عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا – الحلقة الثامنة

د. محمود عباس

ويكفي التذكير بأن طرفة بن العبد، أحد أشهر شعراء بكر بن وائل في الجاهلية، ارتبطت سيرته بإقليم البحرين التاريخي وبلاط الحيرة، وفي هذا المجال الممتد بين البحرين والحيرة كان الحضور الأشهر لقبيلة بكر بن وائل، لا في آمد ولا في جغرافيتها. وهذا يبيّن أن تحويل اسم ديار بكر اللاحق إلى دليل على حضور ديمغرافي عربي أصيل في آمد ليس قراءة تاريخية، بل إسقاط متأخر لتسمية إدارية على مدينة كانت تُعرف قديمًا باسم Amida/Āmid. أما ما تذكره بعض المصادر عن إسكان مجموعات من بكر بن وائل أو ربيعة في نواحي الجزيرة في العهد الأموي، فلا يغيّر جوهر المسألة؛ فهناك فرق واضح بين إسكان عائلات عسكرية أو مجموعات مرتبطة بالسلطة، وبين وجود ديمغرافي عربي واسع قادر على صبغ المدينة وهويتها وتاريخها. فالحضور الإداري أو العسكري لا يصنع وحده هوية حضرية، ولا يحوّل مدينة عريقة كآمد إلى جغرافيا عربية الأصل.

ومن هنا تظهر المفارقة الفاضحة في خطاب القبيسي وأمثاله: يريدون محاكمة الكورد بشاهد جزئي أو تسمية إدارية أو خبر سفير، لكنهم لا يجرؤون على تطبيق المنهج نفسه على تكويناتهم الحديثة. فإذا كانت خريطة أو تسمية أو خبر عابر كافيًا عندهم لنفي الكورد من كوردستان، فعليهم أولًا أن يسألوا أنفسهم: أين كانت دولهم القومية الحديثة قبل انهيار الدولة العثمانية؟ وأين كانت خرائطهم الراهنة قبل الانتدابين الفرنسي والبريطاني؟ وكيف تحولت جغرافيات واسعة إلى فضاء عربي حديث؟ أكان ذلك امتدادًا نقيًا بسيطًا منذ الأزل، أم مسارًا تاريخيًا طويلًا من التحول والسلطة والتعريب وإعادة التسمية؟

أما الكورد، فوجودهم في هذه المنطقة ليس اختراعًا متأخرًا، ولا اختلاقًا سياسيًا حديثًا، بل حضور موثق في الجبال والجزيرة والمصادر الإسلامية نفسها، فضلًا عن الشواهد الأقدم. وحين تذكر المصادر الإسلامية الكورد في أخبار الجبال والجزيرة والحدود ومناطق الصراع، فهل كانت تتحدث عن وهم؟ أم أن الوهم الحقيقي هو هذا الخطاب المتأخر الذي يريد شطب أمة كاملة لأنها تعجز عن الانصهار في سردية قومية مصطنعة؟

إن القبيسي لا يقرأ التاريخ ليكشف طبقاته، بل ليبحث فيه عن سكين أيديولوجي. يريد أن يختصر كوردستان في زاوية، وأن يحشر الكورد في هامش، ثم يطلب منهم الاعتراف بأنهم بلا أرض وبلا حق. ولهذا لا تعود المسألة خطأ في قراءة ابن حوقل، ولا سوء فهم لخبر مبعوث روماني، ولا التباسًا في اسم قديم أو إقليم سرياني، بل تصبح مثالًا صارخًا على تسليح المعرفة ضد أصحاب الأرض. والفرق كبير بين باحث يحاول فهم الماضي، وبين من يفتش في النصوص عن ذريعة لمحو شعب.

وهنا لا نقف أمام زلة عابرة في قراءة مصدر، بل أمام منهج كامل يتكرر بأشكال مختلفة: مرة في تحويل تسمية إدارية إلى هوية إثنية، ومرة في تحويل خبر عابر إلى دليل قومي، ومرة في جعل اللقب الجغرافي نسبًا، ومرة في محاكمة الكورد بأسماء الدول والسلالات بدل قراءة حضورهم في الجغرافيا واللغة والذاكرة. ومن هذا الباب تحديدًا يتضح جوهر الخلل المنهجي في هذا الخطاب: فليس كل من وُلد في مقاطعة حملت اسمًا معينًا صار منسوبًا إليها دمًا وهوية، وليس كل لقب جغرافي يصلح لإنتاج نسب قومي، وليس كل ما حفظته السرديات المتأخرة بريئًا من أثر السلطة والتحيز وسوء القراءة. فالإمبراطوريات الكبرى كانت فضاءات واسعة تتحرك فيها العائلات العسكرية والإدارية بين المقاطعات، وتُنسب الشخصيات أحيانًا إلى موضع الميلاد، أو إلى مجال الخدمة، أو إلى الإطار الإداري، لا إلى أصل قومي صافٍ كما تريد السرديات القومية الحديثة أن تتخيل.

والأشد غرابة أن هذا المنطق نفسه يُستعمل عند هؤلاء بطريقة انتقائية مكشوفة. فإذا تغيّر اسم الدولة أو السلالة أو الجغرافيا في التاريخ الكوردي، قيل فورًا: لا علاقة للكورد بها. أما إذا ظهر لقب ملتبس، أو وصف جغرافي عابر، أو تسمية لاحقة في رواية رومانية أو إسلامية، حُوِّل مباشرة إلى دليل قاطع على عروبة منطقة كاملة. وهكذا تصبح الجغرافيا إثنية حين تخدم الخطاب العروبي، وتصبح الأسماء حجة للنفي حين تتعلق بالكورد. وهذه ليست منهجية مؤرخ، بل انتقاء أيديولوجي يمدّ السلسلة بلا حدود حين تخدم العروبة، ويقطعها عند أول منعطف حين تخدم الكورد.

وعلى هذا المنطق ذاته، يحاول بعضهم، ومن بينهم الدكتور محمد بهجت القبيسي، ربط الأراميين والكلدانيين والبابليين بالعرب، وكأن شعوب الشرق القديم كلها لم تكن سوى مقدمات متدرجة للعروبة، وكأن التاريخ وُلد ليصب أخيرًا في نهر قومي واحد. وهذه محاولة واهية لا تختلف، في بنيتها الذهنية، عن محاولات ربط شعوب متباعدة داخل أعراق أو سلالات كبرى لإنتاج مجد مصطنع. فالأرامي ليس عربيًا، والكلداني ليس عربيًا، والبابلي ليس عربيًا، كما أن وجود تسمية جغرافية أو لقب لاحق لا يكفي أبدًا لتحويل شعب أو دولة أو حضارة إلى أصل قومي لعرب ما بعد القرون الحديثة.

ولا تقف هذه الآلية عند هذه الأمثلة، بل هي المنهج نفسه الذي غيّب حقيقة الدولة الساسانية، ثم أعاد تقديمها لاحقًا بوصفها “إمبراطورية فارسية” خالصة، متجاهلًا تعقيد بنيتها القومية واللغوية والجغرافية، وسماتها الكوردية اللافتة من أصول مؤسسها إلى اللغة الرسمية والجيش ومركزية جغرافيتها والبنية الديمغرافية. فهذه الدولة عُرفت في سياقها التاريخي باسم الدولة أو الإمبراطورية الساسانية، وارتبطت بلغات إيرانية وسطى، ومنها الفهلوية/البهلوية ضمن المجال الإيراني الغربي الذي تتصل به الكوردية. غير أن صعود السردية الفارسية لاحقًا، ولا سيما بعد السامانيين ومرحلة إعادة صوغ الذاكرة الإيرانية في اتجاه فارسي أوضح، ساهم في فرسنة الماضي الساساني، ثم تلقّف كثير من المؤرخين هذه القراءة كما لو أنها حقيقة نهائية.

والحال أن اختزال الساسانيين في الفرس وحدهم لا يختلف، في جوهره، عن أي محاولة لاختزال الألقاب الجغرافية إلى أنساب قومية حديثة. ففي الحالتين يجري تحويل الجغرافيا إلى قومية، واللقب إلى نسب، والسلطة إلى هوية، ثم يُقدَّم ذلك كله على أنه تاريخ لا يقبل النقاش. وكما لا يجوز أن يُسلَّح لقب جغرافي متأخر لصناعة عروبة سياسية سابقة لأوانها، لا يجوز أيضًا تحويل الإمبراطورية الساسانية المتعددة الشعوب واللغات إلى كيان فارسي خالص بالمعنى القومي الحديث.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/6/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. مرشد اليوسف عندما يُذكر الكرد في سوريا، يتجه الذهن غالباً إلى مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين بوصفها المجال الجغرافي التقليدي للوجود الكردي. غير أن هذه الصورة، على الرغم من أهميتها، لا تعكس الواقع الديموغرافي الكردي السوري كاملاً. فهناك كتلة بشرية كردية ضخمة موزعة في المدن السورية الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية وإدلب وداعا ، تشكل امتداداً تاريخياً…

صلاح بدرالدين بخلاف مايذهب اليه البعض فان الكرد السوريين باجيالهم الثلاثة بشكل تقريبي منذ تقسيمات سايكس – بيكو وضم جزء من كرد المنطقة الى سوريا ، لايتحملون مسؤولية ظهور وتفاقم قضيتهم القومية ، لأنها بدأت منذ تجاهلهم وجودا وحقوقا في اول دستور سوري ماقبل الاستقلال ، والدساتير الأخرى من بعده ، وحتى يوم الثامن من ديسمبر / ٢٠٢٤ ، ثم…

ريزان شيخموس في الرابع عشر من حزيران من كل عام، تستعيد الذاكرة الكردية في سوريا محطة مفصلية في تاريخها السياسي، تتمثل في تأسيس أول حزب سياسي كردي عام 1957. وقد شكّل هذا الحدث نقطة تحول مهمة نقلت العمل القومي الكردي من إطار النشاط الثقافي والاجتماعي إلى مستوى التنظيم السياسي المنظم، الذي حمل مطالب الكرد القومية والوطنية ودافع عنها في مواجهة…

عبدالرحيم حسن بعد انتهاء اتفاقية (سايكس.بيكو) التي قسمت كوردستان الى اربعة اجزاء هاهم مرة اخرى يدفعون ثمن موقعهم الجغرافي لاثمن اخطاءهم . يراد لهم من المتربصين بهم ان يقبلوا دور الضحية مرة اخرى لا ان يكونواصاحب حق لقرن قادم وان يكونوا ورقة ضغط بيد الدول التي تضع مصالحها فوق مبادئها واعتبار حقوق الكورد ليست مشكلة بل وجود الكورد انفسهم مشكلة…