كرد الداخل السوري وإشكالية الاندماج في المشروع القومي الكردي: نحو رؤية سياسية جديدة تربط الأطراف بالمركز

د. مرشد اليوسف
عندما يُذكر الكرد في سوريا، يتجه الذهن غالباً إلى مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين بوصفها المجال الجغرافي التقليدي للوجود الكردي. غير أن هذه الصورة، على الرغم من أهميتها، لا تعكس الواقع الديموغرافي الكردي السوري كاملاً.
فهناك كتلة بشرية كردية ضخمة موزعة في المدن السورية الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية وإدلب وداعا ، تشكل امتداداً تاريخياً واجتماعياً للأمة الكردية في سوريا، وتُقدَّر بمئات الآلاف من السكان.
وهذه الشريحة التي يمكن تسميتها بـ”كرد الداخل السوري” بقيت لعقود طويلة على هامش النقاشات السياسية الكردية، كما بقيت خارج التصورات التنظيمية لمعظم الأحزاب الكردية التي ربطت نشاطها بالمناطق ذات الأغلبية الكردية.
ومع التحولات التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، برز سؤال جوهري يتعلق بموقع هؤلاء الكرد في مستقبل القضية الكردية السورية:
هل هم مجرد تجمعات سكانية فقدت لغتها وخصوصيتها الثقافية تدريجياً، أم أنهم يشكلون احتياطاً استراتيجياً يمكن أن يعيد تعريف المشروع القومي الكردي السوري؟
واذا رجعنا الى الوراء فإن الوجود الكردي في المدن السورية الكبرى ليس ظاهرة حديثة أو طارئة.
فمنذ العصور العباسية و الأيوبية والمملوكية والعثمانية استقرت عشائر وعائلات كردية في فلسطين والاردن و دمشق وحلب وحمص وحماة وغيرها من المدن السورية.
وخلال العهد الأيوبي و العثماني شغل الكرد مواقع عسكرية وإدارية وتجارية مهمة، وبرزت أحياء كاملة ذات طابع كردي، مثل حي الأكراد (وعرف لاحقا بحي ركن الدين ) وحي القيمرية وحي ساروجة في دمشق .
إضافة إلى التجمعات الكردية الواسعة في أحياء حلب القديمة.
غير أن القرن العشرين حمل معه تحولات عميقة. فقد أدى صعود الدولة القومية الحديثة إلى تعزيز الهوية الوطنية السورية على حساب الهويات الفرعية، كما ساهمت سياسات التعريب والاندماج الحضري والهجرة الداخلية والزواج المختلط في تراجع استخدام اللغة الكردية بين أجيال واسعة من كرد المدن.
لكن المفارقة السوسيولوجية المهمة أن اللغة تراجعت بينما لم يختف الشعور بالانتماء الكردي بصورة كاملة.
وتميل بعض الحركات القومية وبعض الأحزاب الكردية إلى اختزال الانتماء القومي باللغة، لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن الهوية أكثر تعقيداً من ذلك.
فالكثير من الإيرلنديين لا يتحدثون اللغة الغيلية، ومع ذلك لا يشكك أحد في هويتهم القومية. وكذلك الحال بالنسبة لشرائح واسعة من الأرمن واليهود في الشتات.
وينطبق الأمر نفسه على قسم كبير من كرد الداخل السوري. فهؤلاء ربما فقدوا اللغة الكردية نتيجة ظروف تاريخية وعنصرية طويلة، لكنهم حافظوا على عناصر أخرى من الهوية، مثل:
الذاكرة العائلية.
الأصل العشائري.
الرواية التاريخية المشتركة.
الشعور بالانتماء إلى الجماعة الكردية.
الوعي بالخصوصية القومية.
ومن هنا فإن التعامل معهم باعتبارهم جماعات مندمجة بالكامل داخل الأكثرية العربية ، ما زالت حاضرة حتى اليوم.
وأحد أبرز أوجه القصور في العمل السياسي الكردي السوري خلال العقود الماضية تمثل في هيمنة الجغرافيا على السياسة.
فقد نشأت معظم الأحزاب الكردية في بيئة الجزيرة السورية وعفرين ، وانشغلت بمشكلات المناطق الكردية التقليدية، بينما بقي كرد المدن الكبرى خارج دائرة الاهتمام التنظيمي.
ونتيجة لذلك ظهرت مفارقة لافتة:
فبينما كانت الحركة الكردية تطالب بالاعتراف بالشعب الكردي في سوريا، فإنها عملياً لم تنجح في بناء مؤسسات تمثل جميع الكرد السوريين.
لقد تم تعريف القضية الكردية غالباً بوصفها قضية مناطق، في حين أنها في جوهرها قضية شعب موزع على جغرافيا واسعة.
وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية سياسية بحتة، فإن كرد الداخل يمثلون أحد أهم الموارد البشرية والسياسية غير المستثمرة.
فهم موجودون في:
العاصمة دمشق.
والمركز الاقتصادي في حلب.
والمدن الوسطى.
والساحل السوري.
أي أنهم منتشرون داخل مراكز الثقل السكاني والسياسي للدولة السورية.
وهذا الانتشار يمنحهم قدرة استثنائية على لعب دور الوسيط بين الحركة الكردية والمجتمع السوري الأوسع.
فبينما تُتهم الحركات الكردية أحياناً بالانحصار داخل فضاء جغرافي محدد، يستطيع كرد الداخل نقل القضية الكردية إلى قلب المجال الوطني السوري.
ويتطلب المستقبل السياسي للكرد السوريين الانتقال من مفهوم “كرد المناطق الكردية” إلى مفهوم “كرد سوريا”.
هذا التحول ليس مجرد تغيير لغوي، بل يمثل انتقالاً في الرؤية السياسية نفسها.
فبدلاً من النظر إلى الكرد باعتبارهم سكان مناطق معينة، يتم النظر إليهم باعتبارهم جماعة قومية موزعة داخل المجال الوطني السوري بأكمله.
وعندها تصبح دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وداعا جزءاً من الجغرافيا السياسية للقضية الكردية، تماماً كما هي القامشلي وعامودا وكوباني .
وضمن هذه الرؤيةفإن إعادة دمج كرد الداخل داخل المشروع القومي الكردي لا يمكن أن يتم عبر الخطاب العاطفي أو الشعارات السياسية.
بل يحتاج إلى مشروع طويل الأمد يقوم على عدة مستويات:
أولاً: إعادة إحياء الذاكرة الجماعية عبر توثيق تاريخ العائلات الكردية في المدن السورية.
ثانياً: دعم المبادرات الثقافية والتعليمية التي تعيد ربط الأجيال الجديدة باللغة والثقافة الكردية.
ثالثاً: إنشاء مؤسسات مجتمع مدني عابرة للمناطق.
رابعاً: إدخال ممثلين عن كرد المدن ضمن أي إطار سياسي كردي جامع.
خامساً: بناء شبكات شبابية وأكاديمية ومهنية تربط كرد المدن بكرد الجزيرة وعفرين وكوباني.
لا شك أن هذا المشروع سيواجه عقبات عديدة.
من أهمها:
التباعد الجغرافي.
ضعف التنظيم.
الانقسامات الحزبية.
الهجرة الواسعة.
التفاوت الثقافي بين الأجيال.
إلا أن أخطر هذه التحديات يتمثل في استمرار النظرة المناطقية الضيقة للقضية الكردية.
فإذا استمرت الحركة السياسية الكردية في تعريف نفسها ضمن حدود جغرافية ضيقة، فإنها ستخسر جزءاً مهماً من طاقتها البشرية والاجتماعية.
أما إذا نجحت في استيعاب كرد الداخل ضمن رؤية وطنية وقومية شاملة، فإنها ستكون أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الوجود الكردي في سوريا.
علما بأن مستقبل القضية الكردية في سوريا لن يتحدد فقط في الجزيرة أو عفرين أو كوباني، بل سيتحدد أيضاً في دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية و درعاوادلب …الخ . ، حيث يعيش مئات الآلاف من الكرد الذين حافظوا، بدرجات متفاوتة، على شعورهم القومي رغم عقود طويلة من الاندماج والتحولات الاجتماعية.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام النخب الكردية في المرحلة القادمة لا يتمثل فقط في الدفاع عن الحقوق القومية للكرد، بل في إعادة اكتشاف المجتمع الكردي السوري بكل تنوعاته الجغرافية والثقافية، وتحويل هذا التنوع من مصدر تشتت إلى مصدر قوة.
فحين يصبح كرد الداخل جزءاً عضوياً من المشروع السياسي الكردي، تنتقل القضية الكردية السورية من إطارها المحلي المحدود إلى فضائها الوطني الأوسع، وتتحول من قضية مناطق إلى قضية شعب كامل موزع على امتداد الجغرافيا السورية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…