عزالدين ملا
نادراً ما تواجه الحركات السياسية امتحاناً أكثر تعقيداً من ذلك الذي ينشأ عندما يتحول تاريخها النضالي، بكل ما يحمله من شرعية ورمزية، إلى إطار ذهني يحدّ من قدرتها على استشراف المستقبل. فالتجارب السياسية الكبرى لا تدخل أزماتها الحقيقية عند لحظات الضعف أو الهزيمة، بل عندما تصبح منجزاتها التاريخية نفسها مرجعية مغلقة تعيق إنتاج رؤى جديدة تتناسب مع التحولات المتسارعة في المجتمع والدولة والنظام الإقليمي. وفي هذا السياق تحديداً، تقف الحركة السياسية الكردية في سوريا أمام واحدة من أكثر لحظاتها مفصلية منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي عام 1957.
فإذا كانت العقود السابقة قد انشغلت بسؤال البقاء في مواجهة سياسات الإنكار والإقصاء والتهميش، فإن السؤال المركزي اليوم بات مختلفاً في جوهره، كيف يمكن لحركة سياسية نشأت في سياق تاريخي معين أن تعيد تعريف ذاتها ووظيفتها في سياق جديد تتبدل فيه طبيعة الصراعات وأشكال الشرعية ومفاهيم التمثيل السياسي؟ إن المسألة لم تعد تتعلق فقط بالحفاظ على الهوية القومية أو الدفاع عن الحقوق الكردية، بل بمدى قدرة الحركة السياسية على الانتقال من موقع الحارس للذاكرة الجماعية إلى موقع الفاعل القادر على إنتاج المستقبل.
لقد أدّت الأحزاب الكردية على امتداد عقود طويلة، دوراً تاريخياً محورياً في صيانة الوعي القومي الكردي وحماية القضية الكردية من محاولات الطمس والاندثار. وكانت في ظل غياب المؤسسات الديمقراطية واحتكار المجال العام من قبل الدولة السلطوية المستبدة لنظام البعث والأسد البائد، الإطار السياسي الرئيس الذي احتضن التطلعات الجماعية للكرد ومنحها شكلاً تنظيمياً وسياسياً. غير أن التحولات العميقة التي شهدتها سوريا خلال العقدين الأخيرين، ولا سيما بعد عام 2011، كشفت في الوقت ذاته عن فجوة متزايدة بين الشرعية التاريخية التي تمتلكها الحركة السياسية وبين قدرتها على إنتاج أدوات جديدة للاستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية مضاعفة مع دخول سوريا طوراً سياسياً جديداً يفرض على مختلف الفاعلين السياسيين مراجعة أسس عملهم وخياراتهم الاستراتيجية. فالمجتمعات لا تعيش على الذاكرة وحدها، كما أن الشرعية السياسية ليست معطى ثابتاً يُكتسب مرة واحدة وإلى الأبد. فالشرعية في معناها الديناميكي تُعاد صياغتها باستمرار من خلال قدرة الفاعلين السياسيين على فهم التحولات الاجتماعية والاستجابة للتحديات المستجدة. ومن هذا المنظور، تبدو الحركة السياسية الكردية أمام استحقاق تاريخي يتجاوز مسألة الحفاظ على المكتسبات، ليصل إلى إعادة بناء مشروع سياسي قادر على المواءمة بين الخصوصية القومية ومتطلبات الشراكة الوطنية في سوريا المستقبل.
وتكمن الإشكالية الأعمق في أن الأزمة الراهنة ليست أزمة قضية بل أزمة تمثيل. فالقضية الكردية لم تشهد تراجعاً في حضورها الاجتماعي أو الرمزي بل على العكس من ذلك شهد الوعي القومي الكردي خلال العقود الأخيرة توسعاً ملحوظاً بفعل ارتفاع مستويات التعليم، واتساع فضاءات التواصل وتراكم الخبرات السياسية والاجتماعية. إلا أن هذا التطور المجتمعي لم ينعكس بالقدر نفسه على بنية المؤسسات السياسية. وهنا تتجلى مفارقة أساسية، ففي الوقت الذي تطور فيه المجتمع الكردي بوتيرة متسارعة، بقيت أجزاء واسعة من الحركة السياسية أسيرة أنماط تنظيمية وخطابية تعود إلى مراحل تاريخية سابقة.
ومن منظور علم السياسة، يمكن توصيف هذه الحالة بوصفها أزمة تكيّف مؤسساتي. فالمؤسسات السياسية التي تعجز عن مواكبة التحولات الاجتماعية تفقد تدريجياً قدرتها على تمثيل القواعد التي نشأت أصلاً للدفاع عن مصالحها. ولذلك فإن التحدي الذي تواجهه الحركة السياسية الكردية لا يرتبط فقط بتجديد القيادات أو تعديل البرامج، بل بإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة وبين الحزب والجمهور وبين الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية المعاصرة.
وفي هذا الإطار، تبدو الانقسامات الحزبية أكثر من مجرد خلافات تنظيمية أو تنافس سياسي طبيعي. فهي تعكس في جانب مهم منها أزمة بنيوية تتعلق بغياب إطار جامع قادر على إنتاج رؤية استراتيجية موحدة. فمع تزايد عدد الأحزاب والتنظيمات وتكرار الانشقاقات، تراجعت القدرة على تشكيل مركز سياسي يمتلك شرعية التمثيل وفاعلية القرار. وهكذا وجد المجتمع الكردي نفسه أمام تعددية تنظيمية لا تقابلها بالضرورة تعددية فكرية أو استراتيجية، ما أدى إلى تشظي المجال السياسي وتراجع قدرته على التأثير في اللحظات التاريخية الحاسمة.
ولا تقتصر هذه الأزمة على البنية التنظيمية، بل تمتد إلى الحقل الفكري ذاته. فالكثير من الخطابات السياسية ما تزال تتحرك ضمن أفق مفاهيمي تشكل في سياقات مختلفة عن السياق الراهن. بينما تتطلب المرحلة الحالية إعادة إنتاج خطاب سياسي جديد يتعامل مع قضايا الدولة والدستور واللامركزية والديمقراطية والتنمية والاقتصاد والعلاقات الإقليمية بوصفها مكونات مترابطة ضمن رؤية شاملة. فالقضية الكردية لم تعد مجرد مطالبة بالاعتراف الثقافي أو الحقوقي بل أصبحت جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بكيفية إعادة تأسيس الدولة السورية على أسس أكثر عدالة وتعددية ومواطنة.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فهم واقع الحركة السياسية الكردية بمعزل عن السياقات الإقليمية والدولية التي تتحرك ضمنها. فالقضية الكردية كانت تاريخياً جزءاً من شبكة معقدة من التوازنات الجيوسياسية وتعرضت باستمرار لتأثيرات المصالح المتقاطعة للقوى الإقليمية والدولية. وقد ازدادت هذه الحقيقة وضوحاً بعد عام 2011، حين تحولت المناطق الكردية إلى أحد الفضاءات المركزية في الصراعات الإقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة السورية. غير أن التجارب السياسية المقارنة تشير إلى أن أثر العوامل الخارجية يبقى محدوداً عندما تمتلك القوى السياسية مشروعاً واضحاً ومؤسسات قوية وآليات فاعلة لصناعة القرار. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن العامل الخارجي يؤثر في مسار الفاعلين السياسيين، لكنه لا يصنع قوتهم أو ضعفهم من العدم.
وفي ضوء التحولات الجارية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تبرز أمام الحركة السياسية الكردية فرصة تاريخية نادرة لإعادة تعريف دورها وموقعها. فالمراحل الانتقالية الكبرى لا تفتح المجال فقط لإعادة توزيع السلطة بل لإعادة صياغة التصورات الجماعية حول الدولة والمواطنة والعقد الاجتماعي. وفي مثل هذه اللحظات لا تكفي شرعية التضحيات السابقة لضمان الحضور السياسي بل يصبح معيار الفاعلية مرتبطاً بالقدرة على تقديم مشاريع قابلة للحياة ورؤى واقعية للمستقبل.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في الدفاع عن الإرث التاريخي للحركة السياسية الكردية بل في تحويل هذا الإرث إلى قاعدة انطلاق نحو مشروع جديد. مشروع يربط بين الحقوق القومية المشروعة للكرد وبين متطلبات بناء دولة ديمقراطية تعددية تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة السياسية والعدالة المؤسسية. فنجاح أي مشروع كردي مستقبلي لن يقاس فقط بقدرته على حماية الخصوصية القومية بل أيضاً بقدرته على الإسهام في إنتاج حلول وطنية شاملة للأزمة السورية.
كما أن مستقبل الحركة السياسية الكردية سيبقى مرهوناً بقدرتها على بناء علاقة جديدة مع الأجيال الشابة. فالشباب المعاصر لا يبحث عن شرعية التاريخ بقدر ما يبحث عن شرعية المشاركة والإنجاز. وهو أكثر حساسية تجاه قضايا الشفافية والحوكمة والكفاءة والمؤسساتية، وأقل استعداداً للانخراط في الأطر السياسية التقليدية التي لا تتيح له دوراً حقيقياً في صناعة القرار. ولذلك فإن أي عملية تجديد جادة لا يمكن أن تتحقق من دون إعادة بناء العلاقة بين الأحزاب والمجتمع على أسس أكثر ديمقراطية وانفتاحاً.
لذا، فإن الذكرى السابعة والستين لتأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا ينبغي أن تُقرأ بوصفها لحظة للتأمل النقدي أكثر من كونها مناسبة للاحتفاء الرمزي. فالقيمة الحقيقية للتجارب السياسية لا تكمن في قدرتها على البقاء فحسب بل في قدرتها على مراجعة ذاتها وإعادة إنتاج شروط استمرارها التاريخي. فالحركات التي تكتفي باستحضار أمجاد الماضي تنتهي تدريجياً إلى التهميش، أما تلك التي تمتلك شجاعة النقد الذاتي وإرادة التجدد فإنها تبقى قادرة على التكيف والتأثير وصناعة المستقبل.
لقد نجحت الحركة السياسية الكردية عبر عقود طويلة في صون الهوية القومية والحفاظ على القضية الكردية في أكثر الظروف قسوة. أما التحدي التاريخي المطروح أمامها اليوم فيكمن في الانتقال من شرعية الذاكرة إلى شرعية الفعل ومن رمزية النضال إلى فاعلية الإنجاز، ومن إدارة التعدد والانقسام إلى بناء مشروع سياسي جامع قادر على المساهمة في صياغة مستقبل الكرد وسوريا معاً. وفي هذا التحول بالذات تتحدد مكانة الحركة السياسية الكردية ودورها في العقود القادمة.