إبراهيم اليوسف
بعيد، انتفاضة آذار المباركة 2004 طرح سؤال جوهري، فحواه: هل ما يدور مجرد حدث؟ أم انتفاضة؟ أم هبة؟ أم ثورة؟ كانت لجميع من واجهوا النظام- كتابياً- وقد يسخر أحدهم- من المرتكين- قائلاً: أية مواجهة هي الكتابة؟ وهذا من حقه، ولكن لعلمه لقد كانت الكتابة أحد عناصر أو دوافع صناعة أي موقف ميداني، تضيء الواقع، وتدعو للمواجهة، وتحضر في صناعتها، وتظل مستمرة حتى بعد انتهاء المواجهة، وليس أدل على ذلك من أن انتفاضة آذار التي تمت في يومي 12- 13 آذار 2004- فإن مواجهة الشباب المنتفض، الثائر، تمت فعلياً، بيد أن كتابات بعض كتابنا وأصحاب الموقف هي التي استمرت، من دون أن نتجاهل أدوار من ظلوا يعملون- ميدانياً- في الحوارات الوطنية، أو المواجهات، أو الحيز الدبلوماسي، إن وجد، وكان السند الأكبر في ذلك: الإعلام وحراك الشباب في أوربا والعالم.
أتذكر أن الشهيد د. محمد معشوق الخزنوي قال في هذا الصدد: إن العصفور رغم ضعفه إذا ابتل جناحاه انتفض!
نوستالجيا واعتذار
هذا ما تذكرته ليلة دعوة قرية خريجكة إلى مظاهرة على الطريق الدولي، بالاشتراك مع القرى المجاورة، بعد الدعوة الشجاعة لأهالي قرية- كرصوار- ووقفة أهالي هذه القرية والقرى المجاورة إلى جانبهم، لمنع تنفيذ مخطط- الخانات- المريب، ألا وهو سلب ملاكي قرية- كرصوار- بعض أملاكهم وبناء مدينة- خانات- علوة- مسالخ أغنام وأبقار- محال قصابين إلخ، وليس لنا في هذه القرية غير الجامع المسمى باسم جدي، إذ قرأت في صفحة هذه القرية- دعوة إلى أهالي منطقة- سنجق- للمشاركة، في وقفة احتجاجية على غلاء أسعار المحروقات والغلاء وانعدام الكهرباء وغير ذلك، على الطريق الدولي في قرية خزنة!
لا أخفي أن هذه الدعوة دغدغت مشاعري لدواع عديدة، أولها أنني مع أي احتجاج- تظاهرة- اعتصام، شريطة أن يكون سلمياً، من قبل المواطن المظلوم في مواجهة آلة فساد أو استبداد، أية كانت هويتها، ثانيها أن كلاً من: أبي- جدي- أجدادي ينحدرون من هذه المنطقة في دورة الانتقال الكردي بين الجبل والسهل، وإن كانت أراضي قريتنا- جمرلو- مشطورة إلى قسمين، قسم منها يقع ضمن ما يسمى- فوق الخط/تركيا في حوزة آخرين، والآخر ضمن ما يسمى- تحت الخط/ سوريا، وقد آلت ملكيتها لآل حاجو الكرام، وشملت بما سمي بالحزام العربي الذي تصادف اليوم ذكراه، أي بين خريطتي: تركيا وسوريا المستجدتين، الطارئتين، بل إن ضريح جدي الشيخ حسين شيخ سعيد محاصر، أسير، في أرضه المصادرة*، في منطقة- الألغام- بين الحدود اللاحقة، المصطنعة، بيد أن ضريح نجله- شيخ يوسف- في أعلى قرية محمد ذياب، ناهيك عن قبر جدي- أمي- عمومتي- عماتي- طفلي البكر- حسن- في قرية” خزنة” ناهيك عن ذكرياتي في خريجكة- كرصوار- تل معروف التي سماها جدي الشيخ إبراهيم واستحصل عليها، لآل الخزنوي، وفيها ضريح أبي إلخ.
مع الاحتجاج
مع الانتفاضة:
هل استطردت؟ أجل، أعترف بذلك، لابد أنها النوستالجيا إلى الوطن. الأهل، بعد أن اضطررنا لمغادرة الوطن مكرهين، بسبب طغيان نظام البعث /الأسد، وما تركه خلفه من شرور، تفاقمت، بعد سقوط الأسد، وبلغت أوجها، بما يحدرها إلى الحضيض غير الإنساني، الحضيض الذي جعل الوطن- سجناً- والمواطن فريسة لامتصاص دمه، ولهذا فإن من شأن ذكر مفردات هذه الحديقة من الأسماء، أن يوقظ في الروح براكين الحنين، ويجعلني أتحمس، و أنصف مثل هذه الدعوة الشجاعة، لاسيما أن دعوة أصغر خلية اجتماعية في هيكل خريطة الجزيرة. الوطن. سوريا، يفتح نافذة التفاؤل، بأن ما فرضه نظام البعث، ومن ثم بعض الفاسدين من الوكلاء الذين استورثهم باسمنا، لا يمكن لهم أن يسكتوا على الضيم والذل، وأن رسالة المحتجين واضحة القراءة من لدن كل طاغية، أينما كان موقعه، لطالما أنه مدع، لا علاقة له بأية قضية خارج: أناه المتورمة، الذاتية والأيديولوجية/ الحزبوية، وما المواطن إلا مجرد مشروع ذريعة. وسيلة لمواصلة الإتجار بالدم وممارسة السطو، باسمه، وأن ثورة السوريين، على امتداد عقد ونصف العقد من الزمن، لم تحقق ما انطلق من أجله الثوار الحقيقيون- ولا أعني كل من يدعي ويزعم، اليوم، أنه ثائر- لمجرد أنه صاحب صفحة فيس بوك، أو منصة تواصل، أو بندقية مأجورة، أو له اسم في سجل القبض من أموال تركيا- الخليج- أو في سجل النهب باسم الثورة، لأن الثائر هو غير ملوث اليد بالمال السياسي، والدم الآدمي، وما كل مدع- أية كانت هويته التابعة لهذا الأمير الحربي أو ذاك، اعتدى على أي سوري ظلماً، إلا وهو مقيد ضمن هذا السجل الأسود، أياً كان موقعه، وإن كان هناك من يحاول أن يجعل حتى من فلول داعش والتنظيمات الراديكالية وبطاناتهم أبرياء، عبر محاولة امتطاء مركبة السلطة الجديدة التي تدرك كنه ماهياتهم، وزئبقيتهم، وترجرجهم، وزكزاكياتهم المتذاكية، الغبية، حتى وإن ضمت أبعاضهم، بعيداً عن تقويمي-هنا- لها، في المقابل!
وإذا، كنت-هنا- أتحدث عن في الشأن السياسي الذي يتحاشى من دعوا إليها- وهم معروفون- عن تسيسها، لأنها احتجاجات الكرامة- المطلب اليومي، حتى وإن تتم محاولات محو ملامح رؤيتهم، من قبل دخلاء لهم باع طويل في نصرة هذا الظالم أو ذاك، إلا أن المطالبة بالرغيف- الماء- الكهرباء- الهواء النظيف من مفردات الكرامة التي استلبت حتى هذه اللحظة في كل بقاع سوريا، وما تصفيق المهرجين، وظهور بعض منظري الانتهازية إلا محاولة لتأجيل توجيه بوصلة التاريخ في اتجاهها الصحيح، وفق دورة الزمن الأكيدة التي تشكل روح وضابط أمان مستقبل أية ثورة. إن كرامة إنساننا هدرت في ظل نظام البعث/ الأسد، إلا أنها تهدر اليوم، بشكل ناعم، تصاعدي، متفاقم، بما يبزّ ما تم، ولا فصيل طغيان إلا وهو شريك في هذه الجريمة المفتوحة، ويجب أن يقدموا جميعاً لمحاكم العدالة الانتقالية- الضميرية- التي يجب أن تشكل من قبل الأحرار السوريين، وليس على نحو فوقي، مؤدلج، ليُثأر باسمها من قاتل ما، ويكافأ باسمها آخر أشد إجراماً….
ما أريد أن أخلص إليه، أن روح الثورة الجديدة تظهر، وقد تهمش لتنتهي، وتذوب، وقد تخترق كما اخترقت ثورة 2011، ببعض مدعي اليوم، وليس من أمير حرب- بمعزل- عن معرفة الثوار الحقيقيين بحقيقته، مهما تسلح بهذه البندقية، أو تلك، لذلك فإن هؤلاء القتلة من شأنهم أن يؤلبوا المكونات على بعضها بعضاً، من أجل تمرير مخططاتهم، بالإضافة إلى أمر جد خطير ألا وهو أن هذا- الحراك الثوري المستجد- عليه أن يستفيد من دروس وخبرات المرحلة السابقة، لاسيما أن بينه الكثيرمن المناضلين الحقيقيين الذين يتذكرون كيف سرقت منهم الثورة، وبات الدعي ثائراً، والثائر دخيلاً: سواء أكانوا كرداً، أم سوريين ليسوا من الببغاوات المصفقين لأية سلطة أمر واقع، وهذا ما يفرض اعتراف كل طرف بحق الآخر، بعيداً عن أي استقواء بالعابر.