خليل عبدالقادر
كلما مرّ اسم عامودا أمامي، لا أتذكر مدينة بالمعنى الذي يتذكر به الناس المدن. لا أتذكر أبنية ولا شوارع ولا دوائر حكومية. أول ما يخطر في بالي شارعان طويلان، ومحلات أقمشة تتدلى منها الألوان في أقمشة نسائيّة مطبوع عليها”أكلك منين يابطّة”، ووجوه أعرف أصحابها واحدًا واحداً، حتى أولئك الذين ماتوا منذ سنوات طويلة.
في ذلك الوقت، لم تكن عامودا أكبر مما ينبغي. كانت مدينة يمكن للمرء أن يقطعها على قدميه دون أن يشعر بالتعب، وإذا تأخر في الوصول إلى مكان ما فليس بسبب المسافة، بل لأن عشرة أشخاص على الأقل سيوقفونه في الطريق ليسألوه: إلى أين؟ ومن أين؟ وكيف حال أهلك؟
كان الناس يعرفون بعضهم أكثر مما ينبغي أحياناً. يعرفون من اشترى بيتًا، ومن باع أرضًا، ومن زوّج ابنه، ومن تشاجر مع زوجته البارحة. وإذا عطس أحد في طرف السوق، فهناك احتمال كبير أن تصل أخباره إلى الطرف الآخر قبل الظهر.
ولم تكن المدينة تملك شيئاً يمكن أن يثير إعجاب الغرباء. لا مصانع كبيرة، ولا أبنية شاهقة، ولا مشاريع يتحدث عنها المسؤولون في الجرائد. ومع ذلك كانت تملك شيئاً لم أفهم قيمته إلا بعد سنوات؛ كانت تملك ناساً لديهم وقت للكلام، وللجدال، وللسهر، وللأحلام الكبيرة التي لا تتناسب أحياناً مع حجم المكان.
في المساء كانت المقاهي تمتلئ. بعضهم يتحدث في السياسة وكأن مصير العالم يتوقف على رأيه، وبعضهم يناقش قصيدة قرأها قبل يومين، وآخر يشرح نظرية اقتصادية لم يطبقها أحد في حياته. وكان هناك دائمًا من يختلف مع الجميع، لا لأنه يملك رأيًاً آخر، بل لأنه يستمتع بالاختلاف نفسه.
أتذكر أنني حضرت مرة معركة فكرية كاملة بسبب فتاة فتحت نافذة بيتها. كانت تقف خلف الستارة تعبث بشعرها، وربما لم تكن تفكر بأحد أصلاً، لكن اثنين من مثقفي المدينة حوّلا الأمر إلى قضية تستحق النقاش. قال الأول بثقة عجيبة”
كانت تنظر إليّ.
فرد الثاني فوراً:
أنت تتوهم. الأسبوع الماضي فتحت النافذة نفسها عندما مررت من هنا، وكانت تقصدني أنا.
ولم ينتهي النقاش إلا بعد أن تدخل آخرون، بعضهم مؤيد للأول وبعضهم منحاز للثاني، بينما بقيت صاحبة النافذة بعيدة عن كل هذه المعركة، لا تعلم أنها أصبحت موضوعاً ثقافياً في تلك الليلة.
وكانت هناك فتاة أخرى، يكفي أن تخرج إلى السوق حتى يتغير شكل الشارع. رجال وشباب ومراهقون وساسة وممارسي الربا يقفون على الجانبين وكأنهم ينتظرون موكباً رسمياً. تمر هي ببنطالها الأبيض، ويمر الجميع معها بنظراتهم، ثم يعود كل واحد إلى مكانه وكأن شيئاً لم يحدث.
في عامودا، كان الشيوعيون أكثر عددًاً مما يتوقعه المرء في مدينة صغيرة. بعضهم كان يحفظ تفاصيل عن لينين أكثر مما يحفظ عن أفراد عائلته. وإذا سألت أحدهم عن تاريخ ميلاد أبيه ربما احتاج إلى التفكير، أما إذا سألته عن مؤتمر حزبي عُقد قبل عشرات السنين فسيجيبك فوراً. وعلى الطرف الآخر كان القوميون الأكراد يملؤون المقاهي ضجيجاً ونقاشاً وحماساً، وكل جماعة تعتقد أنها تملك الحقيقة كاملة.
أما أنا، فقد عشت في المدينة لأول مرة في منتصف الستينات. ثلاثة أشهر فقط، لكنها بقيت أطول من سنوات كثيرة عشتها في أماكن أخرى. كنت أقيم عند أقارب لأمي، وأدرس في تلك الإعدادية الواقعة على طريق الدرباسية بعد مكتب التجنيد. وفي بعض الليالي كنا نسمع طلقات الجندرمة على الحدود. لم نكن نخاف كثيرًا، ربما لأن الصغار يتعاملون مع الخطر باعتباره جزءًا من المشهد. كنا نعدّ الطلقات ونخمن اتجاهها، ثم نتابع أحاديثنا كأن شيئاً لم يكن.
ذات ليلة نمت قرب الجوهرية، على مقربة من الحدود التركية. ما زلت أذكر الهواء الذي كان يأتي من جهة الشمال، والظلام الممتد فوق الأرض، وصوت الرصاص البعيد الذي كان يقطع الصمت بين حين وآخر. أحياناً أفكر أن تلك الليلة وحدها تصلح أن تكون رواية كاملة.
ثم مضت السنوات، وعدت إلى عامودا في الثمانينات، لا طالباً هذه المرة، بل لأعمل في تنفيذ ديكور المركز الثقافي. وهناك بدأت حكاية أخرى، فيها أخشاب ضائعة، ووعود لم تُنفذ، وأصدقاء ما زلت مديناً لهم باعتذار حتى اليوم…