محي الدين حاجي
بدأ ظهور الفكر القومي الكردي عقب الحرب العالمية الأولى تحت قيادات دينية وعشائرية؛ وذلك نتيجة للعوامل الداخلية للمجتمع الكردي الفلاحي التي منحت الرموز التقليدية سلطة التحكم في الريف الكردي. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، تطور هذا الفكر نتيجة الصراع الداخلي في المجتمع الكردي من جهة، وظهور حركات قومية نادت بالتحرر من الانتدابات الأوروبية بصفتها قوى استعمارية من جهة أخرى.
أدى انقسام العالم حينها إلى منظومتين (الكتلة الشرقية والكتلة الغربية) إلى انعكاس هذا الصراع على بنية المجتمع الواحد؛ حيث سلكت أغلب الشرائح الفقيرة نهج الكتلة الشرقية المتمثلة في الاتحاد السوفيتي، بينما مالت شريحة أخرى مؤلفة من القيادات الدينية والإقطاعية نحو الكتلة الغربية، وذلك نتيجة تخوفهم من الفكر الماركسي اللينيني.
انطلقت الحركة القومية الكردية في سوريا نهاية الخمسينيات على شكل حزب سياسي، استجابة لظروف داخلية مرتبطة بالتوجه العام لدى الشعب الكردي للتخلص من النزعات الشوفينية والتعصب القومي لدى العقلية الحاكمة في سوريا، ونتيجة لظهور حركات قومية في الشرق الأوسط وفي أغلب الدول التي يسكنها الكرد (أي بتضافر العاملين الداخلي والخارجي).
ومن رحم هذه الحركة القومية الكردية، انبثق تيار ونهج يساري (ماركسي لينيني) نتيجة عوامل داخلية، أهمها:
- سيطرة الزعامات التقليدية (الطبقة الإقطاعية) على مصدر القرار ضمن الحركة من جهة.
- تمدد نفوذ الحزب الشيوعي السوري (الذي لم يؤمن بالحقوق القومية للكرد) داخل الطبقة الفقيرة والمتعلمة في المناطق الكردية من جهة ثانية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زعامة بعض “الأغوات” في القرى الكردية للحركة دفعت جيل المثقفين والمتعلمين إلى سلوك الطريق الماركسي؛ ففي بعض القرى، كانت سيطرة الأغوات وأسلوب تعاملهم المجحف بحق القرويين (الفلاحين) يتناقضان تماماً مع الشعارات التي كانوا يطالبون بها ضمن الحركة الكردية. وعلى سبيل المثال، كان أحد القياديين يمنع أي قروي من بناء غرفة إضافية لأولاده في قريته، ناهيك عن استحواذ الأغوات على مئات الدونمات الزائدة في القرى الكردية وحرمان الفلاحين منها.
انطلق اليسار من بين صفوف الطبقة المتعلمة والفقيرة داخل المجتمع الكردي، وبدأ بحراك طبقي تصدى للفكر الإقطاعي المستفيد من الحكومات المتتالية. كما كان حراكاً قومياً ضد الفكر الشوفيني والمشاريع العنصرية بحق المناطق الكردية؛ فمشروع “الحزام العربي“ كان مترافقاً مع مشروع “مزارع الدولة” وأراضي الأغوات الزائدة، وهي مشاريع تلاقت أهدافها -من وجهة نظر الفلاحين الكرد- لتشكل عبئاً مشتركاً. وهدف هذا الحراك أيضاً إلى صد توجهات الحركة الشيوعية الرسمية التي لم تعترف بحقوق الكرد في سوريا كشعب، وإنما كأقلية لها حقوق فقط، وتعرية نهجها الذي تخفى تحت يافطة “الماركسية المزيفة” المتماشية مع السلطات.
تعرضت قيادات وكوادر اليسار الكردي للاعتقال نتيجة مطالبتهم بخصوصية المسألة الكردية في سوريا، على عكس التيارات الأخرى التي كان اعتقال أعضائها غالباً نتيجة مساندتهم للحركة الكردية خارج سوريا.
وقد حافظ اليسار الكردي على نهجه دون التنازل عن المطالبة بحقوق الشعب الكردي، مع الالتزام بالنهج الماركسي ليقطع الذرائع أمام النظام السوري؛ فبما أن النظام كان يتبنى النهج (الاشتراكي) ويتحالف مع منظومة الكتلة السوفيتية، فإن تبني اليسار الكردي للماركسية دحض حجة النظام بأن المشكلة الكردية هي مجرد “تدخل خارجي من الغرب”.
كان اليسار الكردي جزءاً من الحركة اليسارية الكردستانية بأجزائها الأربعة، وقدم الكثير من المنح الدراسية للطلبة الكرد خارج سوريا. وجاءت هذه الخطوة لتعويض النقص الحاد، حيث لم يكن بمقدور أغلب الطلاب المتفوقين دراسة الطب في سوريا نتيجة التضييق والاتهامات السياسية، بالإضافة إلى منع الطلاب المحرومين من الجنسية (الأجانب والمكتومين) من دخول كليات الطب والصيدلة والهندسة، وكم كان المجتمع الكردي بحاجة ماسة إلى تلك الشهادات والاختصاصات في تلك الفترة.
إن فشل بعض قيادات اليسار الكردي لا يعني بالضرورة فشل النهج الماركسي اللينيني؛ فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انهارت تيارات ودول عديدة لعدم فهمها للوضع العالمي الجديد، بينما حافظ كثيرون على نهجهم وطوروه ليتماشى مع التطورات الجديدة في المنطقة والعالم.
إن الماركسية اللينينية فكر ظهر في فترة كان العالم فيها أحوج ما يكون إليها، تماماً كالأفكار والحركات والديانات التي ظهرت على مر العصور. وما نشهده اليوم من صراعات وحروب هو من صناعة الشركات الرأسمالية التي تسعى للسيطرة على منابع الاقتصاد العالمي وتأجيج النزاعات، ليكون الفقراء وقوداً لحروبها بأجهزة متطورة وصناعات تتكدس في المخازن، ثم يتم تفعيل هذه الحروب بحجج “حقوق الإنسان” أو بدعة “الديمقراطية” لتمرير مشاريعها.
لذا، فإن الهجوم على قيادات الفكر اليساري الكردي اليوم ليس صدفة، بل هو عمل مبرمج ناتج عن فشل وتذبذب تلك المجموعات التي تبنت هذا الفكر نضالياً في المراحل الماضية دون وعي عميق به.
وقد كانت شعارات الأحزاب الكردية الرئيسية في سوريا تتراوح بين:
- الاتحاد الشعبي واليساري: الالتزام بالماركسية.
- البارتي الديمقراطي الكردي: الاهتداء بالماركسية.
- الديمقراطي التقدمي: الاستفادة من الماركسية.
بناءً على ذلك، فإن من يهاجم الماركسية اللينينية اليوم كان في الغالب “ماركسياً” في الماضي، لكنه لم يستطع التخلص من أحقاده الشخصية تجاه القيادات والأشخاص، فاتخذ من الهجوم على “الفكر” وسيلة لتصريف ذلك الحقد الشخصي.
فلولا تبني هذا النهج في تلك المرحلة، لظهرت تيارات دينية متطرفة مثل الإخوان المسلمين، والقاعدة، والسلفية داخل مجتمعنا؛ فالوعي الذي بثته الكوادر الحزبية بالفكر الماركسي أغلق الباب أمام ظهور التنظيمات الإرهابية داخل المجتمع الكردستاني بأجزائه الأربعة. وعلى مر سنوات من النضال في أجزاء كردستان، لم نشهد أي عمل إرهابي، أو مجزرة، أو قتل على الهوية، أو حقد قومي قامت به الأحزاب الكردية المسلحة والسياسية.
وعلى العكس من ذلك، التجأت الكثير من الحركات القومية واليسارية المعارضة لأنظمتها في سوريا وتركيا والعراق وإيران إلى الحركة الكردستانية، وبالأخص في كردستان العراق وإيران. فالفكر الماركسي ليس دخيلاً على المجتمع الكردستاني، وتبني الحركة اليسارية الكردستانية لهذا الفكر كان من متطلبات المرحلة، ومثال ذلك: (الاتحاد الشعبي واليساري في سوريا، والحزب الاشتراكي والاتحاد الوطني والشيوعي وحتى الديمقراطي الكردستاني المتحالف دوماً مع الحزب الشيوعي العراقي في العراق، والحزب الديمقراطي وكومله في إيران، وحزب العمال والاشتراكي ورزكاري وكاوا وكثيرين في تركيا)