شادي حاجي
بمناسبة مرور 69 عاماً على تأسيس أول حزب كردي في سوريا، تبدو هذه المناسبة فرصة مناسبة لإجراء مراجعة نقدية هادئة لمسار الحركة السياسية الكردية، بعيداً عن منطق التمجيد أو الإدانة، وبهدف فهم التجربة واستخلاص الدروس الضرورية للمستقبل.
لا شك أن الأحزاب الكردية لعبت دوراً مهماً في الحفاظ على الهوية القومية الكردية والدفاع عن الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية للكرد في سوريا، وأسهمت في إبقاء القضية الكردية حاضرة في الحياة السياسية السورية رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد. كما يُسجل لها تبنيها المتكرر لمبادئ الديمقراطية والتعددية والعمل السياسي السلمي.
لكن مرور ما يقارب سبعة عقود على انطلاق العمل الحزبي الكردي يفرض طرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة الأدوات والخطابات التقليدية على مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا والمنطقة والعالم. فالتجارب السياسية لا تُقاس بتاريخها فقط، بل بقدرتها على التجدد وإعادة إنتاج نفسها بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة.
لقد كشفت السنوات الماضية عن حاجة حقيقية إلى مراجعة بعض المفاهيم والأساليب التنظيمية والسياسية، بما في ذلك حالة الانقسام الحزبي المزمنة، وضعف مشاركة الكفاءات الشابة، ومحدودية تجديد النخب القيادية، فضلاً عن غياب رؤية موحدة وقادرة على تحويل المطالب الكردية إلى مشروع سياسي وطني قابل للتحقق ضمن الدولة السورية.
إن التحدي الأساسي اليوم لا يكمن فقط في المطالبة بالحقوق، بل في تطوير أدوات أكثر فاعلية لتحقيقها. وهذا يتطلب انتقالاً تدريجياً من العمل السياسي التقليدي إلى عمل مؤسساتي يعتمد الدراسات والبرامج والسياسات العامة والدبلوماسية السياسية والقانونية، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية والحقوقية والاقتصادية التي يمتلكها الجيل الكردي الجديد.
كما أن المرحلة الراهنة تستدعي فتح المجال أمام الشباب والكفاءات لتولي مواقع مؤثرة في عملية صنع القرار، وتجديد البنية التنظيمية للأحزاب والحركات السياسية، بما يضمن مرونة أكبر في اتخاذ القرار وقدرة أعلى على التفاعل مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.
ومن القضايا التي تستحق نقاشاً جدياً أيضاً مسألة مركز الثقل السياسي للحركة الكردية السورية. فطالما أن القضية الكردية في سوريا هي جزء من القضية الوطنية السورية، فإن تعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي في دمشق، بوصفها مركز القرار السياسي ومكان صياغة الدستور والقوانين والسياسات العامة، يصبح ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي نشاط سياسي آخر. فالتأثير في مستقبل الحقوق والحريات والمواطنة لا يتحقق فقط عبر الخطاب السياسي، بل عبر الحضور الفاعل في المؤسسات الوطنية ومراكز صنع القرار.
إن المطلوب اليوم ليس التخلي عن الثوابت أو الحقوق المشروعة، بل إعادة صياغة وسائل النضال وآليات العمل بما يتناسب مع واقع جديد يختلف كثيراً عن الظروف التي نشأت فيها الحركة السياسية الكردية قبل عقود. فالمراجعة ليست تراجعاً عن المبادئ، بل شرطاً لتطويرها وتحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ.
إن نجاح الحركة السياسية الكردية في المرحلة المقبلة سيعتمد إلى حد كبير على قدرتها على الانتقال من منطق المحافظة على الأطر التقليدية إلى منطق بناء مشروع سياسي أكثر وحدة ومرونة وانفتاحاً، مشروع يستفيد من طاقات الشباب والكفاءات، ويعزز حضوره داخل الفضاء الوطني السوري، ويجعل من الحقوق الكردية جزءاً من مشروع ديمقراطي سوري شامل.
فبعد سبعة عقود من العمل السياسي، ربما لم يعد السؤال كيف نحافظ على ما هو قائم، بل كيف نبني أدوات أكثر فاعلية وقدرة على تحقيق الأهداف التي ناضلت من أجلها أجيال متعاقبة من الكرد السوريين.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً وتأثيراً