سوريا الجديدة تضمن كرد ضعفاء ” من أسقط المشروع الكردي؟”

إبراهيم كابان

منذ بداية الأزمة السورية، امتلك الكرد فرصة سياسية وعسكرية غير مسبوقة في تاريخهم المعاصر داخل سوريا. للمرة الأولى، ظهرت قوة عسكرية كردية منظمة، وإدارة ذاتية تمتلك مساحة جغرافية واسعة، وعلاقات دولية مباشرة مع القوى الكبرى، إضافة إلى حضور سياسي فرض نفسه على طاولة النقاش السوري والإقليمي. غير أن هذه الفرصة التاريخية لم تُدار بعقلية بناء مشروع طويل الأمد، بل بعقلية إدارة مرحلة مؤقتة، وهو ما أدى تدريجياً إلى استنزاف عناصر القوة الكردية وتحويلها من أدوات تأثير إلى عبء سياسي وأمني قابل للتفكيك.

كونفرانس “الوحدة الوطنية الكردية” بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي لم يكن انعطافاً سياسياً حقيقياً بقدر ما كان محاولة متأخرة لاحتواء الفشل المتراكم لدى الطرفين. فبعد سنوات من الانقسام والتخوين والصراع على النفوذ، جاء الحديث عن الوحدة في لحظة فقد فيها الطرفان جزءاً كبيراً من قدرتهما على التأثير المستقل. ولذلك  بدا الكونفرانس أقرب إلى عملية إعادة تموضع إعلامية وسياسية تهدف إلى حماية ما تبقى من الشرعية الشعبية، لا إلى إنتاج رؤية كردية جديدة.

الإشكالية الأساسية لم تكن في غياب الحوارات، بل في طبيعة المقاربة السياسية التي حكمت التجربة الكردية منذ بدايتها، فقد جرى تضخيم الإنجاز العسكري والتعامل معه باعتباره ضمانة دائمة، بينما أُهمل بناء مشروع سياسي قادر على تحويل القوة العسكرية إلى اعتراف دستوري وموقع مستقر داخل الدولة السورية. وهنا وقع الخطأ الاستراتيجي الأكبر ( الاعتماد على الوقائع الميدانية دون امتلاك أدوات سياسية تضمن استدامتها ).

قوات سوريا الديمقراطية تحولت مع الوقت من مشروع ذي بعد سياسي إلى بنية أمنية–عسكرية مرتبطة بالتوازنات الدولية. ومع تراجع الحاجة الدولية إلى النموذج العسكري الذي نشأ خلال الحرب على تنظيم داعش، بدأت مساحة الحركة أمام ” قوات قسد” تضيق تدريجياً، فالوظيفة التي منحت لهذه القوة كانت مرتبطة بمرحلة محددة، وعندما بدأت أولويات المنطقة تتغير، أصبح من الطبيعي أن تبدأ الضغوط لإعادة دمج هذه القوة ضمن البنية السورية العامة.

في المقابل، لم يقدم المجلس الوطني الكردي مشروعاً سياسياً مستقلاً يمكنه خلق توازن داخل الساحة الكردية، بل إن ارتباطه المتزايد بالموقف التركي جعله يتحرك ضمن سقف إقليمي واضح، الأمر الذي أفقده القدرة على لعب دور وطني كردي جامع. ومع مرور الوقت تحولت العلاقة مع أنقرة من أداة ضغط سياسية إلى عامل يحدد طبيعة تحركات المجلس وخياراته.

النتيجة أن الطرفين الكرديين أخفقا في بناء مركز قرار كردي مستقل، الأول ربط نفسه بالوظيفة الأمنية والعسكرية، والثاني ربط نفسه بالتوازنات الإقليمية، وفي الحالتين تم تهميش البعد السياسي الحقيقي للقضية الكردية. لذلك لم تعد القوى الكردية تتحرك وفق مشروع استراتيجي واضح، بل وفق ردود أفعال مرتبطة بالضغوط الخارجية.

تركيا كانت الطرف الأكثر وضوحاً في إدارة هذا الملف، فمنذ البداية تعاملت مع أي محاولة لبناء قوة كردية مستقلة على حدودها باعتبارها تهديداً استراتيجياً يجب احتواؤه ومنعه من التحول إلى واقع دائم. لكنها لم تعتمد فقط على التدخل العسكري المباشر، بل استخدمت أيضاً أدوات سياسية وأمنية لإعادة تشكيل البيئة الكردية السورية بطريقة تؤدي إلى تفكيكها من الداخل.

ومن هنا يمكن فهم مسار الاتفاقات الأمنية والعسكرية الجارية حالياً. فعملية الدمج المطروحة لا تعكس شراكة متوازنة بقدر ما تعكس عملية إعادة احتواء تدريجية للقوة الكردية داخل مؤسسات الدولة السورية. المقصود هنا ليس إنهاء الوجود الكردي بالكامل، بل إنهاء استقلاليته العسكرية والأمنية وتحويله إلى مكوّن إداري محدود الصلاحيات ضمن مركزية الدولة.

إن تفكيك البنية العسكرية والأمنية التي تشكلت خلال السنوات الماضية سيؤدي عملياً إلى سحب أهم عناصر القوة التي امتلكها الكرد منذ عام 2011. فالقوة العسكرية كانت الأداة الأساسية التي فرضت الحضور الكردي على المعادلة السورية، ومع إعادة دمج هذه القوة ضمن مؤسسة مركزية أكبر، ستفقد القوى الكردية قدرتها على المناورة السياسية المستقلة.

الأهم من ذلك أن ” قوات قسد ” لا تبدو قادرة على رفض هذا المسار، فالتغيرات الإقليمية وطبيعة العلاقة بين أنقرة ودمشق، والتفاهمات المتعلقة بحزب العمال الكردستاني وعبد الله أوجلان، كلها عوامل تضغط باتجاه إعادة صياغة المشهد الكردي السوري ضمن حدود أكثر ضيقاً. ولذلك فإن ما يجري ليس نتيجة قرار داخلي كردي فقط، بل نتيجة إعادة ترتيب إقليمي أوسع يجري فرضه على مختلف الأطراف السورية.

أما الحديث عن مستقبل الحضور الكردي في سوريا، فيبدو أنه يتجه نحو سقف منخفض مقارنة بما طُرح خلال السنوات الماضية. فالمؤشرات الحالية تدل على أن الحد الأقصى المقبول إقليمياً ودولياً يتمثل في مشاركة إدارية محدودة، وبعض الحقوق الثقافية واللغوية، دون الانتقال إلى مستوى الاعتراف السياسي الحقيقي أو الشراكة الدستورية الكاملة.

وهذا يعني أن القسم الأكبر من الخطاب السياسي الذي رافق التجربة الكردية خلال السنوات الماضية بدأ يفقد مضمونه العملي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتوسيع النفوذ أو تثبيت مشروع سياسي مستقل، بل بمحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من المكتسبات ضمن بيئة إقليمية تعمل على إعادة ضبط الملف الكردي بالكامل.

المشكلة الأعمق أن القوى الكردية لم تدرك مبكراً أن إدارة المكاسب أهم من تحقيقها، فقد جرى استنزاف السنوات الماضية في الصراعات الحزبية، والتنافس على الشرعية، والانشغال بالخطاب التعبوي، بدلاً من بناء مؤسسات سياسية قادرة على التعامل مع التحولات الكبرى. كما تم التعامل مع التحالفات الدولية وكأنها ضمانات ثابتة، رغم أن السياسة الدولية تقوم أساساً على المصالح المتغيرة لا على الالتزامات الدائمة.

في النهاية، لا يبدو أن الكرد خسروا بسبب ضعف عسكري مباشر، بل بسبب غياب إدارة سياسية قادرة على تحويل القوة إلى مشروع مستقر، فالقوى التي تمتلك السلاح دون رؤية استراتيجية واضحة تصبح مع الوقت جزءاً من ترتيبات الآخرين، لا طرفاً قادراً على فرض شروطه الخاصة.

وما يجري اليوم في سوريا يعكس هذه الحقيقة بوضوح، ويدفع نحو إعادة تشكيل المجال الكردي ضمن حدود أمنية وإدارية ضيقة، وإنهاء المرحلة التي امتلكت فيها القوى الكردية هامشاً واسعاً من الاستقلالية العسكرية والسياسية. وبين الانقسام الداخلي وسوء إدارة المرحلة، واحترافية الخصوم الإقليميين، تتجه التجربة الكردية السورية نحو خسارة تدريجية لأدوات القوة التي امتلكتها خلال السنوات الماضية. “لينتهي المشهد الكردي إلى ما يشبه المثل الشهير: يا أبو زيد، كأنك ما غزيت.”

“ركزتُ في الجزء الأول من هذا المقال على عملية التشخيص الموضوعي لأسباب تراجع القوة الكردية في سوريا، بعيداً عن الخطابات العاطفية أو التبريرية، على أن أخصص الجزء القادم لطرح أفكار ورؤى تتعلق بإعادة صياغة الوضع الكردي بما يتناسب مع التحولات السورية والإقليمية الجديدة.”

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نوري معزول إلى كل من يهاجمون السيدة فصلة يوسف بسب عضويتها في مجلس الشعب السوري … من كان بيته من زجاج لايرمي الناس بالحجارة . قد نختلف سياسيا وفكريا،وقد نرفض أو نؤيد أي موقف،لكن لايحق لأحدأن يمحو تاريخ أمرة كردية عاشت سنوات طويلة من عمرها من أجل قضيتها وشعبها ،وقدمت ما آمنت به وفق قناعاتها وظروفها السياسية . قد نختلف…

الياس رمو اكراد سوريا خرجوا من عنق الزجاجة . واصبحوا قضية في طريقها إلى النصر المحتم . جاهل سياسة من يتوهم بان اكراد سوريا اصبحوا في حالة انحدار وتراجع . نظام الاسد استغل البعض من الكرد تحت مسميات نترفع عن ذكرها .ولكن ذاك النظام البائس اعتبرنا مجرد بندقية للإيجار وليس قضية عادلة تستحق الإنصاف . ومن كان يجد في سيطرة…

مهند محمود شوقي في الأول من أيلول عام 1961، لم يكن أحد في العراق يتوقع أن ما بدأ في جبال كوردستان سيستمر لعقود طويلة ويعيد رسم خرائط السياسة الداخلية للدولة. هناك، انطلقت ثورة أيلول بقيادة مصطفى بارزاني، في لحظة كانت فيها العلاقة بين بغداد والمكوّن الكردي تتجه نحو الانفجار بعد سنوات من الوعود غير المنفذة منذ سقوط النظام الملكي عام…

فيصل اسماعيل إن مقاطعة جماعة قنديل لانتخابات مجلس الشعب لم تكن موقفاً وطنياً مبدئياً كما يحاولون تصويره، بل جاءت نتيجة إدراكهم المسبق بأن الشارع الكردي لم يعد يثق بشعاراتهم ولا بمشاريعهم العابرة للحدود. فالكثير من أبناء الشعب الكردي باتوا يعرفون جيداً من أين تأتي قرارات هذه الجماعة، ولصالح أي أجندات تعمل، ولذلك فقدت قدرتها على إقناع الناس بأنها تمثل تطلعات…