بين خطاب التمثيل وواقع الشرعية: قراءة نقدية في تصريحات محمد إسماعيل حول القضية الكردية في سوريا

شادي حاجي 
أعاد الحوار المطوّل الذي أجراه الأستاذ عمر كوچري رئيس تحرير صحيفة كردستان مع الأستاذ محمد إسماعيل، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا ورئيس المجلس الوطني الكردي، طرحَ جملةٍ من القضايا المتعلقة بمستقبل الشعب الكردي في سوريا، ووحدة الصف والموقف الكرديين، والعلاقة مع دمشق، وطبيعة المرحلة الانتقالية السورية. ورغم أن الحوار تضمّن كثيراً من العبارات الداعية إلى الشراكة والديمقراطية والحوار، فإنه كشف، في الوقت ذاته، عن عدد من الثغرات السياسية والقانونية التي تستحق التوقف عندها بجدية وشفافية.
أولى هذه الإشكاليات تتعلق بمفهوم “التمثيل”. فالحوار يتعامل مع المجلس الوطني الكردي بوصفه ممثلاً سياسياً للشعب الكردي في سوريا بصورة شبه حصرية، في حين أن الواقع السياسي والميداني في غرب كردستان أكثر تعقيداً بكثير. فهناك أحزاب سياسية كردية، وقوى عسكرية، وإدارة ذاتية قائمة فعلياً منذ سنوات بالإضافة إلى وجود أحزاب سياسية خارج الإطارين السياسيين، لها جمهورها ومؤسساتها وتأثيرها المباشر على الأرض، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا. وبالتالي، فإن أي حديث عن “وفد كردي مشترك” أو “رؤية سياسية كردية مشتركة” يفترض، بدايةً، الاعتراف بتعدد مراكز القوة والتمثيل داخل المجتمع الكردي نفسه، لا تجاوزها وإلا لماذا كانت كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي .
المسألة الثانية تتعلق بفشل “كونفرانس وحدة الصف والموقف والكلمة الكردية”. ففي الحوار جرى تحميل الفشل إلى “غياب الإرادة السياسية” و”الحسابات الحزبية الضيقة” لدى بعض الأطراف، من دون تقديم مراجعة نقدية لدور المجلس الوطني الكردي نفسه في هذا الإخفاق. والحقيقة أن الأزمة الكردية – الكردية ليست نتاج طرف واحد، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من انعدام الثقة والاستقطاب السياسي والتأثر بالتوازنات الإقليمية. لذلك، فإن أي خطاب نقدي يفقد جزءاً من مصداقيته عندما يركّز على أخطاء الآخرين ويتجنب نقد الذات.
أما على المستوى القانوني، فيبرز تناقض واضح في الخطاب المتعلق بالسلاح والشرعية. فمن جهة، يدعو الحوار إلى بناء “جيش وطني” وحصر السلاح بيد الدولة، ومن جهة أخرى يجري الحديث عن وفد عسكري كردي ودوره في العملية السياسية. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان مبدأ الدولة الوطنية يقتضي احتكار السلاح ضمن مؤسسات شرعية موحدة، فكيف يمكن، في الوقت نفسه، التعامل مع التشكيلات العسكرية بوصفها أدوات تفاوض وتمثيل سياسي؟ هذه الإشكالية لا تخص طرفاً بعينه، بل تطال مجمل المشهد السوري، لكنها تظهر بوضوح في الخطاب المطروح.
كذلك، فإن الحديث عن “التمثيل الحقيقي للشعب الكردي” يفتقر إلى أساس قانوني أو ديمقراطي واضح. فلا المجلس الوطني الكردي، ولا غيره من القوى السياسية الكردية، وصل إلى موقع التمثيل عبر انتخابات عامة نزيهة وشاملة للكرد في سوريا. وبالتالي، فإن شرعية التمثيل لا تزال، حتى اليوم، موضع نقاش سياسي وشعبي، ما يجعل أي ادعاء بالاحتكار السياسي أو القومي موضع تساؤل مشروع.
ومن النقاط اللافتة أيضاً أن الحوار يستخدم مفاهيم مثل “الديمقراطية” و”الشراكة الوطنية” و”الدستور التوافقي”، لكنه لا يقدّم تصوراً سياسياً وقانونياً دقيقاً لشكل النظام السياسي المطلوب في سوريا. فهل المقصود لامركزية إدارية؟ أم فيدرالية سياسية؟ أم إدارة محلية بصلاحيات موسعة؟ هذا الغموض السياسي يضعف أي مشروع تفاوضي، لأن القضايا الدستورية لا تُبنى على العموميات، بل على تصورات واضحة وقابلة للنقاش القانوني.
إضافة إلى ذلك، فإن الإشادة المتكررة بالأدوار الإقليمية تكشف حجم التأثير الخارجي “الكردستاني – الدولي” في القضية الكردية السورية. ورغم أهمية الدعم الإقليمي والدولي في ظروف الحرب والانقسام، فإن أي مشروع سياسي مستقبلي يفترض أن يستند أولاً إلى شرعية داخلية سورية، لا إلى موازين القوى الإقليمية وحدها. فالقضية الكردية، في جوهرها، قضية شعب وأرض وحقوق سياسية وثقافية واجتماعية، وشراكة داخل الدولة السورية، وليست مجرد ملف مرتبط بتفاهمات إقليمية متغيرة.
وفي جانب آخر، بدا واضحاً أن الخطاب السياسي في الحوار يحاول الجمع بين أمرين متناقضين: المشاركة في مشروع الدولة السورية الجديدة، مع الإبقاء، في الوقت نفسه، على خطاب قومي غير محسوم المعالم من حيث الشكل الدستوري والإداري المطلوب ضمن وحدة البلاد. وهذه الازدواجية ليست جديدة في السياسة الكردية السورية، لكنها أصبحت اليوم أكثر حساسية مع اقتراب الدخول في نقاشات تتعلق بالدستور والمرحلة الانتقالية ومستقبل مؤسسات الدولة.
لا شك أن للكرد في سوريا قضية عادلة تتعلق بالاعتراف الدستوري، والحقوق السياسية والثقافية، وإنهاء عقود التهميش والإقصاء. لكن الدفاع عن هذه القضية يحتاج إلى خطاب أكثر وضوحاً وشفافية، وإلى مراجعة داخلية جدية لمسألة التمثيل وآليات اتخاذ القرار والعلاقة مع بقية القوى السياسية السورية. كما يحتاج إلى الانتقال من لغة الشعارات العامة حول “الوحدة الكردية” إلى بناء أدوات ديمقراطية فعلية تسمح بقياس الإرادة الشعبية وتمثيلها بصورة حقيقية.
في النهاية، تبدو المشكلة الأساسية اليوم ليست في غياب المبادرات أو المؤتمرات، بل في غياب مشروع سياسي كردي سوري استراتيجي متفق عليه، يمتلك وضوحاً دستورياً، وشرعية شعبية، وقدرة على التفاعل مع الواقع السوري المعقّد، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة أو الرهانات الإقليمية المتبدلة.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق ملا تمثل القضية الكردية في سورية إحدى أكثر الملفات حساسية وتشابكاً، ليس فقط بحكم تعقيداتها الداخلية، وإنما أيضاً بسبب تداخلها مع الحسابات الإقليمية والدولية، والإشكالات التاريخية المتعلقة بمفهوم الهوية الوطنية السورية. وعبر العقود الماضية، فشلت أنظمة الحكم المُتعاقبة في تقديم مقاربة وطنية شاملة تنظر إلى الكرد بوصفهم شريكاً في الدولة السورية، له حقوق في التمثيل والإدارة، ما دفع قطاعاً…

خالد حسو   “هناك رجالٌ يمرّون في التاريخ، وهناك رجالٌ يصنعون التاريخ.”   حين يُكتب تاريخ النضال الكوردي، لا يُذكر اسم مسعود بارزاني كزعيمٍ سياسي فحسب، بل كأحد أبرز الرجال الذين حملوا قضية شعبهم في أصعب مراحلها، وحوّلوها من صرخةٍ في الجبال إلى قضيةٍ يسمعها العالم بأسره. هذه ليست حكاية سلطة أو منصب، بل سيرة شعبٍ قاوم الإبادة والتهجير والحصار…

لاوين ابراهيم في ظل ما نشهده اليوم من فشل متكرر لمؤتمرات “وحدة الموقف والكلمة”، ومن تراجع واضح لدور القوى الكوردية التقليدية، يبرز سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: من الذي فوّض هذه الجهات أصلاً لتقرير مصير الكورد في سوريا؟ لسنوات طويلة احتكرت أحزاب وقوى معينة الحديث باسم الشعب الكوردي، وقدّمت نفسها ممثلاً شرعياً لقضية ملايين الكورد، دون انتخابات حقيقية، ودون مرجعية…

فيصل اسماعيل رفعت الحركة الكوردية منذ ستينات القرن الماضي شعار “عاشت الأخوة العربية الكوردية” للتأكيد أن الكورد لا يعادون العرب، بل يطالبون بشراكة عادلة واعتراف بحقوقهم القومية ضمن الوطن. كان ذلك الشعار قائمًا على فكرة واضحة: وجود شعبين رئيسيين يجب أن تجمعهما علاقة شراكة واحترام متبادل، لا علاقة إنكار وهيمنة. لكن مع صعود فكر عبد الله أوجلان وتجربة حزب الاتحاد…