د . مرشد اليوسف
يشكل الكرد المقيمون في المدن السورية الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب ودرعا والساحل السوري ظاهرة سوسيولوجية فريدة في التاريخ السوري الحديث والمعاصر.
فهؤلاء لا يعيشون ضمن المجال الكردي التقليدي الممتد في شمال البلاد، بل داخل فضاء اجتماعي وثقافي عربي واسع، ومع ذلك حافظ معظهم على الشعور القومي الكردي بشكل واضح رغم تراجع وانعدام استخدام اللغة الكردية لدى شرائح واسعة منهم.
هذه الظاهرة تطرح سؤالاً مركزياً في علم التاريخ الاجتماعي والسياسي :
هل اللغة هي الشرط الحاسم لبقاء الهوية القومية، أم أن الهوية تستطيع الاستمرار حتى عندما تضعف إحدى أهم أدواتها الثقافية؟
واذا دخلنا في العمق فإن تاريخ سوريا القديم كردي في جزء كبير منه ابتداء بالحوريين في شمال شرق سوريا وعاصمتهم اوركيش في تل موزان على بعد كيلو مترات بين القامشلي وعامودة والميتاتينيين وعاصمتهم في واشو كأني(سري كاني – رأس العين الحالية ) والحثيين في سهل العمق بالقرب من عفرين .
ولم تكن المدن السورية الكبرى خالية من الكرد تاريخياً حتى اليوم .
ومنذ العهدين الأيوبي والعثماني استقرت جماعات كردية في مناطق متعددة من الداخل السوري وفي بلاد الشام .
إلا أن الموجات الكبرى للاستقرار الكردي داخل المدن السورية جاءت خلال القرن العشرين نتيجة عوامل اقتصادية وسياسية متعددة.
فقد دفعت ظروف الفقر والجفاف والتمييز العنصري والبحث عن العمل آلاف الأسر الكردية إلى الانتقال من المناطق الريفية في الجزيرة وعفرين وكوباني إلى دمشق وحلب وحمص وحماة وغيرها.
ومع مرور الزمن نشأت أحياء ومجتمعات كردية كاملة داخل هذه المدن .
لكن هذه الجماعات وجدت نفسها في بيئة تختلف عن البيئة الكردية التقليدية، حيث أصبحت اللغة العربية لغة التعليم والعمل والإدارة والحياة العامة.
ومن الناحية السوسيولوجية، تعرض الكرد في المدن الداخلية إلى عملية يمكن تسميتها “الاندماج اللغوي القسري غير المباشر”.
فلم يكن الطفل الكردي يتلقى تعليمه بلغته الأم، ولم تكن هناك مدارس أو جامعات أو مؤسسات ثقافية رسمية تسمح بتطوير اللغة الكردية.
كما إن استخدام الكردية في المجال العام كان محدوداً للغاية.
ونتيجة لذلك، بدأت اللغة العربية تصبح لغة الجيل القديم والجيل الجديد، بينما تراجعت الكردية تدريجياً إلى المجال العائلي الضيق، ثم اختفت عند بعض الأسر بصورة شبه كاملة.
غير أن ما تراجع كان اللغة في المقام الأول، لا الإحساس بالانتماء .
ويؤكد علماء الاجتماع أن الهوية القومية تتكون من مجموعة عناصر مترابطة، من بينها:
الذاكرة الجماعية
والتاريخ المشترك
والأصل العائلي
والرموز الثقافية
والمشاعر الجمعية.
والإحساس بالمصير المشترك.
وفي حالة الكرد السوريين، بقيت هذه العناصر حاضرة بقوة.
فالأسرة كانت تنقل للأبناء قصص الأجداد ومناطق الأصل والعلاقات العائلية الممتدة في المناطق الكردية.
كما بقيت المناسبات الاجتماعية والزيارات العائلية والزواج الداخلي عوامل تحافظ على استمرارية الوعي القومي.
وهكذا نشأت أجيال قد لا تتقن الكردية بطلاقة، لكنها تعرف نفسها بوضوح بوصفها كردية.
وتوضح الدراسات السوسيولوجية أن الهوية ليست مجرد خطاب نظري، بل هي تجربة يومية يعيشها الأفراد.
فالكثير من الكرد في الداخل السوري كانوا يدركون أنهم ينتمون إلى جماعة تختلف عن الأغلبية المحيطة بهم.
وكانت الأسماء العائلية، واللهجات، والروابط الاجتماعية، والانتماءات العائلية، كلها تذكّرهم باستمرار بجذورهم.
كما أن الحديث المستمر داخل الأسرة عن الأصل الكردي ساهم في إعادة إنتاج الهوية عبر الأجيال.
وبذلك تحولت الكردية من لغة متراجعة نسبياً إلى شعور جمعي متجدد.
ومن المفارقات التي يدرسها علم الاجتماع السياسي أن سياسات التهميش لا تؤدي دائماً إلى الذوبان الكامل، بل قد تخلق وعياً قومياً مضاداً.
فعندما تشعر جماعة ما بأن خصوصيتها غير معترف بها، فإن ذلك قد يدفعها إلى التمسك بهويتها بصورة أكبر.
وفي حالات عديدة، كان الكرد الذين لا يتحدثون الكردية يشعرون بانتماء قومي قوي نتيجة إحساسهم بأنهم جزء من قضية جماعية أوسع تتعلق بالاعتراف الثقافي والسياسي.
وهنا تصبح الهوية مرتبطة بالكرامة الجماعية أكثر من ارتباطها باللغة وحدها.
و الكرد في الداخل السوري لعبوا كجسر بين مجتمعين .
وتمنحهم تجربتهم المزدوجة تلك موقعاً فريداً داخل المجتمع السوري.
فهم من جهة جزء من المجتمع الحضري العربي بحكم اللغة والتعليم والعمل، ومن جهة أخرى يحتفظون بانتمائهم الكردي وذاكرتهم الجماعية.
وهذا يجعلهم قادرين على لعب دور الوسيط الثقافي والاجتماعي بين المجتمع الكردي والمجتمعات السورية الأخرى.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إليهم بوصفهم جسراً وطنياً مهماً بين المركز السوري والمناطق الكردية.
و التحدي المستقبلي
الأكبر أمام الكرد في الداخل السوري يكمن في كيفية الجمع بين الحفاظ على الهوية القومية والانخراط الكامل في الحياة الوطنية السورية.
فالهوية القومية لا تستمر بالشعور وحده، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات ثقافية وتعليمية واجتماعية قادرة على نقل التراث واللغة والذاكرة إلى الأجيال القادمة.
كما أن إعادة إحياء اللغة الكردية لدى الأجيال الجديدة تمثل أحد أهم التحديات الثقافية في العقود المقبلة، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي مستودع الذاكرة التاريخية والقيم الثقافية.
واخيرا تكشف تجربة الكرد في الداخل السوري عن حقيقة سوسيولوجية عميقة مفادها أن الهوية القومية أكثر تعقيداً من أن تختزل في اللغة وحدها.
فقد يؤدي التحول اللغوي إلى إضعاف بعض مظاهر الهوية، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائها.
لقد حافظ مئات الآلاف من الكرد في المدن السورية الكبرى( خلال عشرات العقود ) على انتمائهم القومي رغم عقود طويلة من الاندماج اللغوي والثقافي. ومن ثم فإن فهم هذه الظاهرة لا يساعد فقط على فهم المجتمع الكردي، بل يساهم أيضاً في فهم طبيعة الهوية القومية نفسها، وكيف تستطيع الاستمرار والتجدد حتى في البيئات التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن جذورها الأصلية.
وفي هذا المعنى، يمثل الكرد في الداخل السوري نموذجاً سوسيولوجياً لافتاً لـ”استمرار الأمة خارج اللغة”، حيث يبقى الانتماء حياً في الذاكرة والعائلة والوجدان الجمعي حتى عندما تضعف إحدى أهم أدواته الثقافية.