدارة الذاتية نحو صيغة الاندماج مع دمشق بمعزل عن هذا التحول الأيديولوجي الواسع: من خطاب كردي كان يستند، ولو بشكل ملتبس ومؤجل، إلى قضية شعب أُنكر طويلًا، إلى خطاب يجعل الاندماج في الدول القائمة أفقًا سياسيًا بديلًا عن المطالبة القومية الواضحة. وإذا كان بيان أوجلان قد صيغ في السياق التركي، فإن أثره امتد إلى مناطق النفوذ الأوجلاني الأخرى، وفي مقدمتها سوريا. هنا يصبح اتفاق عبدي ـ الشرع جزءًا من مسار أوسع: تفكيك الوظيفة العسكرية القديمة، والبحث عن بقاء سياسي داخل الدولة، حتى لو تم ذلك بثمن دفع السؤال القومي الكردي إلى مرتبة ثانوية أو “مؤجلة”.

هنا يكمن جوهر المسألة. حين تفاوض قوة عسكرية باسم منطقة أو جماعة كاملة، من دون تفويض سياسي جامع، يصبح الاتفاق قابلًا لأن يتحول من تسوية إلى مصادرة. فمظلوم عبدي يستطيع، بصفته قائدًا عسكريًا، أن يتفاوض حول مستقبل قسد، ومواقعها، وآليات دمجها، وضمانات مقاتليها. لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر مستقبل القضية الكردية كلها، ولا أن يحول حقوق شعب كامل إلى بند ضمن تفاهم أمني أو إداري.

هذه ليست مسألة شخصية. لا تتعلق بمظلوم عبدي وحده، ولا بنواياه، ولا بقدرته التفاوضية. إنها مسألة شرعية تمثيلية. القضية الكردية في سوريا أوسع من قسد، وأقدم من الإدارة الذاتية، وأعمق من لحظة الحرب ضد داعش. وهي تخص الكرد في الجزيرة وكوباني وعفرين ودمشق وحلب واللاذقية، وتخص أحزابًا وقوى وشخصيات ومجتمعًا مدنيًا ونازحين ولاجئين وأجيالًا لا يمكن اختصارها في توقيع قائد عسكري مهما كان موقعه.

كان من المفترض أن يكون أي اتفاق مصيري حول مستقبل الكرد في سوريا نتيجة حوار كردي واسع أولًا، ثم حوار كردي ـ سوري شفاف ثانيًا. كان من المفترض أن تشارك فيه كل القوى السياسية الكردية، والمستقلون، وممثلو المناطق المختلفة، والنساء، والشباب، والمجتمع المدني، لا أن يتحول إلى تفاهم مغلق بين مركز سوري جديد وقوة عسكرية تمتلك الأمر الواقع.

غياب هذا التفويض الواسع هو ما يجعل الاتفاق هشًا أخلاقيًا وسياسيًا. فهو قد ينجح في ترتيب بعض الملفات العسكرية والإدارية، لكنه لا يستطيع وحده أن يؤسس شرعية تاريخية جديدة. الشرعية لا تولد من الحاجة وحدها، ولا من ضغط موازين القوى، ولا من الصورة التي تجمع قائدين بعد توقيع وثيقة. الشرعية تحتاج إلى مجتمع يشارك في القرار، ويعرف ما الذي يُعطى وما الذي يؤخذ، وما الذي يُضمن وما الذي يؤجل.

والأخطر من ذلك أن الاتفاق قد يسمح، إذا لم يُحط بضمانات واضحة، بتحويل فشل التجربة الأوجلانية إلى حجة ضد القضية الكردية نفسها. فقد يقول المركز الجديد: لقد اتفقنا مع من كان يسيطر على المنطقة، وانتهى الأمر. عندها تصبح القضية الكردية ملفًا منتهيًا بمجرد دمج قسد، وتصبح الحقوق القومية والثقافية والسياسية مطالب زائدة بعد «عودة الدولة».

هذا هو الفخ الحقيقي: أن يُقدَّم الاندماج بوصفه اعترافًا، بينما هو في الواقع قد يكون بديلًا عن الاعتراف. أن يُقال للكرد إن مشاركتهم في مؤسسات الدولة تكفي، من دون أن يُعاد تعريف تلك المؤسسات على أساس التعدد. أن تُدمج القوة العسكرية، وتُستعاد الموارد، وتُرفع أعلام الدولة فوق المعابر والمطارات، بينما يبقى السؤال الأساسي معلقًا: ما موقع الكرد في الدولة الجديدة؟

يزداد هذا الفخ خطورة حين يلتقي ضغط المركز السوري مع خطاب أوجلاني جديد يجعل الاندماج في الدولة خيارًا استراتيجيًا لا مجرد اضطرار تكتيكي. ففي هذه الحالة لا يعود التراجع عن مطلب الاعتراف القومي نتيجة ميزان قوى قاسٍ فقط، بل يصبح مبررًا فكريًا باسم «الديمقراطية» و«المجتمع الديمقراطي» و«تجاوز القومية». غير أن المشكلة أن القومية لم تُتجاوز حتى في دول ديمقراطية عريقة؛ بل جرى، في أفضل الحالات، الاعتراف بها وتنظيمها دستوريًا عبر الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية السياسية أو الاستفتاءات. فاسكتلندا لم تتجاوز قوميتها داخل المملكة المتحدة، وكيبيك لم تذب في كندا، وبلجيكا لم تُلغِ الانقسام القومي واللغوي بين الفلمنك والوالون، بل حوّلته إلى بنية فيدرالية معقدة.

من هنا، يصبح الحديث عن «تجاوز القومية» في حالة الكرد أكثر إشكالية. فإذا كان تجاوز القومية لم يتحقق حتى في دول تعترف بالتعدد وتديره دستوريًا، فكيف يمكن طلبه من شعب لم يُعترف به أصلًا داخل دول قامت، بدرجات مختلفة، على إنكار وجوده القومي أو تذويبه أو التعامل معه كمسألة أمنية؟ إن الدعوة إلى تجاوز القومية، في هذه الحالة، لا تبدو أفقًا ديمقراطيًا متقدمًا، بل قد تتحول إلى مطالبة الضحية بالتخلي عن اسم جرحها قبل أن يعترف الجلاد بحدوث الجرح أصلًا.

والأكثر تناقضًا أن دولة مثل تركيا، التي ترفض الاعتراف الدستوري بالكرد كشعب، تدافع في قضايا أخرى عن حقوق قومية وسياسية لكيانات قريبة منها، كما في موقفها من القبارصة الأتراك في قبرص الشمالية. وهذا يكشف أن المشكلة ليست في القومية بذاتها، بل في من يُسمح له أن يمتلك قومية، ومن يُطلب منه أن يتجاوزها. لذلك فإن أي خطاب كردي يدعو إلى تجاوز القومية قبل الاعتراف بها لا يحرر الكرد من القومية، بل قد يحرر الدول التي أنكرتهم من مسؤولية الاعتراف.

الدولة ليست مباني ومطارات ومعابر فقط. الدولة عقد سياسي. وإذا عادت الدولة إلى المناطق الكردية من دون عقد جديد، فإنها لن تكون دولة جديدة، بل مركزًا قديمًا يستعيد الجغرافيا بلغة مختلفة. وقد تكون تلك العودة أقل خشونة من الماضي، لكنها ستبقى ناقصة إذا لم تعترف بأن المشكلة لم تكن في خروج منطقة عن السيطرة فقط، بل في تاريخ طويل من إنكار شعب داخل الدولة.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن الاتفاق جاء في لحظة كان فيها الشرع بحاجة إلى اعتراف داخلي وخارجي بقدر ما كان عبدي بحاجة إلى مخرج سياسي. فالسلطة الجديدة في دمشق، الخارجة من خلفية عسكرية وإسلامية مثيرة للجدل، كانت تحاول تقديم نفسها كسلطة دولة لا كسلطة فصيل. ومن هذه الزاوية، كان الاتفاق مع قسد فرصة ثمينة: فهو يفتح الطريق نظريًا نحو استعادة شرق سوريا، ويظهر الشرع كقائد قادر على التفاوض مع خصومه، ويمنحه ورقة مهمة أمام القوى الدولية.

لكن هذه الحاجة إلى الشرعية لا تعني بالضرورة أن الاتفاق يؤسس لدولة تعددية. فقد تحتاج السلطة إلى الطرف الكردي لتثبيت صورتها، لا للاعتراف العميق بحقوقه. وهنا يجب التمييز بين استخدام الكرد في مشهد الانتقال، وبين إشراكهم في تأسيس الدولة. الأول يمنح صورة وطنية جامعة. الثاني يغير بنية السلطة. وحتى الآن، يبدو أن السؤال الثاني لا يزال مفتوحًا.

كذلك لا يمكن فصل الاتفاق عن الدورين الأمريكي والتركي. الولايات المتحدة، التي استخدمت قسد لسنوات في الحرب على داعش، لم تكن تريد انهيارًا فوضويًا في مناطق قسد، لكنها لم تكن مستعدة أيضًا لخوض مواجهة مفتوحة مع دمشق أو أنقرة من أجل مشروع كردي غير معترف به. أما تركيا، فقد رأت في أي دمج لقسد داخل الدولة السورية، إذا أدى إلى تفكيك استقلاليتها العسكرية والسياسية، خطوة تخدم هدفها الطويل: إنهاء “البنية الأوجلانية”على حدودها ومنع تحولها إلى كيان مستقر.

بهذا المعنى، لم يكن الاتفاق سوريًا ـ كرديًا فقط. كان أيضًا جزءًا من توازن إقليمي ودولي أوسع. واشنطن تريد تقليل الكلفة وحماية ما تبقى من نفوذها. أنقرة تريد إنهاء التهديد الأوجلاني كما تفهمه. دمشق تريد استعادة المركز. وقسد تريد تجنب الانهيار الكامل. أما الشعب الكردي، صاحب القضية الأصلية، فلم يكن واضحًا أنه حضر في الاتفاق بالقدر الذي يستحقه. وربما كان السؤال الأدق: هل حضر فعلًا، أم جرى التفاوض على قضيته من خلال قوة تملك الأمر الواقع أكثر مما تملك التفويض؟

وهنا تتكرر مأساة السياسة الكردية الحديثة: حين تُبحث القضية الكردية بين العواصم والقوى المسلحة أكثر مما تُبحث داخل المجتمع الكردي نفسه. وحين يتحول الشعب إلى موضوع للتفاهم، لا طرفًا في صناعة القرار. وحين تصبح القضية العادلة قابلة للاختزال في أسماء قادة، أو توازنات عسكرية، أو خرائط نفوذ.

لا يعني ذلك أن الاتفاق يجب أن يُرفض لمجرد أنه اتفاق. فالحروب لا تنتهي دون تفاوض، ولا يمكن لأي منطقة أن تعيش إلى الأبد خارج الدولة. كما أن بقاء قسد والإدارة الذاتية في وضع معلق لم يكن حلًا دائمًا. لكن القبول بفكرة التفاوض لا يعني القبول بأي نتيجة. والسؤال ليس هل ينبغي التفاوض مع دمشق، بل: على ماذا؟ وباسم من؟ وبأي ضمانات؟ وضمن أي تصور لسوريا المقبلة؟

لكي لا يتحول الاتفاق إلى مجرد آلية احتواء، لا بد أن يُفتح على مسار سياسي أوسع. وهذا يعني، أولًا، تحويله من تفاهم ثنائي بين دمشق وقسد إلى عملية تفاوضية تضم القوى الكردية الأخرى الناشطة، وممثلي مختلف المناطق الكردية، والمجتمع المدني، والنساء، والشباب، والنازحين. ويعني، ثانيًا، ربط أي دمج عسكري أو إداري بضمانات مكتوبة: اعتراف دستوري بالهوية الكردية، حماية اللغة الكردية في التعليم، صيغة واضحة للامركزية السياسية، تمثيل عادل في الجيش والأمن والمؤسسات، وضمان عودة آمنة للمهجرين من عفرين وسري كانيه وكري سبي. من دون ذلك، سيبقى الدمج إجراءً إداريًا وأمنيًا، لا حلًا سياسيًا.

إذا كان الاتفاق مقدمة لاعتراف دستوري بالكرد، وللامركزية سياسية حقيقية، ولحماية اللغة الكردية، ولتمثيل عادل في مؤسسات الدولة، ولضمان أمن المناطق الكردية وعودة أهل عفرين وسري كانيه وكري سبي إلى بيوتهم، فقد يكون بداية مسار صعب لكنه ضروري. أما إذا كان مجرد طريق لتسليم المؤسسات والموارد والسلاح مقابل وعود عامة عن المواطنة، فسيكون اتفاقًا خطيرًا، لأنه سينقل القضية الكردية من حماية وظيفية هشة إلى احتواء مركزي أكثر استقرارًا.

الفرق بين الحالتين هو الفرق بين الاندماج والابتلاع. الاندماج يعني أن يدخل الطرف الكردي في الدولة بوصفه شريكًا معترفًا به، له حقوق وضمانات وموقع واضح. أما الابتلاع فيعني أن يُطلب منه تسليم ما لديه أولًا، ثم انتظار ما قد يمنحه المركز لاحقًا. والتاريخ لا يشجع الكرد على الثقة بالوعود غير المكتوبة.

لقد عاش الكرد في سوريا عقودًا طويلة تحت وعود عامة ومواطنة ناقصة. قيل لهم إنهم جزء من الشعب، لكن لغتهم مُنعت. وقيل لهم إنهم مواطنون، لكن مئات الآلاف منهم حُرموا من الجنسية. وقيل لهم إن الوحدة الوطنية فوق الجميع، لكن هذه الوحدة استخدمت لتبرير إنكارهم. لذلك فإن أي اتفاق جديد لا يعالج هذه القضايا لن يكون كافيًا مهما بدا واقعيًا أو ضروريًا.

لهذا يجب أن يكون واضحًا: المطلوب ليس حماية سلطة الأمر الواقع كما هي. ولا المطلوب تثبيت قسد بوصفها دولة داخل الدولة. ولا المطلوب الدفاع عن أخطاء الإدارة الذاتية أو تجاهل طابعها الحزبي المغلق. المطلوب هو ألا يتحول نقد هذه التجربة إلى غطاء لدفن القضية الكردية نفسها.

فشل الإدارة الذاتية في بناء شرعية جامعة لا يعني أن الدولة المركزية تملك حق العودة بلا شروط. وأزمة التمثيل الكردي لا تعني أن المركز السوري أصبح ممثلًا طبيعيًا للكرد. وانتهاء الوظيفة العسكرية لقسد لا يعني انتهاء الحاجة إلى حل قومي ودستوري للقضية الكردية. هذه الفواصل ضرورية حتى لا يتحول الاتفاق إلى عملية تصفية ناعمة.

من هنا، يبدو اتفاق الشرع ـ عبدي كمرآة للمرحلة كلها. فهو يكشف ضعف المشروع الأوجلاني، لكنه يكشف أيضًا حدود رؤية المركز السوري. يكشف تراجع الحماية الأمريكية، لكنه يكشف أيضًا هشاشة البدائل الكردية. يكشف حاجة دمشق إلى مناطق كردستان الغربية، لكنه يكشف أيضًا حاجة الكرد إلى تمثيل أوسع من قسد. إنه اتفاق بين طرفين مضطرين، لا عقدًا وطنيًا كاملًا بين دولة ومكوّن.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالتوقيع نفسه، بل بما بعده. هل ستُفتح عملية سياسية أوسع تشمل كل القوى الكردية والمكونات المحلية؟ هل ستوضع ضمانات دستورية واضحة؟ هل سيُعترف باللغة الكردية وخصوصية المناطق الكردية؟ هل ستُدمج القوات ضمن ترتيبات تحفظ الأمن المحلي والتمثيل العادل، أم سيجري تفكيكها فقط؟ هل ستعود الدولة بوصفها عقدًا أم بوصفها سلطة؟

من دون إجابات واضحة، سيبقى الاتفاق أقرب إلى لحظة احتواء منه إلى لحظة اعتراف. وقد يقال لاحقًا إن الكرد حصلوا على حقوقهم لأنهم دخلوا الدولة، بينما الحقيقة أن الدخول في الدولة لا يعني شيئًا إذا بقيت الدولة نفسها بلا تعريف جديد. فالمسألة ليست أن يكون الكرد داخل سوريا، فهم لم يكونوا خارجها يومًا. المسألة أن تكون سوريا نفسها قادرة على الاعتراف بهم كما هم.

في النهاية، لا يمكن بناء سوريا جديدة عبر تسويات فوقية وحدها. ولا يمكن حل القضية الكردية عبر توقيع ثنائي بين سلطة مركزية وقوة عسكرية. قد يكون الاتفاق ضرورة سياسية في لحظة صعبة، لكنه لا يصبح حلًا إلا إذا تحول إلى مسار أوسع: مسار اعتراف، وضمانات، وتمثيل، ومشاركة في إعادة تعريف الدولة.

أما إذا بقي الاندماج بديلًا عن الاعتراف، فإن ما سيحدث لن يكون حلًا للقضية الكردية، بل نقلًا لها من شكل قديم من الهشاشة إلى شكل جديد من الاحتواء. وستكون سوريا، مرة أخرى، أمام فرصة ضائعة: فرصة تحويل سقوط الأسد إلى بداية دولة متعددة، لا مجرد عودة مركز جديد إلى جغرافيا قديمة.

لذلك لن يكون السؤال التالي سؤالًا نظريًا مجردًا. فإذا كان الاتفاق قد كشف أن قسد تملك القوة لكنها لا تملك وحدها التفويض، وأن دمشق تملك المركز لكنها لا تملك وحدها الشرعية، فإن البحث عن تمثيل كردي أوسع يصبح شرطًا لأي حل لا يريد أن يتحول إلى صفقة بين سلطتين فوق المجتمع.

وهذا ما يفتح باب الحلقة الرابعة: من يتكلم باسم الكرد؟ فإذا كان اتفاق الشرع ـ عبدي قد كشف حدود الدولة الجديدة وحدود قسد في آن واحد، فإن السؤال التالي يصبح أكثر إلحاحًا: من يملك حق التفاوض باسم الشعب الكردي في سوريا؟ ومن يستطيع تحويل القضية من ملف عسكري وإداري إلى مشروع سياسي ديمقراطي جامع؟

30 حزيران/يونيو 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ان تصل متاخرا خير من ان لا تصل يمثل بيان الامانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا الصادر بتاريخ 29 حزيران اعترافا سياسيا واضحا بحقائق سبق أن حذر منها عدد من قيادات وكوادر المجلس منذ سنوات بشأن طبيعة العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسياسات الاستفراد وتعطيل الشراكة والالتفاف على التفاهمات. يومها تعرضنا للتشكيك…

تابعت الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن الاجتماع الذي عُقد في مقر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بمدينة قامشلو بتاريخ 28 حزيران. وقد أدلت السيدة بروين يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بجملة من التصريحات التي اتسمت بالتناقض، حيث أشارت إلى أن مهمة الوفد الكردي المشترك هي التفاوض مع سلطات دمشق…

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…

فراس حج محمد| فلسطين في واحد من المراسلات بيني وبين الدكتور أحمد نسيم البرقاوي على إثر مقال نقديّ أعجب به، يرسل لي هذه الرسالة: “صديقي فراس العزيز: قرأت بمتعة كبيرة مقالتك الرائعة جداً، ونقدك العميق، وعندي بأن مصطلحك: التفخيم النقدي مصطلح يجب أن يدخل التداول في النقد، لأن التفخيم النقدي ليس سوى نوع من الكتابة هدفها التبرج بمنقود ذي شهرة،…