القضية الكوردية في سورية: قضية شعب لا تُختزل بمناصب أو كراسي.

صديق ملا

القضية الكوردية في سورية ليست ملفاً إدارياً يُفاوض عليه، ولا حصةً تُقتسم في تقاسم النفوذ. هي قضية وجود، وتاريخ، وحق لشعب أصيل عاش على أرضه التاريخية قبل أن تُرسم الحدود وتُقسّم الخرائط. اختزالها في المناصب والكراسي والمنافع الحزبية الضيقة هو تفريغ لها من محتواها وتحويلها من قضية وطنية إلى صفقة سياسية مؤقتة.

وجذور القضية أكبر من التنافس الحزبي.

فعلى مدى عقود طويلةواجه الكورد في سورية سياسات الإنكار والإقصاء والتغيير الديموغرافي ومصادرة اللغة والثقافة.  وقدم آلاف الشهداء دفاعا عن الأرض السورية. هذا الرصيد من التضحيات لا يمكن تحويله إلى ورقة مساومة للحصول على مقعد في إدارة أو وزارة. فعندما تُختزل القضية الكوردية في الأنا الحزبية، يصبح دم الشهيد مجرد شعار انتخابي، ويصبح النضال التاريخي غطاءً لتسويات ظرفية.

 كماإن وحدة الموقف شرط لقوة التفاوض،

فالتجربة علمتنا أن أية سلطة مركزية، لا تتفاوض مع أطراف منقسمة إلا على أساس إضعافها. الصوت الموحد هو الذي يفرض الاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكوردي ،وحق التعليم والثقافة باللغة الأم. أما تعدد الأجندات والاصطفافات الخارجية، يجعل كل طرف أداة بيد طرف إقليمي أو دولي، ويُفقد الموقف الكوردي استقلاليته ومصداقيته أمام الشعب.

لأن الشعب هو المرجعية، لا المؤسسات الحزبية.والشرعية لا تُستمد من عدد المكاتب أو عدد الأعلام، بل من ارتباط المشروع السياسي بمطالب الناس ومعاناتهم اليومية الأمان، عودة المهجرين، وقف التغيير الديموغرافي، إعمار عفرين وسري كانيه وكري سبي. أي مشروع سياسي لا يجيب عن هذه الأسئلة يتحول إلى عبء على القضية نفسها، ويوسع الهوة بين النخب والشارع.

سوريا الجديدة لا تُبنى بالإقصاء.

فالحل العادل للقضية الكوردية ينبغي أن يكون جزءا من قضايا البلاد ككل. سورية الجديدة التي يطمح إليها السوريون لا تستقيم بدون الاعتراف بالكورد كشريك أصيل. لكن هذا الاعتراف لن يُنتزع بخطابات عاطفية أو بتسابق على المناصب، بل بمشروع سياسي متماسك يقدّم رؤية واضحة لبناء الدولة التي تتسع للجميع.

الكورد ليسوا ضيوفاً على سورية ليُعطَوا فتاتاً، ولا هم أقلية تُدار بالمحاصصة، بل هم مكون رئيسي في سوريا……

اليوم وبعد سقوط نظام الاستبداد والبعث البائد نحن أمام لحظة تاريخية لا تُعوض.

إما أن ندخلها موحدين وبصوت واحد وموقف واحد ورؤية واحدة ننتزع الاعتراف بحقوقنا الدستورية المشروعة ، ونبني سورية ديمقراطية تعددية لامركزية تسع الجميع ، وإما أن ندخلها متفرقين فنصبح أداة طيعة بيد غيرنا ونضيّع هذه الفرصة التاريخية الراهنة إن لم نستثمرها بعقلانية وموضوعية نندم ساعة لاينفع الندم، وسيكتب التاريخ أننا خذلنا شعبنا الكردي في ساعة الحقيقة.

في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا الكوردي يجب ألا تتحول السياسة إلى إدارة أزمةٍ فقط ولا مشروع تحرر وحقوق فقط، أو الحصول على اعتراف إداري محدود  ، أو إدخال بعض الشخصيات الكردية إلى إدارات الدولة ومؤسساتها.

 لتفقد القضية جوهرها ومدلولها التاريخي، فالشعوب لاتضحي لعقود من أجل تحسين شروط التفاوض فقط، بل من أجل تثبيت وجودها وكرامتها ، وحقها في تقرير مصيرها، وتثبيت حقوقها في الدستور.   المرحلةالراهنة تتطلب الخروج من عقلية الغنيمة الحزبية وأن المطلوب هو مشروع وطني كوردي يضع مصالح شعبنا فوق الحسابات التنظيمية، ويجعل من وحدة الصف وسيلة لتحقيق الحقوق، لا غاية لتثبيت النفوذ.

23/5/2026 Deutschland

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…