شركاؤنا في العهد الجديد : لقد أضعتم فرصة لحل القضية الكردية

صلاح بدرالدين

  بخلاف مايذهب اليه البعض فان الكرد السوريين باجيالهم الثلاثة بشكل تقريبي منذ تقسيمات سايكس – بيكو وضم جزء من كرد المنطقة الى سوريا ، لايتحملون مسؤولية ظهور وتفاقم قضيتهم القومية ، لأنها بدأت منذ تجاهلهم وجودا وحقوقا في اول دستور سوري ماقبل الاستقلال ، والدساتير الأخرى من بعده ، وحتى يوم الثامن من ديسمبر / ٢٠٢٤ ، ثم ان القضية الكردية ليست الوحيدة القائمة من دون حل التي تواجهها سوريا بل هناك جملة من القضايا ، والمسائل تتعلق بمصير السوريين عموما من اقتصادية ، واجتماعية ، وسياسية ، وهم ليسوا مسؤولين عن قيامها ، وماتحيط بها من تعقيدات بل ان الأنظمة السياسية الحاكمة هي من تتحمل المسؤولية الأولى والأخيرة عن ظهورها ، وترحيلها من عهد الى آخر دون معالجة حتى يومنا هذا .

  اندلعت الثورة السورية ربيع ٢٠١١ لاستكمال مهام المعارضة الوطنية الديموقراطية منذ الاستقلال من اجل إزالة الدكتاتورية ، وتحقيق النظام الديموقراطي ، واجراء التغيير ، وفي سبيل الحرية والكرامة ، وشارك فيها مختلف الاطياف ، والمكونات القومية بمافيها الغالبية من الكرد السوريين ، الذين شعروا بحدوث نوع من المراجعة تجاه القضية الكردية ، والاعتراف بالمظلومية الكردية ، وضرورة التسليم بالحقوق والمطالب المشروعة ، وايجاد حل نهائي بعد الإطاحة بنظام الاستبداد .

مكامن الخطأ في تناول الموضوع الكردي

  أولا – ليس خافيا وقوف مجموعة – هيئة تحرير الشام – او جماعة ادلب على راس السلطة والقرار ، وبسبب خلفيتها الدينية ، وابتعادها ( التاريخي والجغرافي ) عن التعامل مع الوطنيين السياسيين الكرد ، فانها لم تكن على دراية تامة بتفاصيل ، وتعقيدات الحالة الكردية السورية الخاصة ، وبالتالي افتقارها الى تصور برنامجي لايجاد حل للقضية الكردية ، أما وجود عناصر من أصول كردية بين صفوف مقاتليها فذلك لايعني شيئا بالجانب السياسي ، لانهم التحقوا بها كأفراد وبهدف تحقيق هدف – الهيئة – وليس من اجل الحقوق الكردية .

  ثانيا – كما ليس خافيا أيضا وفي مجال توزيع مهام دعم العهد الجديد من جانب النظام السياسي العربي ، والإقليمي ، تم الاعتماد الكلي على تركيا بخصوص الحالة الكردية ، والمدخل كان ولازال موضوع – حزب العمال الكردستاني – ومسلحي – قسد – ، والإدارة الانتقالية تعلم جيدا ان القضية الكردية السورية بدأت قبل ظهور – ب ك ك – بنحو خمسين عاما ، وبالتالي لايشكل هذا الحزب بوابة ، او مدخل واقعي للتعامل مع القضية الأساسية ، من جهة أخرى يمكن الاستعانة باطراف لها تجربة ناجحة بإنجاز قضاياها القومية ، وفي حالة تركيا ومنذ قيام جمهورية أتاتورك – لانذهب ابعد – وحتى الان عجزت الأنظمة والحكومات المتعاقبة في تركيا من إيجاد أي حل لقضية كرد تركيا ، بل زادتها تعقيدا ، ومآسي إنسانية لاتعد ولاتحصى .

  ثالثا – مجرد الاعتماد على تركيا بشأن الملف الكردي ، هو استجابة لرغبة – قسد – و – ب ي د – بان موضوع كرد سوريا هو موضوع تركي ويعني ذلك ضمنيا عدم وجود موضوع كردي سوري ، وهذا ماتفق بشأنه زعيم – ب ك ك – اوجلان مع نظام حافظ الأسد منذ الثمانينات ،  ويعتبر اعترافا بذات الوقت بان قضية كرد سوريا هي قضية أمنية عسكرية وليست سياسية ، وانها مسألة خارجية وليست داخلية ، ناهيك عن موضوع السيادة الوطنية .

  رابعا – اغفال الإدارة الانتقالية لحقيقة ان الشرط الأساسي لايجاد حلول للقضية القومية مثل قضية الكرد السوريين هو الحوار مع أصحاب القضية ، وليس مع أحزاب ( لدينا نحو مائة ) ، وتشكيلات عسكرية ( نضال الحركة الكردية سياسي منذ قيامها ) ، وأصحاب القضية في الحالة الكردية السورية الخاصة ، وأمام واقع التفكك ، والانقسامات التي عصفت بالحركة السياسية الكردية منذ الخمسة عشر أعواما الأخيرة هم المنتخبون من المؤتمر الكردي السوري الجامع ، حيث قدم حراك – بزاف ” الحركة الوطنية الكردية ” مقترحا منذ الإطاحة بنظام الأسد ، يتضمن المطالبة بدعم ، وتوفير شروط ذلك المؤتمر بالعاصمة دمشق ، وعدم تجاوب الإدارة الانتقالية حتى الان يعتبر إضاعة لفرصة تاريخية  .

  خامسا – ان التجربة الفذة الناجحة الأولى لحل القضية الكردية بالعصر الحديث في المنطقة ، هي اتفاق الحكومة العراقية مع ممثلي شعب كردستان العراق الموحدين  الشرعيين والذي سمي باتفاقية الحادي عشر من آذار عام ١٩٧٠ ، وبالرغم من تراجع نظام البعث الا ان تلك الاتفاقية أصبحت منطلقا لحل القضية الكردية في العراق .

  سادسا – المرسوم – ٢٣ – لعام ٢٠٢٦ ، بشأن بعض الحقوق الثقافية الكردية ، خطوة تاريخية فريدة في التاريخ السوري يسجل للرئيس الانتقالي ، ولكنها ليست المدخل الوحيد لحل القضية الكردية كموضوع سياسي ، حقوقي ، ومع ذلك فان المؤتمر المنشود يمكن ان ينطلق منها لاستكمال الخطوات الأساسية عبر الحوار وصولا الى الحلول التوافقية ، على قاعدة الشراكة الحقيقية ، وهناك خيارات عديدة استنادا الى تجارب الشعوب ، والتجربة الكردية الخاصة .

  سابعا – لااعتقد ان الرهان على الوقت سيؤدي الى تبديل جوهر القضية ، أو تخطي حقيقة  سمتها القومية ، والحقوقية ، وليس مفهوما البتة ذلك الحذر المبالغ فيه حول هذا الموضوع ، أو التذرع بالحفاظ على وحدة البلاد ، فالمطالب الكردية المختلفة لاتتخطى وحدة المصير المشترك ، وكلها تطرح في اطار سوريا الواحدة الموحدة .

   إضاعة الفرص في اللحظات الحاسمة خسارة كبرى ، ولكنها قد تعوض بشرط ان لايفوت الأوان .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…