ريزان شيخموس
في الرابع عشر من حزيران من كل عام، تستعيد الذاكرة الكردية في سوريا محطة مفصلية في تاريخها السياسي، تتمثل في تأسيس أول حزب سياسي كردي عام 1957. وقد شكّل هذا الحدث نقطة تحول مهمة نقلت العمل القومي الكردي من إطار النشاط الثقافي والاجتماعي إلى مستوى التنظيم السياسي المنظم، الذي حمل مطالب الكرد القومية والوطنية ودافع عنها في مواجهة سياسات الإنكار والتهميش التي تعرضوا لها لعقود طويلة.
ورغم أن تأسيس الحزب الأول لم يكن بداية الوعي القومي الكردي بقدر ما كان تتويجاً لمسار طويل من النضال الفكري والاجتماعي والسياسي، فإن الحركة السياسية الكردية استطاعت خلال العقود اللاحقة أن تكرّس حضورها في المشهد السوري، وأن تحافظ على الهوية القومية الكردية في ظروف اتسمت بالقمع والملاحقة والحرمان من الحقوق الأساسية.
واليوم، وبعد ما يقارب سبعة عقود على تلك البداية، تواجه الحركة السياسية الكردية مرحلة جديدة تفرض عليها مراجعة شاملة لتجربتها ومسارها. فالتطورات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تحولات سياسية واجتماعية وأمنية عميقة، أعادت تشكيل موازين القوى وفرضت تحديات جديدة على مختلف الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم القوى الكردية.
شهد المجتمع الكردي في سوريا خلال العقود الأخيرة تنامياً ملحوظاً في مستوى الوعي القومي والانخراط في الشأن العام. وقد أسهمت التجارب المتراكمة والأحداث الكبرى التي مرت بها المنطقة في تعزيز الشعور بالهوية القومية الكردية وزيادة الاهتمام بالقضية الكردية وحقوق الشعب الكردي. كما ارتفعت مستويات المشاركة السياسية والثقافية والمدنية، وتوسعت مساهمة الكرد في مختلف مجالات النضال والدفاع عن مجتمعهم وحقوقهم.
غير أن هذا التطور في الوعي القومي لم ينعكس بالدرجة نفسها على واقع الحركة السياسية الكردية. فبينما ازدادت مكانة القضية الكردية في الوعي الجمعي، عانت الأحزاب والقوى السياسية من حالة من الجمود التنظيمي والفكري والسياسي، انعكست في ضعف القدرة على مواكبة التحولات المتسارعة وتراجع فاعلية الخطاب السياسي. كما أسهم استمرار الانقسامات والخلافات الحزبية في الحد من إمكانية بناء مشروع سياسي جامع أو رؤية قومية مشتركة، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين تطلعات المجتمع الكردي ومستوى أداء مؤسساته السياسية.
ولا يمكن تفسير هذا التراجع بعامل واحد، بل هو نتاج مجموعة من الأسباب المتداخلة والمتراكمة. فقد عانت الأحزاب الكردية خلال العقود الماضية من الانقسامات المتكررة والتشظي التنظيمي، ما أدى إلى إضعاف قدرتها على التأثير السياسي والجماهيري. وتحولت الخلافات السياسية مع مرور الوقت إلى انقسامات هيكلية أفرزت عشرات الأحزاب والتنظيمات التي غالباً ما تفتقر إلى البرامج السياسية المتجددة والرؤى الاستراتيجية الواضحة.
كما لم تتمكن معظم الأحزاب من تطوير بنيتها التنظيمية بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع الكردي، واستمرت في الاعتماد على آليات عمل تقليدية وخطاب سياسي لم يعد قادراً على استيعاب متطلبات المرحلة أو جذب الأجيال الشابة. وإلى جانب ذلك، أدت التحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة بعد عام 2011 إلى ظهور قوى سياسية وعسكرية جديدة تمتلك أدوات مختلفة للتأثير، الأمر الذي وضع الأحزاب التقليدية أمام تحديات غير مسبوقة في الحفاظ على دورها ومكانتها.
وإلى جانب العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، لا يمكن تجاهل أثر التدخلات الكردستانية في الشأن الكردي السوري، والتي لعبت دوراً مؤثراً في تشكيل مسارات العمل السياسي والتنظيمي خلال العقود الماضية. فقد كان لتدخل حزب العمال الكردستاني تأثير مباشر على مجمل الحالة السياسية والتنظيمية الكردية في سوريا، حيث جرى في كثير من الأحيان توظيف الساحة الكردية السورية وإمكاناتها البشرية والسياسية ضمن أولويات وأجندات حزبية لا تنسجم دائماً مع خصوصية القضية الكردية السورية ومتطلبات تطورها الوطني والسياسي.
وقد انعكس ذلك على استقلالية القرار السياسي الكردي السوري، وأسهم في إضعاف فرص بناء مؤسسات وطنية مستقلة ورؤية سياسية تنطلق من احتياجات المجتمع الكردي في سوريا ومصالحه المباشرة. كما أدى تداخل الأجندات الحزبية العابرة للحدود مع الواقع السوري إلى تعقيد المشهد السياسي وإضافة عوامل جديدة من الانقسام والتشظي. وتزداد أهمية هذه المسألة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كرد سوريا كانوا على الدوام جزءاً أساسياً من الحركة القومية الكردية العامة، وقدموا تضحيات كبيرة دعماً للقضية الكردية في مختلف أجزاء كردستان. إلا أن هذا الدور لا ينبغي أن يكون على حساب استقلالية القرار السياسي الكردي السوري أو خصوصية قضيته الوطنية، الأمر الذي يجعل من إعادة الاعتبار لمبدأ استقلالية القرار السياسي الكردي ضرورة أساسية لبناء علاقات قومية متوازنة تقوم على التعاون والتضامن والاحترام المتبادل بعيداً عن أي أشكال من الوصاية أو التبعية.
وبعد سقوط نظام الأسد ودخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، برزت أمام القوى السياسية الكردية فرص مهمة لإعادة صياغة دورها وتعزيز حضورها في المعادلة الوطنية السورية. ومن أبرز هذه الفرص ما تحقق خلال مؤتمر السادس والعشرين من نيسان/أبريل 2025، الذي أفرز رؤية سياسية كردية متقدمة وأسفر عن تشكيل وفد كردي موحد للتفاوض مع السلطة الجديدة، وقد حظيت هذه الجهود بدعم كردستاني واسع، ولا سيما من الرئيس مسعود بارزاني الذي لعب دوراً مهماً في تشجيع التقارب ووحدة الصف الكردي.
إلا أن هذه الفرصة لم تُستثمر بالشكل المطلوب. فبعد التوافق على رؤية سياسية كردية مشتركة وتشكيل وفد كردي موحد لتمثيل الموقف الكردي، كان من المفترض أن تُدار العملية التفاوضية من خلال هذه المرجعية المشتركة التي جاءت ثمرة جهود طويلة من الحوار والتفاهم بين القوى السياسية الكردية. غير أن قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يتمركز قرارها السياسي في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، اختارت المضي في مسار تفاوضي منفصل مع سلطة دمشق، بعيداً عن الإطار الذي تم التوافق عليه، ودون إشراك الوفد الكردي الموحد بصورة فعلية في إدارة العملية التفاوضية. وقد جاء ذلك على حساب الدور الذي كان من المفترض أن يضطلع به الوفد المشترك، والذي شكّل المجلس الوطني الكردي أحد مكوناته الرئيسية بوصفه شريكاً أساسياً في صياغة الرؤية السياسية الكردية المشتركة ومخرجات مؤتمر 26 نيسان 2025.
وأدى هذا النهج إلى إضعاف الجهود الرامية إلى توحيد الموقف الكردي، وأعطى انطباعاً بوجود أكثر من مرجعية سياسية للتفاوض، الأمر الذي انعكس سلباً على القدرة التفاوضية للكرد في مرحلة كانت تتطلب أعلى درجات التنسيق والعمل المشترك. كما أتاح لسلطة دمشق فرصة الاستفادة من حالة التباين داخل الساحة الكردية والتعامل مع الأطراف الكردية بصورة منفصلة بدلاً من التعامل مع موقف سياسي موحد يستند إلى التوافقات الكردية التي أُنجزت بصعوبة خلال المرحلة السابقة.
ومن الواضح أن السلطة في دمشق لم تُظهر حتى الآن جدية كافية في التعاطي مع جوهر القضية الكردية باعتبارها قضية سياسية ودستورية تتعلق بحقوق شعب ومكون رئيسي من مكونات البلاد. بل إن المقاربة السائدة ما زالت تميل إلى اختزال القضية في بعض الترتيبات الإدارية أو المناصب، في حين أن جوهر القضية يتطلب حواراً سياسياً مباشراً ومسؤولاً يفضي إلى حل وطني شامل. كما أن عدم اتخاذ خطوات ملموسة لتنفيذ مضامين المرسوم رقم (13) يعزز الشكوك حول مدى استعداد السلطة للانتقال من مرحلة إدارة الملف الكردي إلى مرحلة معالجة أسبابه وجذوره.
فالقضية الكردية في سوريا لا يمكن أن تُحل عبر إجراءات جزئية أو تفاهمات مؤقتة، وإنما من خلال مفاوضات سياسية جادة ومباشرة بين ممثلي الشعب الكردي والسلطة السورية، تفضي إلى التوافق على صيغة دستورية وقانونية واضحة تعترف بالحقوق القومية للشعب الكردي وتكفل ضمانها ضمن دستور البلاد. كما أن بناء سوريا الجديدة على أسس الديمقراطية والاستقرار يتطلب الاعتراف بالكرد كشريك وطني حقيقي في صياغة مستقبل الدولة ومؤسساتها، وليس مجرد طرف يُمنح بعض المواقع أو الأدوار الشكلية. فالشراكة الوطنية الحقيقية تبدأ بالاعتراف الدستوري والسياسي المتبادل، وتنتهي ببناء دولة المواطنة والعدالة التي تضمن حقوق جميع مكوناتها دون استثناء.
وفي الوقت نفسه، تبرز العلاقة مع الجيل الشاب بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب الكردية اليوم. فقد شهد المجتمع الكردي خلال العقدين الأخيرين تحولات كبيرة على مستوى التعليم والانفتاح الإعلامي والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى ظهور جيل جديد يمتلك تطلعات وأسئلة مختلفة عن الأجيال السابقة. ويشعر كثير من الشباب بأن الخطاب السياسي التقليدي لم يعد قادراً على التعبير عن أولوياتهم المرتبطة بالحريات والديمقراطية والتنمية وفرص العمل والمشاركة السياسية الفاعلة، كما أن غياب آليات حقيقية لتجديد القيادات وإشراك الشباب في مواقع صنع القرار أسهم في اتساع الفجوة بين الأحزاب والجيل الجديد.
ولا يمكن للحركة السياسية الكردية أن تستعيد حيويتها من دون الاعتراف بهذه المشكلة والعمل على معالجتها. فالمستقبل السياسي للقضية الكردية يرتبط إلى حد كبير بقدرة الأحزاب على استيعاب طاقات الشباب وإشراكهم بصورة فعلية في رسم السياسات واتخاذ القرارات، كما أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي وتحليل البيانات، تفرض على الأحزاب السياسية تبني أدوات وأساليب عمل جديدة تساعدها على فهم المجتمع والتواصل معه بصورة أكثر فاعلية.
إن إعادة بناء حركة سياسية كردية قوية ومؤثرة تتطلب أولاً الاعتراف بوجود أزمة حقيقية على المستويات التنظيمية والسياسية والفكرية، ثم الانتقال إلى معالجة أسبابها بصورة جدية ومسؤولة. وتبدأ هذه العملية من تعزيز الوحدة والتنسيق بين القوى السياسية المختلفة، والعمل على بناء رؤية سياسية مشتركة تستند إلى المصالح العليا للشعب الكردي في سوريا بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.
كما يتطلب الأمر تطوير المؤسسات الحزبية وآليات عملها بما ينسجم مع مبادئ الديمقراطية الداخلية والشفافية والمساءلة، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات العلمية والثقافية والاجتماعية للمشاركة الفعلية في مواقع القيادة وصنع القرار. وفي الوقت نفسه، تبرز الحاجة إلى تجديد الخطاب السياسي وصياغة مشروع وطني ديمقراطي يربط بين الحقوق القومية الكردية وقضايا الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان في سوريا عموماً. فنجاح أي مشروع سياسي كردي مستقبلي سيعتمد على قدرته في بناء شراكات وطنية واسعة مع مختلف المكونات السورية، وتقديم رؤية واقعية تسهم في بناء دولة المواطنة والقانون.
كذلك، أصبح الاستثمار في البحث والدراسات والتخطيط الاستراتيجي ضرورة أساسية، لأن التعامل مع المتغيرات السياسية والاجتماعية المتسارعة لم يعد ممكناً من خلال ردود الأفعال أو الشعارات العامة، بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة وتحليل الواقع واستشراف المستقبل.
بعد ما يقارب سبعين عاماً على تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا، تقف الحركة السياسية الكردية أمام مرحلة مفصلية جديدة قد تكون من أهم مراحل تاريخها الحديث. فبين إرث طويل من النضال والتضحيات والإنجازات، وبين تحديات الواقع الراهن ومتغيرات المرحلة المقبلة، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة سياسية وتنظيمية وفكرية شاملة تعيد وصل الحركة بمجتمعها وتمنحها القدرة على مواكبة التحولات الجارية.
لقد نجحت الحركة السياسية الكردية في الحفاظ على الهوية القومية والدفاع عن الحقوق الكردية في ظروف بالغة الصعوبة، إلا أن متطلبات المرحلة الحالية تتجاوز مهمة الحفاظ على المكتسبات إلى ضرورة تطوير أدوات العمل السياسي وتجديد الخطاب والمؤسسات وتعزيز استقلالية القرار السياسي الكردي السوري.
إن مستقبل الحركة السياسية الكردية لن يتحدد فقط بحجم التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على استثمار الفرص المتاحة، وتوحيد صفوفها، والانفتاح على الشباب والكفاءات، وبناء مشروع سياسي عصري يجمع بين الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي والمساهمة الفاعلة في بناء سوريا ديمقراطية تعددية تضمن الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية لجميع أبنائها. وفي ذلك تكمن الفرصة الحقيقية لتحويل الوعي القومي المتقدم الذي يمتلكه المجتمع الكردي إلى قوة سياسية منظمة ومؤثرة، قادرة على الدفاع عن حقوقه والمشاركة الفاعلة في رسم مستقبل سوريا الجديدة.