ما بعد الأحزاب: المجتمع المدني والقوة الناعمة كبديل استراتيجي للنضال الكردي  في روجافا

د . مرشد اليوسف 

يتناول هذا التحليل حالة الإحباط الشعبي الكردي في إقليم روجافا (شمال وشرق سوريا) من الأداء الحزبي، حيث يتجاوز عدد الأحزاب الكردية المئة حزب دون أن يُحدث ذلك اختراقاً مهما  في تحقيق الأهداف القومية أو تحسين حياة المواطن.

ومع سقوط نظام الأسد في دمشق، يواجه الكرد  استحقاقات كبرى تتطلب مقاربة جديدة .

وهذه المقالة  تطرح  سردية مفادها أن المرحلة القادمة تحتاج إلى تحول جذري ، من السياسة الحزبية التقليدية  إلى الاعتماد على المجتمع المدني المنظم .

والقوة الناعمة، والنشاط السلمي كأدوات ضغط فاعلة لنيل الحقوق المشروعة.

وفي أي مجتمع، يُفترض أن تعدد الأحزاب يعكس حيوية الديمقراطية وتنوع الآراء .

و لكن في روجافا، تحول هذا العدد إلى معضلة.

، وهي في معظمها أحزاب “أريكة” بلا جماهير.

و المشترك بينها أنها جميعاً، باستثناءات محدودة، فشلت في وظيفتها الأساسية،   وترجمة النضال القومي إلى الحقوق السياسية والإقتصادية والاجتماعية الملموسة للشعب الكردي.

 ولم يلمس المواطن الكردي في قامشلو أوالحسكة او عفرين أو ديريك …الخ .

 أثراً لفاعلية معظم هذه الأحزاب ، بل عاش تجارب متكررة من الانقسام، والولاءات الخارجية، واستنزاف الطاقات في الصراعات الداخلية .

 بينما كانت التحديات الكبرى –  السياسية والعسكرية  تتربص  من جميع  الجهات .

وهنا أقترح تحولاً نحو الفعل المدني السلمي كخيار استراتيجي في هذه المرحلة الإانتقالية الخطيرة.

 ولكن لماذا عجزت  الأحزاب الكردية؟

يمكن إرجاع فشل هذه الأحزاب إلى ثلاثة مستويات متراكبة مثل  الانقسام والتشرذم الهيكلي ،  فمع وجود أكثر من مئة حزب، لا يوجد أي منها بوزن قادر على تمثيل الكرد  في مفاوضات ناجحة  مع دمشق أو الأطراف الدولية. وعندما شكلت  “كتلة تفاوضية موحدة” في نيسان  2025،لم تستطع الالتزام

بمخر جاتها  بل هرولت منفردة أو مجتمعة  بإتجاه السلطة  .

 وأنتجت  فوضى سياسية جعلت المطالب الكردية قابلة للاختراق والتفكيك.

 كما ان التبعية والولاءات الخارجية (الاقليمية والدولية)جعلت  بعض هذه الأحزاب تعمل فعلياً كأجنحة لأجندات إقليمية  مما جعل القرار الكردي في روجافا مشلولاً أو متضارباً.

والشعب الكردي دفع ثمن هذه التبعية، من الحصار الاقتصادي إلى العمليات العسكرية.

و تحولت أغلب الأحزاب إلى كيانات نخبوية وفوقية  مغلقة، همها الأول البقاء في المشهد،

ومع تغير نظام الحكم في دمشق (سقوط الأسد)، دخلت سوريا مرحلة انتقالية بالغة التعقيد. والاستحقاقات الكردية لم تختف بل أصبحت أكثر إلحاحاً .

 وهي ضمان الحكم الذاتي المحلي  في الدستور الجديد .

و في هذه المرحلة الحساسة ،  لن تصلح الاحزاب  الكردية كأدوات ضغط.

 فالوضع الجديد يتطلب فاعلاً سياسياً مختلفاً وليس وسيطاً بل ضاغطاً من الأسفل.

 وهنا تظهر ضرورة الانتقال من البنية الحزبية الهرمية إلى العمل المدني الشبكي.

المتمثل  بالمجتمع المدني، والقوة الناعمة، والنضال السلمي المنظم .

والمسؤولية الكبرى التي تقع اليوم على عاتق المجتمع الكردي في روجافا هي تجاوز الأحزاب نحو خيارات ثلاث:

–  المجتمع المدني كقوة ضغط سياسي  بدلاً من حزب يطالب.

 ويمكن لنقابات المعلمين، واتحادات المر اة  وجمعبات  الفلاحين والعمال ،  ونقابات  المحامين، ومنظمات حقوق الإنسان، وتجمعات الشباب والنساء أن تشكل لوبيات ضغط منظمة. وسقف مطالبها سيكون حقوقياً ودستورياً خالصاً (الحق في التمثيل، الحق في التعليم بلغة الأم، الحق في الأمن الجماعي).

و الضغط عبر المجتمع المدني أكثر شرعية ومصداقية على المستويين المحلي والدولي، ويصعب اتهامه بـ “الانفصالية” أو “التبعية الخارجية”.

واستخدام  القوة الناعمة (Soft Power) كأداة ترسيخ للوجود .

وجامعة روجافا  والأدوات الثقافية والمعرفية  يمكن أن تتحول إلى مركز أبحاث للحكومات المحلية في سوريا . والاعتماد على الاحتجاجات المدنية السلمية، والاعتصامات أمام المؤسسات الحكومية  للمطالبة بالحقوق المحددة، وتنظيم حملات المقاطعة الاقتصادية المدروسة. واستخدام الإجراءات القانونية .

 هذه التكتيكات تجعل المعركة سياسية/حقوقية بحتة، لا تمنح أي طرف (محلياً أو دولياً) ذريعة للتصعيد العسكري.

وضمن هذا السياق  فإن المجتمع الكردي أمام لحظة تأسيسية جديدة

ما لم يعد صالحاً اليوم هو انتظار “حزب المنقذ” أو الاعتماد على التنظيمات التقليدية التي أثبتت فشلها التاريخي. والاستحقاق الكردي في سوريا الجديدة لن يحل عبر المفاوضات الخاصة المغلقة، بل عبر الانتفاضات المدنية الهادئة والمنظمة تحت سقف حقوق المواطنة والدستور.

والخيار الاستراتيجي أمام الكرد في روجافا واضح:

 إما أن يظلوا رهائن لأكثر من مئة حزب عاجز، فيفقدون ما تبقى من نفوذ في دمشق الجديدة.

 أو أن يصنعوا بديلاً مدنياً قوياً، يصبح معه الصوت الكردي واضحاً، جماعياً، وسلمياً، وفي موقع ضغط لا يُمكن تجاوزه. واللحظة الحالية لا تحتمل المزيد من التجارب .

 إنها لحظة أن يمسك المجتمع الكردي بزمام مستقبله بنفسه.

وعلى هذا الأساس يمكن :

– تأسيس مجلس مدني موحد يضم منظمات المجتمع المدني الكردي دون التمثيل الحزبي.

– الانتقال من التفاوض عبر الأحزاب إلى التفاوض عبر لوبيات مهنية وحقوقية.

–  تبني استراتيجية إعلامية “ناعمة” بالعربية والكردية تخاطب الرأي العام السوري بأكمله.

– تنظيم دورات تدريبية في النضال السلمي وبناء الائتلافات المدنية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل الحرب الأمريكية على إيران، وحسابات القوى الكبرى، ومستقبل المشروع الوطني الكوردي في شرق أوسط يُعاد تشكيله من جديد إن الخطر على الكورد لا يكمن فقط في نتائج الحرب، بل في أن تُصنع التحولات القادمة وهم منقسمون. فحين تتصارع الإمبراطوريات، تصبح وحدة الموقف الوطني الكوردي أهم من أي وقت مضى. ما يجري اليوم في المنطقة يتجاوز كونه مواجهة…

ماهين شيخاني   في الرابع عشر من حزيران، تحل علينا الذكرى التاسعة والستون لتأسيس أول تنظيم سياسي كوردي في سوريا. تسعة وستون عاماً من الكفاح، والعذابات، والسجون، والتضحيات. وسبعة وستون عاماً من الانكسارات التي لم تكسر الهمة، والانتصارات التي لم تدم طويلاً. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة في تاريخ سوريا: لماذا، بعد…

المحامي محمود عمر مع جل الاحترام والتقدير للعديد من الأحزاب الكوردية العريقة التي ناضلت وبعزيمة العشرات من كوادرها اللذين قضوا سنين من عمرهم في النضال والاعتقال والسجون في سبيل احقاق الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي في سوريا هذه الحركة التي لم تفقد بوصلتها القومية والوطنية يوما ما وخلال عقود من الزمن رغم ضعف الامكانات وآلة الاستبداد…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن معاناة الشعب الكوردي في سوريا؛ المتجسدة في محاولة كافة الأنظمة المتعاقبة على حكم سوريا منذ تأسيس الدولة السورية تحت حكم الاستعمار الفرنسي؛ المتمثلة في محاولات قتل الشعور القومي، وإلغاء الهوية القومية والوطنية عبر حرمان الشعب الكوردي من أي أشكال الحكم الذاتي بخلاف تقسيم سوريا إلى خمس مناطق حكم ذاتي. إن معاناة الشعب الكوردي في سوريا…