مفارقة الضعف الإيراني والضغط على أربيل..! كيف تُعيد واشنطن وأنقرة رسمَ خريطة العراق؟

عبد الرحمن كلو
قراءةٌ تحليلية في مفارقةٍ استراتيجية: لماذا يشتدّ الضغطُ على إقليم كوردستان في ذروة ضعف خصومه؟
تَفترض القراءاتُ السياسية التقليدية أن تراجعَ قوّة المحور الإيراني — لا سيّما بعد الحرب الأخيرة، والضغطِ المتصاعد على أذرعه في العراق ولبنان واليمن، وتجفيفِ السيولة المالية لميليشياته — يُفضي تلقائيًّا إلى صعود حلفاء الغرب في المنطقة. ووفقًا لهذه المعادلة، كان المتوقَّع أن يشهد إقليمُ كوردستان العراق، بوصفه حليفًا موثوقًا للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عصرًا ذهبيًّا من النفوذ السياسي في بغداد. غير أن اللوحة الراهنة تُفرز مفارقةً معقّدة: ففي ذروة الضعف الإيراني وتراجعِ حلفاء طهران، تواجه أربيلُ ضغوطًا غير مسبوقة لتحجيم صلاحياتها المالية والسياسية، ولتطويقِ بيشمركتها تمهيدًا لدمجها تحت إمرة القائد العام للقوات المسلّحة في بغداد. ولا تنكشف خيوطُ هذه المفارقة إلا بتجاوز التفسيرات المحلّية، وقراءةِ التقاطعات الاستراتيجية بين واشنطن وأنقرة وتل أبيب في إدارة مسرح «ما بعد إيران».
البراغماتية الأمريكية واللعب على حبال بغداد
تاريخيًّا، ينتمي الحزبُ الديمقراطي الكوردستاني إلى معسكر الحلفاء الطبيعيين للغرب. وفي أوج قوّة الفصائل الموالية لإيران، كانت أربيلُ قادرةً على فرض توازناتها وانتزاعِ مكاسبها في بغداد. غير أن الولايات المتحدة، وتحديدًا في ظلّ المقاربة «الترامبية» الصفقاتية، تُدير الملفَّ العراقي ببراغماتية شديدة؛ فهي لا تقطع خيوطَها بالمطلق مع قوى «محور المقاومة» في بغداد، بل تُفضّل العملَ معها في مساراتٍ مجزّأة منفصلةٍ نسبيًّا، تجنّبًا لانزلاق العراق نحو الفوضى الشاملة كما حدث عام 2003.
وتُدرك الولاياتُ المتحدة أن ضعف طهران سيخلق فراغًا هائلًا؛ ولمنع تحوّل العراق إلى دولةٍ فاشلة، تتبنّى استراتيجية «تقوية بغداد» ولو على حساب أربيل. فمحاولةُ إخضاع البيشمركة ودمجِها في المنظومة الدفاعية العراقية ليست استجابةً لضغوطٍ تركية فحسب، بل ربما كانت جزءًا من رؤيةٍ أمريكية قديمة لإنهاء حالة «الجيوش الموازية» وتوحيدِ القرار العسكري — حتى وإن جاء ذلك على حساب استقلالية إقليم كوردستان — ضمانًا لرجحان كفّة بغداد في مرحلة الانهيارات الإقليمية. ويُسند هذا التفسيرَ معطًى حاسم: أن الجدول الزمني لهذا المشروع — بما فيه نقلُ تبعية رواتب البيشمركة إلى بغداد — سابقٌ على حرب إيران الأخيرة، مُتّفقٌ عليه منذ عام 2022[1]؛ فما يبدو ضغطًا مفاجئًا إنما هو تنفيذٌ متسارع لمسارٍ مؤسّسي يعود إلى سنوات.
فخّ الاندماج: حين يُساوى السلاح الهوياتي بالسلاح الوظيفي
غير أن منطق «تقوية الحكومة الاتحادية» يقوم على افتراضٍ خطير: أن كلّ سلاحٍ خارج إطار الدولة قابلٌ للدمج متى توفّرت الحوافزُ والضغوط. وهذا الافتراضُ ينهار أمام طبيعة البيشمركة، لأنه يُغفل فرقًا بنيويًّا بين نوعين من السلاح. فثمّة سلاحٌ وظيفي — كالميليشيات التي نشأت أداةً لمشروع نفوذٍ خارجي — يُمكن دمجُه أو إعادةُ توظيفه بصفقةٍ أو حافزٍ مالي، لأنه بلا جذرٍ هوياتي؛ فكلُّ ما يحمله أنه أدّى مهامَّ وظيفية في مرحلةٍ بعينها. وثمّة سلاحٌ هوياتي — والبيشمركة نموذجُه الأنقى — ليس أداةً حادثة، بل تجسيدٌ لذاكرةٍ وطنية ورمزٌ للتضحية الكوردستانية عبر قرن؛ واسمُه ذاته («الذين يُواجهون الموت») يحمل حمولةً وجدانية لا تُختزل في ترتيبٍ عسكري ولا في صفقةٍ سياسية.
ومن هذا الفرق تنبع المفارقةُ: أن البيشمركة غيرُ قابلةٍ للتفاوض عليها بالمطلق — حتى لو أرادت القيادةُ الكوردستانية ذلك — لأن رمزيتها أعمقُ من قرار أيّ قيادة. وهنا يكمن الخطرُ غيرُ المحسوب في الرهان الأمريكي: فالإصرارُ على معاملة السلاح الهوياتي بمنطق السلاح الوظيفي قد يُفجّر ما جاء المشروعُ لاحتوائه، فيُنتج الفوضى بدل أن يَدرأها. إنه خطأُ تكافؤٍ يُسوّي بين آحادٍ غير متكافئة، فيُفضي إلى نتيجةٍ عكسية. يُضاف إلى ذلك أن المسائل ذات البُعد التاريخي العميق لا تُحسَم بمنطق «الصفقة» الآنية: فالصفقةُ تصلح لتسويةٍ عابرة بين مصالحَ متغيّرة، لا لمعالجة ما هو راسخٌ في الهوية والذاكرة أو تغييرِه.
«الإطار التنسيقي» واستخدام الدولة كسلاح
في هذا المناخ المتأزّم، التقط الإطارُ التنسيقي (المظلّة السياسية للفصائل الشيعية) بذكاءٍ الرغبةَ الأمريكية والتركية المتقاطعة في «تقوية الحكومة الاتحادية»، فبدأ بتكييف استراتيجيته بما يتلاءم مع ضعف حليفه الإيراني. وبدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تستفزّ واشنطن، لجأ الإطارُ إلى الاحتماء بعباءة «الدولة العراقية»، موظّفًا مؤسّساتها الاتحادية — وعلى رأسها المحكمة الاتحادية العليا وملفُّ الموازنات — أدواتٍ «قانونية ودستورية» لتنفيذ أجندة التحجيم بحقّ أربيل. وهذا التوظيفُ الناعم لمؤسّسات الدولة يتيح لخصوم الإقليم خنقَه ماليًّا وسياسيًّا، بضوءٍ أخضر أمريكي يبحث عن حكومةٍ اتحادية قويّة ومستقرّة.
وهنا تبرز مفارقةٌ كاشفة: فبينما يُطلب من الإقليم أن يُذيب خصوصيتَه العسكرية في كنف بغداد، تَجد القوى الموالية لإيران — بعد ضعف راعيها — في «الدولة العراقية» ملاذًا تحتمي به لتبقى على قيد الحياة دون محاسبةٍ عمّا اقترفته. فالميليشياتُ التي استهدفت الإقليمَ بمئات الهجمات، وقتلت مدنيين وعناصرَ من البيشمركة، بل حاولت اغتيالَ رئيس وزراء عراقي سابق[2]، يُعاد تدويرُها داخل مؤسّسات الدولة بصبغةٍ شرعية. وهكذا ينقلب منطقُ «تحييد السلاح» إلى نقيضه: فلا السلاحُ الوظيفي يُنزَع — ليبقى قنبلةً موقوتة تتحيّن الظرفَ الملائم — بل يُرقّى إلى شرعيةٍ مؤسّسية على حساب السلاح الهوياتي.
الصدام بين الطموح الإسرائيلي والهاجس التركي
تتّضح معالمُ الضغط الخارجي على أربيل أكثرَ عند تحليل التباين الحادّ بين الأهداف الإسرائيلية والمخاوف التركية. فتندفع إسرائيلُ نحو تغيير النظام الإيراني من جذوره، بينما تقف تركيا متوجّسةً من «انهيار الدولة الإيرانية» ككيانٍ يحفظ توازنَ المعادلة الإقليمية. فأنقرةُ تُدرك أن تهاوي السلطة المركزية في طهران سيفتح «صندوق باندورا»[3] للتفكّك القومي، لتغدوَ الجغرافيا الإيرانية بؤرةَ تشظٍّ تبدأ من بلوشستان وتصل إلى كوردستان إيران.
وخطورةُ ملفّ بلوشستان (المطلّ على البحر)، ومحاولاتُ تركيا إدخالَ باكستان على خطّ التسويات، تعكسان ذعرًا حقيقيًّا من «تأثير الدومينو». فإذا انفلتت بلوشستان من السيطرة، لحقت بها الأقاليمُ الأخرى، ووصلت شظايا الزلزال إلى تركيا على نحوٍ أسرعَ — في الحسابات التركية — إن كان إقليمُ كوردستان العراق قويًّا وذا نفوذ. ومن هنا يأتي الضغطُ التركي لتحجيم أربيل، بوصفه «بوليصةَ تأمين» استباقية لمنع نشوء كيانٍ كوردي متماسك يُغذّي طموحات كورد إيران.
حزب العمال الكوردستاني: «الميليشيا الوظيفية» وفخّ الاندماج
في هذا السياق، يقع كثيرٌ من المحلّلين في خطأٍ نمطي، إذ يَعدّون تنظيمَ حزب العمال الكوردستاني (PKK) ورقةَ ضغطٍ يمكن لأربيل أو غيرها استخدامُها ضدّ تركيا. والحقيقةُ الجيوسياسية الأعمق أن هذا التنظيم ليس سوى «أداةٍ وظيفية» تخدم الاستراتيجيةَ التركية. فأنقرةُ ما خشيت يومًا حزبَ العمال بالقدر الذي تخشى به الحركاتِ القومية الكوردية الكلاسيكية ذاتَ الجذور التاريخية.
وليس توقيتُ مسار أوجلان–بهجلي وحساباتُه وليدَ فراغ، بل ارتبطا عضويًّا بإدارة تركيا لمخاطر المرحلة[4]. فحساباتُ هذا المسار تتكيّف بالضرورة مع مآلات الحرب على إيران: إذ تُدرك أنقرةُ أن أيّ تفكّكٍ في الجوار الإيراني يفرض عليها تحييدَ جبهتها الكوردية الداخلية استباقًا، فبات ضبطُ الملفّ الكوردي شرطًا لإدارتها مرحلةَ «ما بعد إيران».
وثمّة من يقرأ في إبقاء هذا التنظيم فاعلًا احتمالَ إعادة استنساخ التجربة السورية في إيران: فتركيا تُبقي خيارَ توظيفه مفتوحًا، لكنها في الوقت ذاته تخشى أن يُفلت من يدها إلى يدٍ أمريكية–إسرائيلية تسعى — وفق تقارير متداولة — إلى توظيف كورد إيران في زعزعة الداخل الإيراني[5]. وفي الحالين، يبقى مشروعُ «الأمة الديمقراطية» — أو ما يُسمّى «الاندماج الديمقراطي» — أداةً تُفرّغ القضية الكوردية من محتواها الجغرافي والسياسي: إذ تُدفع PKK وجناحُه الإيراني (بيجاك/PJAK) إلى تصدّر الحراك الكوردي الإيراني، فتتحوّل القضية من مشروع دولةٍ وأرضٍ إلى شعارٍ هوياتي بلا جغرافيا. وهو ما يخدم منعَ قيام أيّ نموذجٍ لكيانٍ كوردي إيراني متماسك يتّصل بإقليم كوردستان.
خاصرة السليمانية الرخوة واستثمار الانقسام الداخلي
لتكتمل حلقةُ التطويق، يُستثمَر الانقسامُ الكوردي الداخلي بأقصى درجاته. فتلعب بغداد، بدفعٍ إيراني–تركي متقاطع، على وتر التناقضات بين أربيل والسليمانية، مستخدمةً ورقةَ الاتحاد الوطني الكوردستاني لإنهاء تفرّد الحزب الديمقراطي بالثقل الأكبر في القرار الكوردي. وتركيا، من جهتها، تُصعّد الضغطَ الخشن على السليمانية بحجّة احتضانها عناصرَ من حزب العمال، مُنشئةً بيئةً من الابتزاز الأمني والسياسي.
ويُخطئ من يتعامل مع الاتحاد الوطني اليوم بوصفه امتدادًا بسيطًا لاتحاد الأمس. فاتحادُ جلال طالباني، على خلافه التاريخي مع الديمقراطي، كان خلافًا داخل المجال الوطني الكوردستاني — تنافسًا على النفوذ والإدارة بين قيادتين تحملان إرثًا نضاليًّا مشتركًا، لا خلافًا على ثوابت الأرض والانتماء. أما القيادةُ الحالية فتُجسّد إشكاليةً أعمق: انتقالَ الشرعية من النضال إلى الوراثة. فرئيسُ الاتحاد الحالي، الذي نشأ في الخارج ولم يَشغل منصبًا حزبيًّا متدرّجًا حتى عام 2020، استمدّ موقعَه من صلة الدم بالمؤسّس لا من مراكمةٍ نضالية — على عكس قياداتٍ تاريخية في الاتحاد نفسه تدرّجت في العمل الحزبي بالداخل والخارج، وحملت وزرَ المراحل الصعبة.
وهنا ينتقل الخلافُ من خانة التنافس على الامتياز إلى خانةٍ تمسّ هويةَ الوطن وأرضَه. وما واقعةُ كركوك (تشرين الأول 2017) إلا الدليلُ الأنصع: إذ انسحبت قواتٌ محسوبة على قيادة الاتحاد من المدينة — قلبِ كوردستان المتنازَع عليه — فسقطت كركوك وحقولُها النفطية بيد القوات الاتحادية والحشد دون قتالٍ يُذكر. واللافتُ أن قيادة الاتحاد لا تُنكر الانسحاب، بل تُقرّ به وتصفه — على لسان أبرز قادتها في حوارٍ متلفز — بأنه «انسحابٌ تكتيكي واستراتيجي»، بل تُثني عليه. وتُحيل في دفاعها إلى وثيقةٍ وقّعها ثمانيةٌ وثلاثون قياديًّا في المجلس القيادي للاتحاد، تقول إنها كانت لترتيبٍ بديل يحفظ المدينة[6]. لكنّ هذا الإقرارَ ذاته يكشف جوهرَ المسألة: أن قرارًا بهذا الحجم — التخلّي عن كركوك — حُسم بمنطق المفاوضة مع بغداد ووساطةِ قاسم سليماني، لا بالدفاع عن المدينة حتى النهاية.
ثم تكرّر النمطُ في آب 2024 باتفاق فندق الرشيد، حين نُقلت إدارةُ محافظة كركوك إلى مكوّناتٍ غير كوردية، ضمن صفقةٍ بين قيادة الاتحاد وقوًى في الإطار التنسيقي مقابل مناصبَ موزّعة[7]. وهكذا لم يَعُد الأمرُ خلافًا على حصصٍ ونفوذ داخل البيت الوطني، بل سلوكًا يَستدعي الخارجَ — طهرانَ وبغدادَ — ضدّ الشريك الكوردي، ويُقايض الأرضَ والهويةَ بمكاسبَ آنية. وهذا الاستنزافُ الداخلي يصبّ مباشرةً في خدمة الهدف الاستراتيجي الأكبر: تمزيقِ الجبهة الكوردية، وإسقاطِ استقلالية الإقليم وإضعافِه من الداخل. والفرقُ هنا جوهريٌّ لا تفصيلي: بين خلافٍ على الامتياز يبقى داخل المجال الوطني، وخلافٍ يُفرّط في ثوابت ذلك المجال نفسه — في أرضه، وفي هويته، وفي قراره المستقلّ.
الورقةُ المقلوبة: الإقليم بوصفه «غرفةَ العمليات» لا الطرفَ المُستجدي
غير أن قراءةً مدقّقة تكشف أن الإقليم ليس مجرّد طرفٍ مضغوطٍ عليه يلتمس أوراقَ النجاة، بل يملك ورقةً بنيوية كثيرًا ما تُغفَل: أنه — في الجغرافيا البشرية والسياسية — الساحةُ الأنسب والأيسر لعمل واشنطن في مواجهة إيران. فالإقليم، مجازًا، أقربُ إلى «غرفة عمليات» التواجد الأمريكي منه إلى قاعدةٍ عابرة؛ بل إن قاعدة حرير قرب أربيل غدت أكثرَ استخدامًا وموثوقيةً — في المهامّ المتّصلة بإيران — من قاعدة إنجرليك التركية ذائعة الصيت[8].
والفرقُ بين القاعدتين بنيويٌّ لا كمّي. فإنجرليك، على أهمّيتها، تظلّ خاضعةً للسيادة التركية التي تحتفظ بحقّ تعطيل استخدامها ساعةَ الحاجة؛ وقد تجلّى ذلك في الحرب الأخيرة على إيران، حين سارعت أنقرةُ إلى تأكيد أن مجالها الجوي وأصولَها لن تُستخدم لمهاجمة طهران — فحُيّدت القاعدةُ بقرارٍ سيادي في اللحظة الفاصلة. أما حرير، فظلّت منصّةً عملياتية فاعلة، تستمرّ أنشطتُها — بشهادة المصادر — حتى أواخر 2026، في الوقت الذي تنسحب فيه القواتُ الأمريكية من معظم العراق؛ أي أن واشنطن تُخلي العراقَ كلَّه تقريبًا إلا كوردستان.
ولهذه المفارقة جذرٌ تاريخي يقلب صورةَ «الطرف المُستجدي» رأسًا على عقب: فالإقليم هو من بادر، بُعيد عام 2003، إلى عرض استضافة وجودٍ أمريكي طويل الأمد في حرير، فرُفض العرضُ آنذاك، ثم عادت واشنطن إليه محتاجةً حين تبدّلت الحسابات. فالإقليم كان سبّاقًا إلى الشراكة، والغربُ أدرك قيمتها متأخّرًا — وهذا يُفنّد روايةَ الحليف الضعيف الذي يَلهث خلف الحماية.
على أن هذه الورقة ذاتُ حدّين، وهو ما يُعمّق دلالتَها لا يُضعفها. فكونُ الإقليم منصّةً للعمل الأمريكي يجعله — في الآن نفسه — هدفًا للميليشيات الموالية لإيران، التي قصفت قاعدة حرير وأربيل مرارًا بمسيّراتٍ إيرانية الصنع. أي أن الإقليم يدفع ثمنًا دمويًّا فعليًّا لخدمته الاستراتيجية للغرب. وهذا الثمنُ المدفوع هو، بدقّة، ما يمنحه حقًّا سياسيًّا وأخلاقيًّا في رفض أن يكون أداةً تُستهلَك ثم يُفرَّط فيها: فمن يتحمّل الكلفة يستحقّ أن يُحسَب شريكًا في القرار، لا ورقةً في مزاد.
المركزيةُ الانتقائية: حين تبدأ المأسسةُ من الطرف الأضعف
يُفضي التحليلُ المتقدّم إلى سؤالٍ يَنقُض منطقَ «تقوية بغداد» من أساسه: هل يُمكن بناءُ مركزية اتحادية حقيقية بالضغط على إقليم كوردستان وحده، بينما تَبقى مراكزُ القوّة غير الدستورية في العراق العربي قائمةً لم تُمَسّ — من السلاح الولائي، إلى اقتصاد الميليشيات، إلى المنافذ والمصارف والمطارات وشبكات تهريب الدولار؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف أن ما يُسمّى «المأسسة المركزية» قد لا يكون إصلاحًا سياديًّا شاملًا، بل صيغةً انتقائية تُعيد إنتاج الخلل تحت عنوان معالجته.
وفي تعريف المركزية الانتقائية: نَقصد بها محاولةَ بناء سلطةٍ اتحادية صلبة في مواجهة الأطراف الأضعف أو الأكثر قابليةً للضغط، مع التعايش — في الوقت نفسه — مع مراكز القوّة الأخطر داخل «المركز» ذاته. وهي بهذا المعنى ليست بناءً للدولة، بل إدارةً لتوازناتٍ سياسية بأقلّ كلفة ممكنة. فحين تبدأ عمليةُ التوحيد من رواتب الإقليم ونفطه وبيشمركته وعلاقته المالية ببغداد — قبل تفكيك شبكات السلاح المنفلت والتهريب والمال الإيراني — فإنها تَستهدف الحلقةَ الأقلّ كلفةً سياسيًّا، لا مركزَ الخلل الأكبر.
والمفارقةُ أن واشنطن نفسها تَعرف موقعَ الخلل الأكبر. فوزارةُ الخزانة الأمريكية حدّدت في مطلع 2024 «مصرف الهدى» العراقي قناةً رئيسية لتمويل الحرس الثوري الإيراني وكتائب حزب الله، وكشفت أنه نفّذ ما لا يقلّ عن ستّة مليارات دولار من التحويلات الخارجية بوثائقَ مزوّرة، وأنه ظلّ — منذ تأسيسه — خاضعًا لسيطرة فيلق القدس[9]. أي أن مركزَ الخلل المالي يقع في قلب النظام المصرفي المرتبط ببغداد، لا في خلافات بغداد–أربيل. بل إن جزءًا من الكتلة النقدية الدولارية التي تَصل العراق عَبر القنوات الرسمية يُهرَّب إلى إيران عَبر المنافذ والمطارات وشبكات الصرافة الخاضعة لنفوذ الفصائل.
هنا تَنكشف القاعدةُ التحليلية: لا يُمكن لسلطةٍ أن تُطالب الإقليمَ بالانضباط المالي والأمني الكامل، بينما تَعجز هي عن ضبط السلاح والمال والمنافذ في مناطق سيطرتها المباشرة. فالحشدُ الشعبي، وإن غدا قانونيًّا — منذ تشريع 2016 — جزءًا من القوات المسلّحة يرتبط بالقائد العام، ظلّ في الواقع كيانًا ذا استقلالية فعلية وارتباطاتٍ سياسية وعقائدية تتجاوز الدولة. والخللُ، من ثَمّ، ليس في غياب القانون، بل في انفصاله عن القدرة التنفيذية — وهي الفجوةُ التي تُميّز اللادولة من الدولة.
ومن هذا التمييز، يَبطُل قياسُ البيشمركة على السلاح الولائي. فالبيشمركة قوّةٌ دستورية مرتبطة ببنية نظام إتحادي معترَفٍ بها في الدستور (كما بيّنّا)، بينما الميليشياتُ الولائية — في جزءٍ كبير منها — قوًى ذاتُ ولاءاتٍ خارجية تتجاوز الدولة. ووضعُ الاثنين في سلّةٍ واحدة تحت شعار «حصر السلاح بيد الدولة» تبسيطٌ خطير يَخدم الانتقائية: إذ يُعامَل ملفُّ البيشمركة بوصفه مسألةً دستورية ومالية حاسمة عاجلة، بينما يُعامَل ملفُّ الميليشيات بوصفه شأنًا «حسّاسًا تدريجيًّا تفاوضيًّا» يُؤجَّل إلى ما بعد انسحاب القوات الأمريكية. وفي هذه الازدواجية جوهرُ المركزية الانتقائية.
ويُؤكّد صحّةَ هذا التشخيص ملفُّ الطاقة. فالعراق ما زال مرتبطًا بإمدادات الطاقة الإيرانية ارتباطًا بنيويًّا: إذ يُغطّي الغازُ الإيراني أكثرَ من 40% من كهربائه[10]. وحين ألغت واشنطن إعفاءَ استيراد الكهرباء الإيرانية (آذار 2025)، ثم انقطع الغازُ إثر ضرباتٍ على حقل بارس الجنوبي (آذار 2026) فخسرت الشبكةُ أكثرَ من 3000 ميغاواط دفعةً واحدة، انكشف أن تحريرَ العراق من النفوذ الإيراني يمرّ — أولًا — عَبر إصلاح قطاع الطاقة والمصارف والمدفوعات في العراق العربي، لا عَبر الضغط المالي على الإقليم. أي أن الملفّ السيادي للعراق العربي سابقٌ منطقيًّا على ملفّ الإقليم.
على أن لهذه الانتقائية كلفةً يُغفلها أصحابُها: فالسيرُ في الاتجاه الخاطئ ليس سهلًا كما يبدو في الوهلة الأولى. ذلك أن مأسسةً تبدأ من الطرف الدستوري الملتزم وتُؤجّل الطرف المنفلت، إنما تُضعف من يحفظ الدولةَ وتُساوم من يخترقها — فتُراكم هشاشةً بنيوية بدل أن تُعالجها. وهكذا يتحوّل «الإصلاح» إلى غطاءٍ لإعادة توازنٍ سياسي ضدّ الإقليم، لا إلى بناء دولةٍ اتحادية عادلة.
والخلاصةُ التحليلية: إن أيّ مشروع — أمريكيٍّ أو عراقي — لإعادة بناء مركزية الدولة لا يَستمدّ شرعيتَه من الضغط على إقليم كوردستان، بل من قدرته على معالجة بنية اللادولة داخل العراق العربي أولًا: السلاحِ الولائي، واقتصادِ الميليشيات، وتهريبِ الدولار، واختراقِ المصارف، والاعتمادِ الطاقوي على إيران، والسيطرةِ غير الشفّافة على المنافذ والمطارات. أما تحويلُ ملفّ الإقليم إلى المدخل الأول للمأسسة، مع تأجيل الملفّات الأخطر في بغداد والوسط والجنوب، فلا يُنتج دولةً اتحادية قوية، بل مركزيةً انتقائية تُضعف الطرفَ الدستوري وتُساوم الطرفَ الخارج عن الدولة. والفرقُ بينهما هو الفرقُ بين بناء الدولة وإدارة التوازنات.
 أوراق أربيل والانتقال إلى «الواقعية الصدامية»
أمام هذا التفاهم الأمريكي–التركي الذي يُفضّل التعاملَ مع الدول المركزية وتهميشَ الفاعلين دون مستوى الدولة، تبدو هوامشُ المناورة الكوردية ضيّقةً إلى حدٍّ بعيد، لكنها ليست معدومة — لا سيّما إذا أدرك الإقليمُ حقيقةَ الورقة البنيوية التي بين يديه. فلم يَعُد إقليمُ كوردستان يملك ترفَ التعويل الحصري على التحالفات التاريخية مع واشنطن، بل عليه أن ينتقل إلى ما يمكن تسميته «الواقعية الصدامية»: نهجٌ لا يعني التهوّرَ ولا القطيعةَ، بل التفاوضَ من موقع امتلاك ورقةٍ لا من موقع التماس الرضا. فالصدامُ هنا صدامٌ تفاوضي محسوب، يُذكّر الحلفاءَ والخصومَ معًا بأن للإقليم كلفةً لا يمكن تجاهلُها وبدائلَ لا يمكن استبعادُها — صدامٌ يُمارَس بذكاء التوقيت ودقّة الجرعة، لا بانفعال اللحظة. وأدواتُه أوراقٌ متبقّية يُحسِن استثمارَها:
التموضع بوصفه «بيضةَ القبّان» في بغداد: استغلالُ التشظّي في البيت السياسي العراقي (الشيعي والسنّي) لنسج تحالفاتٍ تكتيكية تحول دون تشكيل إجماعٍ اتحادي يخنق الإقليم.
درع المصالح الاقتصادية: توظيفُ التقاطعات الدولية في قطاع الطاقة الكوردي، وحجمِ التبادل التجاري الضخم مع تركيا، درعًا واقيًا يحول دون الانهيار الشامل للإقليم، لأن انهياره سيُكلّف أنقرةَ أثمانًا اقتصادية باهظة.
السعي إلى تحالفٍ عربي–كوردي إقليمي — وقد كان عنوانًا لإحدى دراساتنا السابقة[11] — يضمّ دولَ الخليج والمملكة العربية السعودية والأردن؛ ذلك أن تركيا وإيران، مجتمعتين أو منفردتين، تشكّلان خطرًا استراتيجيًّا على المنطقة العربية، بحكم الطموح الإمبراطوري للدولتين على حساب السيادات الوطنية لدول المنطقة.
تقديم نموذج «الاستقرار المؤسّسي»: إقناعُ الغرب بأن البديل من نموذج أربيل المعتدل هو ترك المنطقة نهبًا للميليشيات الوظيفية، وأن الإقليم هو الملاذُ الجيوسياسي الآمن الوحيد للمصالح الغربية وللدول العربية المعتدلة في ظلّ فوضى ما بعد النظام الإيراني.
غير أن تفعيل أيٍّ من هذه الأوراق يبقى مشروطًا بحقيقةٍ صارمة واحدة: إنهاءِ الانقسام الداخلي المدمّر بين أربيل والسليمانية. فالمجتمعُ الدولي، ببراغماتيته القاسية، لا يُفاوض الكياناتِ الممزّقة، ولن يتردّد في جعل الإقليم المنقسم مجرّدَ تفصيلٍ هامشي يُدفع ضريبةً في مزادات الخرائط الجديدة للشرق الأوسط.
[1]للتوثيق: حدّد التحالفُ الدولي بقيادة الولايات المتحدة أيلول/سبتمبر 2026 موعدًا نهائيًّا لتوحيد قوات البيشمركة تحت وزارة شؤون البيشمركة (مؤسّسة غير حزبية، بموجب المادة 9 من الدستور العراقي). كما تنصّ موازنةُ وزارة الدفاع الأمريكية للعام المالي 2026 على إنهاء برنامج رواتب البيشمركة ونقلِ المسؤولية المالية كاملةً إلى الحكومة العراقية، استنادًا إلى مذكّرة تفاهمٍ موقّعة في أيلول 2022 — أي أن الجدول الزمني سابقٌ على حرب 2025–2026 لا ردّ فعلٍ عليها. المصادر: وثيقة CTEF J-Book لوزارة الدفاع الأمريكية (2026)؛ The New Arab؛ Kurdistan24.
[2]للتوثيق بشأن إفلات الميليشيات من المحاسبة: منذ بدء الحرب على إيران (2025–2026) تعرّض إقليمُ كوردستان لأكثر من 500 هجمةٍ بالمسيّرات والصواريخ من إيران وحلفائها العراقيين، قُتل فيها مدنيون وعناصرُ من البيشمركة (منهم ستّة جنود في ضربةٍ صاروخية واحدة)، واستُهدفت حقولُ النفط والغاز. ورغم ذلك أعلنت الحكومةُ العراقية اعتزامَها شراء منظومات مضادّة للمسيّرات مع الامتناع عن تزويد الإقليم بها. وكانت ميليشياتٌ مرتبطة بإيران قد حاولت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي بمسيّراتٍ عام 2021 دون محاسبة. المصادر: Washington Institute (2026)؛ Atlantic Council (2026)؛ Human Rights Watch، التقرير العالمي 2025.
[3]«صندوق باندورا» (Pandora’s Box): رمزٌ في الأساطير اليونانية لمصدرِ شرورٍ وكوارثَ لا تُحصى، يصعب احتواؤها أو ردُّها بعد إطلاقها. ويُضرب به المثل للقرار الذي يُطلق سلسلةً من العواقب غير المنضبطة.
[4]انطلق مسارُ التسوية بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني عام 2025، إثر دعوة عبد الله أوجلان إلى إلقاء السلاح (شباط 2025) وإعلان الحزب لاحقًا حلَّ نفسه. ومن محرّكاته — وفق المصادر — حاجةُ الرئيس التركي إلى دعم الحزب الكوردي في البرلمان لتعديلٍ دستوري يتيح له الترشّح مجدّدًا، إضافةً إلى إدارة المخاطر الإقليمية الناجمة عن الحرب على إيران. المصادر: Foreign Affairs (2026)؛ Brookings (2026).
[5]تشير تقاريرُ متعدّدة إلى مساعٍ أمريكية–إسرائيلية لتوظيف جماعاتٍ كوردية إيرانية (بعضها مرتبط بحزب العمال الكوردستاني) لزعزعة الداخل الإيراني، وإلى أن الرئيس الأمريكي أيّد الفكرة مبدئيًّا ثم تراجع عنها خلال أيام. وتبقى أنقرة متوجّسة من أن يُحيي ذلك تطلّعاتٍ كوردية للاستقلال تُفجّر مسارَها مع حزب العمال. المصادر: Foreign Affairs (2026)؛ Brookings (2026)؛ JINSA (2026).
[6]في حوارٍ مع قناة فرانس 24 (نشره PUKMEDIA)، أقرّ رئيسُ الاتحاد الوطني الكوردستاني بانسحاب قوات الاتحاد من كركوك عام 2017، ووصفه بأنه «انسحابٌ تكتيكي واستراتيجي» اتّخذه قادةٌ ميدانيون بعد خسائرَ بشرية، وأثنى على الخطوة. وأحال في دفاعه إلى وثيقةٍ وقّعها ثمانيةٌ وثلاثون قياديًّا في المجلس القيادي للاتحاد، قال إنها كانت لترتيبٍ بديل (تحويل قاعدة K1 إلى مركز قيادةٍ مشتركة للتحالف والبيشمركة والقوات العراقية). وتؤكّد مصادرُ متعدّدة دورَ الجنرال الإيراني قاسم سليماني في إقناع قيادة الاتحاد بالانسحاب. المصادر: PUKMEDIA (حوار فرانس 24)؛ Reuters؛ RFE/RL (2017).
[7]اتفاق فندق الرشيد (آب 2024): تفاهمٌ نُقلت بموجبه إدارةُ محافظة كركوك إلى مكوّناتٍ غير كوردية، أُبرم بين قيادة الاتحاد الوطني وقوًى في الإطار التنسيقي الشيعي، مقابل مناصبَ محلّية للاتحاد (نائب المحافظ، قيادة الشرطة، وإدارة قضاءَي داقوق والحويجة). المصادر: Kurdistan24 (2024–2026)؛ Al Jazeera Studies.
[8]للتوثيق بشأن الفرق بين القاعدتين: قاعدة إنجرليك (قرب أضنة) خاضعةٌ للسيادة التركية، وللولايات المتحدة حقُّ الوصول إليها دون نشرٍ دائم للطائرات؛ وفي حرب 2025–2026 أكّدت أنقرةُ أن مجالها الجوي وأصولَها لن تُستخدم لمهاجمة إيران. أما قاعدة حرير (قرب أربيل) فقاعدةُ عمليات خاصّة، تستمرّ أنشطتُها — بحسب المصادر — حتى أواخر 2026 رغم انسحاب القوات الأمريكية من معظم العراق، وتؤدّي دورًا في ردع هجمات الميليشيات الموالية لإيران. وكانت حكومةُ الإقليم قد عرضت على واشنطن استضافةَ وجودٍ عسكري دائم في حرير بُعيد 2003 فرُفض العرض، ثم عادت إليه القواتُ الأمريكية لاحقًا. وقد استُهدفت القاعدةُ وأربيل مرارًا بمسيّرات إيرانية الصنع من فصائل عراقية موالية لطهران. المصادر: Atlantic Council (2026)؛ JINSA (2026)؛ Wikipedia/Grokipedia، “Harir Air Base”.
[9]أعلنت شبكةُ مكافحة الجرائم المالية (FinCEN) ومكتبُ مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) في وزارة الخزانة الأمريكية، في 31 كانون الثاني/يناير 2024، تحديدَ «مصرف الهدى» العراقي «مصدرَ قلقٍ رئيسيًّا لغسل الأموال»، وفرضَ عقوباتٍ على مالكه حمد الموسوي لدعمه فيلقَ القدس وكتائبَ حزب الله وعصائبَ أهل الحقّ؛ وذكرت أن المصرف نفّذ منذ تأسيسه ما لا يقلّ عن ستّة مليارات دولار تحويلاتٍ خارجية بوثائقَ مزوّرة، وأنه ظلّ خاضعًا لسيطرة الحرس الثوري. كما حظر البنك المركزي العراقي ثمانية مصارف محلّية من التعامل بالدولار (شباط 2024). وتَكشف تحقيقاتٌ صحفية (OCCRP) أن مزادات الدولار العراقية، المغذّاة بشحنات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (تصل أحيانًا إلى نحو 13 مليار دولار سنويًّا)، استُخدمت لتمرير عشرات الملايين إلى شبكاتٍ مرتبطة بالحرس الثوري عَبر المنافذ والمطارات وشبكات الصرافة. المصادر: U.S. Treasury/FinCEN (2024)؛ Reuters؛ OCCRP؛ Center for Security Policy (2026).
[10]للتوثيق بشأن الاعتماد الطاقوي: يُغطّي الغازُ الإيراني أكثرَ من 40% من إمدادات الكهرباء في العراق (الذي يُنتج نحو 28–29 ألف ميغاواط مقابل حاجةٍ تبلغ نحو 40–54 ألفًا). وفي آذار/مارس 2025 ألغت إدارةُ ترامب الإعفاءَ الذي كان يسمح للعراق باستيراد الكهرباء الإيرانية ضمن حملة «الضغط الأقصى»، مع إبقاء إعفاء الغاز مؤقّتًا. وإثر ضرباتٍ على حقل «بارس الجنوبي» الإيراني (آذار 2026) انقطعت الإمداداتُ فجأةً، فخسرت الشبكةُ العراقية أكثرَ من 3000 ميغاواط دفعةً واحدة. كما تعثّرت محاولاتُ استيراد الغاز التركماني عبر إيران. المصادر: Atlantic Council (2025)؛ Shafaq News (2026)؛ Reuters؛ EIA (2025).
[11]يُشير الكاتب إلى دراسته «ضرورات بناء تحالف عربي–كوردي في الشرق الأوسط: قراءة استراتيجية في تهديدات المشاريع الإقليمية التوسعية».

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تحل في الرابع والعشرين من حزيران الذكرى الثانية والخمسون لتطبيق مشروع الحزام العربي العنصري، الذي بدأ نظام البعث بتنفيذه عام 1974 بموجب القرار رقم (521)، استنادا إلى المخطط الشوفيني الذي وضعه محمد طلب هلال عام 1962، والذي استهدف الوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان سوريا، وسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يخدم السياسات القومية العنصرية للنظام على حساب الحقوق التاريخية…

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر شعبنا في كردستان سوريا ذكرى تنفيذ أحد أخطر المشاريع القمعية والتمييزية التي تبنّاها النظام البعثي البائد، والمتمثّل بـ”مشروع الحزام العربي” في محافظة الحسكة. فبعد مرور 52 عاماً على انطلاق هذا المشروع الاستيطاني، الذي استهدف تغيير البنية السكانية والديموغرافية للمنطقة الكردية ، عبر إقامة شريط استيطاني بعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود…

شادي حاجي في كل موسم حصاد تقريباً، يتكرر المشهد نفسه في محافظة الحسكة: حقول تحترق، ومزارعون يركضون خلف النيران بوسائل بدائية، وخسائر تتراكم في واحدة من أهم المناطق الزراعية في سوريا. الجديد ليس وقوع الحرائق، بل استمرار عجز الجهات المسؤولة عن منعها أو التعامل معها بالسرعة والكفاءة المطلوبتين. ما يحدث لم يعد مجرد حوادث موسمية متفرقة يمكن تبريرها بالظروف الجوية…

د . مرشد اليوسف يشكل الكرد المقيمون في المدن السورية الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب ودرعا والساحل السوري ظاهرة سوسيولوجية فريدة في التاريخ السوري الحديث والمعاصر. فهؤلاء لا يعيشون ضمن المجال الكردي التقليدي الممتد في شمال البلاد، بل داخل فضاء اجتماعي وثقافي عربي واسع، ومع ذلك حافظ معظهم على الشعور القومي الكردي بشكل واضح رغم تراجع وانعدام…