بيان بمناسبة الذكرى الثانية والخمسين لمشروع “الحزام العربي” في محافظة الحسكة.

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر شعبنا في كردستان سوريا ذكرى تنفيذ أحد أخطر المشاريع القمعية والتمييزية التي تبنّاها النظام البعثي البائد، والمتمثّل بـ”مشروع الحزام العربي” في محافظة الحسكة. فبعد مرور 52 عاماً على انطلاق هذا المشروع الاستيطاني، الذي استهدف تغيير البنية السكانية والديموغرافية للمنطقة الكردية ، عبر إقامة شريط استيطاني بعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود السورية–التركية، عبر مصادرة مئات الآلاف من الدونمات الزراعية المملوكة للأهالي الكرد، وتوزيعها على عائلات عربية جُلبت من محافظات سورية أخرى، في مسعى متعمّد لطمس الهوية الكردية ، وقطع التواصل الجغرافي والتاريخي بين المناطق الكردية، وترسيخ واقع ديموغرافي جديد يخدم أجندة سياسية شوفينية .
إن سقوط النظام البعثي الشوفيني الذي رعى هذه السياسات الجائرة لا يلغي تلقائياً آثارها المسمومة، بل يفرض علينا اليوم، في مرحلة بناء سوريا الجديدة، التعامل الجاد مع إرثه التمييزي. إذ إنّ انتصار الثورة السورية على نظام الأسد لن يكون مكتملاً دون اجتثاث جذور مشاريعه العنصرية، وعلى رأسها مشروع الحزام العربي، الذي لم يكن إجراءً إداريّاً عابراً، بل جريمة مركّبة بحق الهوية والوجود والكرامة الإنسانية، تستوجب المعالجة القانونية والسياسية الشاملة.
وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية والتاريخية، نطالب بما يلي:
1. الإلغاء الفوري والنهائي لجميع الآثار السياسية والقانونية والإدارية المترتبة على مشروع الحزام العربي، واعتباره لاغياً من الناحية التاريخية والقانونية والأخلاقية، بوصفه قراراً باطلاً ومنتهكاً للحقوق الأساسية.
2. إعادة الأراضي والممتلكات المصادرة إلى أصحابها الشرعيين، مع تقديم تعويضات عادلة وكاملة لكافة المتضررين، تغطّي الخسائر المادية والمعنوية الناجمة عن هذا المشروع.
3. محاكمة كل من خطّط ونفّذ وأشرف على هذا المشروع العنصري، بصفته جريمة ضد الإنسانية، وذلك في إطار العدالة الانتقالية، ضماناً لتحقيق الردع والإنصاف.
4. ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون كأساس للحكم في سوريا الجديدة، ومنع تكرار أي مشروع مماثل تحت أي مسمى كان، بما يكفل حماية التنوع الثقافي والديموغرافي للمجتمع السوري.
5. إقرار الحل العادل للقضية الكردية بوصفه شرطاً أساسياً لبناء دولة ديمقراطية حديثة، تقوم على اعتراف دستوري بحقوق جميع مكونات الشعب السوري، وعلى رأسهم الشعب الكردي بصفته جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ضمن نظام لامركزي يعكس تعددية المجتمع السوري.
نؤكد أن أي بناء مستقبلي لسوريا يقوم على أسس ديمقراطية لا مركزية، يستوجب تصحيحاً جذرياً لكل الظلم التاريخي الذي لحق بشعبنا، وفتح صفحة جديدة تتعامل مع الماضي بكل تجلياته بشفافية ومسؤولية، دون طمس أو تغافل، لأن الاعتراف بالحقوق هو المدخل الحقيقي للمصالحة الوطنية المستدامة.
تحية إجلال لصمود شعبنا الأبي، ولكل المناضلين ضد سياسات التغيير الديموغرافي والتهجير القسري، وتحية لسوريا الحرة التي يجمعنا فيها المواطنة الحقيقية والكرامة  .
تيار مستقبل كردستان سوريا
الهيئة التنفيذية
24 حزيران 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…