الدكتور حكمت آغا جلوسي
قبل بضعة أيام اجتمع بعض الأشخاص يتحدثون باسم عشائر عربية، يدَّعون أنها من سكان منطقة عفرين الأصلاء مدينة وريفاً، و وجَّهوا رسالة صوتية بهذا الخصوص إلى الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية السيد أحمد الشرع يشكون فيها عدم تعيين أبناء هذه العشائر في الدوائر الحكومية في مركز المنطقة مدينة عفرين وبلدياتها في الريف.
إنهم يدَّعون في رسالتهم الصوتية وجود عشائر عربية في منطقة عفرين، مما يدعونا لأن نسألهم ما هي هذه العشائر؟ لماذا لم يذكروا عشيرة واحدة بالاسم؟
سُمِّيَت هذه المنطقة باسمها الكردي (چياي كرمينج)، قبل آلاف السنين، ولكي لا نبتعد كثيراً، نحيل هؤلاء المدَّعين الجهلة إلى السجلات العثمانية التي تحتفظ باسم المنطقة (كرد داغ) ترجمةً عن الاسم الكردي حرفياً، ثم ترجمه العرب السوريون إلى (جبل الأكراد). والتسميات الثلاث ذات معنى واحد. وهذا يعني لا السلطات العثمانية عثمنت الاسم ولا السلطات العربية السورية عرَّبته، إنما كلتا السلطتين اكتفتا بلفظ الاسم بلغتها ، بينما بقي المعنى هو هو دون تغيير.
لو كانت هناك عشائر عربية في منطقة عفرين لَأطلقت السلطات العثمانية عليها تسمية (عرب داغ) وعرَّبه العرب السوريون إلى (جبل العرب).
حتى سلطات البعث التي حاولت تعريب هذه المنطقة، لم تتجرَّأ على هذه المغامرة في تزوير التاريخ، فاكتفت بتغيير الاسم من (جبل الأكراد) إلى (جبل حلب) على اعتبار أن منطقة عفرين تابعة إدارياً إلى حلب. وكانت حكومات البعث المعروف بعنصريته العروبية تأخذ أربعة أو خمسة ممثلين عنها إلى برلمانها (مجلس الشعب)، بينهم شخصية عربية واحدة، الآخرون من الكرد. إن ما أقدمت عليه هذه الحفنة الجاهلة بالتاريخ عامة وتاريخ المنطقة خاصة، هي مغامرة في تزوير التاريخ، فراحوا يجعرون عالياً، لَكأن الجعير وجهلهم قادران على حجب شمس الحقيقة.
تبلغ مساحة منطقة جبل الأكراد ما يزيد على ثلاثة آلاف كم2، تنتشر على هذه المساحة ثلاثمائة و ستُّ وستون قرية ليس بينها قرية عربية واحدة، و تصل نسبة الأكراد فيها إلى حوالي 98%، وهناك ثلاث عائلات علوية قدِمت إليها من لواء اسكندرون بعدما سلخته تركيا عن سوريا، وبضع عائلات عربية قدِمَت إلى المنطقة للعمل في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، وخاصة بعد إصدار قانون الإصلاح الزراعي أيام الوحدة السورية المصرية ورئيسها جمال عبدالناصر. حينها استقدمت السلطات السورية بعض العائلات العربية من مناطق سورية أخرى إلى منطقة عفرين، ومنحتها الأراضي التي استقطعتها من أصحابها / مالكيها الأكراد، فأصبحت تلك العائلات من أصحاب الأراضي، وتم تسجيلها في سجلات الأحوال المدنية وخاصة في منطقة (جومة) ناحية جنديرس وقراها. وهناك ثلاث عائلات عربية هي عائلات البطوشي ونعوس وبوبَنّا، وهي عائلات لا تدَّعي أن عشائرها من سكان منطقة عفرين، إنما قَدِمَت إليها بسبب العمل أو الوظائف الحكومية واستقرَّت فيها.
ليس هناك في منطقة جبل الأكراد سوى سبع عشائر، جميعها كردية، هي شيخان ورشوان وشكاك وآمكان و بيان وروباري وخاستيان.
يعود تاريخ جبل الأكراد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وهناك شواهد تاريخية مازالت شاخصة تعود إلى ثلاثة آلاف عام مثل آثار موقع النبي هوري، الذي امتد إليه حكم الميتانيين والحوريين / الهوريين والميديين أجداد الأكراد قبل الميلاد.
ترجمت السلطات العثمانية التي حكمت بلاد الشام والعراق خمسمائة عام اسم المنطقة إلى اللغة العثمانية (كرد داغ) وهي تسمية تعني حرفياً (جبل الأكراد)، وهذه منطقة كبيرة وواسعة، قسَّمتها الحدود السورية التركية أثناء ترسيم الحدود في النصف الأول من عشرينيات القرن الماضي إلىى قسمين، بقي القسم الأكبر منها ضمن جغرافية الدولة التركية والقسم الثاني الأصغر ضمن جغرافية الدولة السورية. وما أعرفه أنا شخصياً عن الوجود الكردي في هذه المنطقة أن جدي الأكبر عمر خان (عمر آغا) قدِم إلى منطقة جبل الأكراد أيام معركة چالديران عام 1514 بين الصفويين بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي والعثمانيين بقيادة السلطان العثماني سليم الأول.
في نهاية الحرب العالمية الأولى سقطت الدولة العثمانية، وتم تقسيم بلاد الشام والعراق بموجب معاهدة سايكس – بيكو، واتفقت الدولتان المنتصرتان فرنسا وإنكلترا على توزيع سوريا والعراق بينهما.
احتلت إنكلترا سوريا ونصبت الأمير فيصل (ابن الشريف حسين) ملكاً على مملكة سوريا، دام حكمه حوالي سنة واحدة ونصف السنة. ثم نقلته إلى العراق ونصبته ملكاً عليه. ثم احتلت فرنسا سوريا من عام 1920 إلى عام 1946.وبقي اسم المنطقة (چياي كرمينج ) (جبل الأكراد)، إلى عام 1950 دون أن يطاله أيُّ تغيير.
كان مركز المستشار الفرنسي في قرية قطمة ودام هناك حوالي ستة عشر عاماً، ثم نُقِل إلى قرية مابَتا، وبعد ثمانية أشهر نُقِل مركز المستشار إلى نواة مدينة حديثة أطلق سكان المنطقة عليها اسم (كوپـري) بمعنى (الجسر) تيمُّناً باسم الجسر المقام على نهر عفرين بجانبها، وحينذاك كانت تسكنها العائلة الكردية (فيو) وعائلتان أرمنيتان كانتا هاربتين من الاستبداد التركي. ثم تقاطر الأكراد من قراهم إلى هذه المدينة التي سُمِّيت في هذه الأثناء باسم عفرين تيمُّناً باسم النهر. وهو اسم المدينة، لا اسم المنطقة كلها، الذي بقي كذلك (چياي كرمينج) كردياً و (جبل الأكراد) عربياً إلى عام 1950، أيام حكم سامي الحناوي الذي انقلب على رئيس الجمهورية السورية حسني الزعيم وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي، وكلاهما من أصل كردي. في هذه الفترة تم إطلاق اسم المدينة، أي عفرين على المنطقة كلها، في محاولة لمحو اسمها الحقيقي القديم.
في بداية السبعينيات من القرن الماضي، أثناء مفاوضات بين البعث العراقي و الثورة الكردية، ادَّعت حكومة البعث عائدية محافظة كركوك و ريفها إليها، فقال الزعيم الكردي الخالد مصطفى بارزاني: تعالوا نحصِ عدد القبور، فمن كان عدد قبوره أكثر، تعود إليه المحافظة، وحتى الآن، ورغم حملات التغيير الديموغرافي التي طالت هذه المحافظة، لا تجرأ الحكومات العراقية المتعاقبة على إجراء إحصاء سكاني فيها. ونحن ندعو أولئك المدَّعين بعائدية منطقة جبل الأكراد إلى العشائر العربية إلى إحصاء قبورهم وقبور الأكراد، سيكون عدد القبور شاهداً ودليلاً حيّاً غير قابل للانحياز على عائدية المنطقة.