شرق أوسط بلا حسم – الحلقة الثالثة.. من ثلاثية «حين لا تحسم الحروب»

عدنان بدرالدين
لا يبدو الشرق الأوسط، في لحظته الراهنة، في طريقه إلى نظام جديد واضح المعالم. ما نراه أقرب إلى منطقة رمادية طويلة: لا حرب شاملة تحسم الصراعات، ولا تسويات عادلة تنهيها، ولا قوى كبرى قادرة على فرض استقرار دائم.
المنطقة لا تعيش سلامًا، ولا حتى توازنًا ثابتًا. إنها تعيش ما يمكن تسميته فوضى مُدارة: دول لا تنهار تمامًا، لكنها لا تستعيد سيادتها كاملة؛ قوى كبرى تضرب وتضغط، لكنها لا تملك نهاية سياسية واضحة؛ أنظمة تضعف، لكنها لا تسقط؛ وشعوب تدفع ثمن سياسات لم تشارك في صناعتها.
في الحلقة الأولى من هذه الثلاثية، كانت إيران مثالًا على أزمة لا تصل إلى خاتمتها: نظام يضعف ولا يسقط، وخصوم يضربون ولا يحسمون. وفي الحلقة الثانية، ظهر الشعب الكردي في كردستان الغربية بوصفه مثالًا على الطرف الذي يدفع ثمن الحروب غير الحاسمة: حين تتحول القوة العسكرية إلى عبء، والتحالف المؤقت إلى وهم ضمانة، وسلطة الأمر الواقع إلى بنية قابلة للتفكيك.
أما في هذه الحلقة الأخيرة، فالسؤال يصبح أوسع: أي شرق أوسط يتشكل حين لا تحسم الحروب، بل تُوضع كلفتها على الأطراف الأقل قدرة على فرض شروطها؟
المقصود بتوزيع الكلفة ليس تعبيرًا أخلاقيًا مجردًا. إنه سلوك سياسي معروف في تاريخ القوى الكبرى. حين لا تستطيع قوة كبرى أن تدفع ثمن الحسم الكامل، أو لا تريد أن تتحمل تبعاته، فإنها تنقل جزءًا من العبء إلى الحلفاء المحليين، أو إلى الدول الضعيفة، أو إلى الشعوب التي لا تملك أدوات تفاوض حقيقية. حدث ذلك في أكثر من مكان: في فيتنام بعد الانسحاب الأمريكي، وفي أفغانستان بعد الانسحاب الأخير، وفي العراق بعد تفكيك الدولة ثم ترك المجتمع يواجه نتائج الفوضى، وفي سوريا استخدمت واشنطن شركاء محليين ضد داعش من دون أن تحول هذا الاستخدام إلى التزام سياسي دائم.
هذه ليست ظاهرة أمريكية فقط.، لكنها تظهر بوضوح في السياسة الأمريكية لأنها قوة عالمية واسعة الانتشار. الإمبراطورية، أي إمبراطورية، لا تدير مصالحها بمنطق الوفاء، بل بمنطق المنفعة والكلفة. حين يصبح الشريك مفيدًا، يُرفع شأنه. وحين تصبح كلفته أعلى من فائدته، يُعاد تصنيفه، أو يُترك، أو يُدمج في ترتيبات أخرى ليواجه مصيره وحده.
هكذا لا تنتقل المنطقة من الفوضى إلى الاستقرار، بل من فوضى مفتوحة إلى فوضى مضبوطة بقدر ما. وهذا النوع من الفوضى قد يكون أخطر من الانفجار المباشر، لأنه لا ينهي العنف، بل ينظمه. لا يلغي الظلم، بل يؤجل انفجاره. لا يمنح الشعوب حلولًا، بل يمنح القوى الكبرى والإقليمية وقتًا إضافيًا لإعادة التموضع.
إيران: الاستنزاف بدل الكسر
إيران هي المثال الأوضح على حدود القوة في هذه المرحلة. لقد تعرضت لضغوط كبيرة، عسكرية واقتصادية وسياسية. تراجعت قدراتها، وتآكلت صورتها، وانكشفت هشاشة بعض أدواتها الإقليمية. لكنها، مع ذلك، لم تُكسر سياسيًا.
هنا تكمن المعضلة. فخصوم إيران قادرون على إيلامها، لكنهم غير قادرين حتى الآن على إنتاج بديل سياسي لما بعد إضعافها. يستطيعون ضرب منشآت، واغتيال شخصيات، وتعطيل مسارات، وتشديد العقوبات، لكنهم لا يستطيعون ضمان أن يؤدي ذلك إلى نظام أكثر استقرارًا أو أكثر قابلية للاندماج في الإقليم.
لهذا تُستنزف إيران أكثر مما تُهزم. يُراد لها أن تتراجع، لا أن تنهار. أن تخفض سقفها، لا أن تفتح فراغًا. أن تُقيّد أذرعها، لا أن تنفجر دولة كبيرة متعددة القوميات في قلب منطقة ملتهبة.
وهذه ليست مفارقة إيرانية فقط، بل مفارقة إقليمية عامة. فالقوى الكبرى تخشى بقاء الخصوم أقوياء، لكنها تخشى أيضًا انهيارهم الكامل. لذلك تتحول السياسة إلى لعبة دقيقة: إضعاف من دون إسقاط، ضغط من دون انفجار، تفاوض من دون حل نهائي.
بهذا المعنى، لم تعد إيران قوية كما كانت تحاول أن تظهر، لكنها ليست منهارة كما يتمنى خصومها. إنها دولة مأزومة، محاصرة، متمردة في الداخل، لكنها لا تزال تملك ما يكفي لتعطيل خصومها ورفع تكلفة خياراتهم. وهذا وحده يكفي لإبقاء الأزمة مفتوحة.
تركيا: مكاسب بلا حل نهائي
إذا كانت إيران تُستنزف، فإن تركيا تبدو، في بعض الملفات، قادرة على تحويل أزمات الآخرين إلى مكاسب نسبية، لا إلى انتصار صافٍ. في سوريا خصوصًا، حققت أنقرة هدفًا استراتيجيًا كبيرًا: منع تشكل نموذج كردي مستقر ومعترف به على حدودها الجنوبية.
لم تكن تركيا بحاجة إلى إعلان نصر نهائي. يكفيها أن يتحول مشروع الإدارة الذاتية إلى بنية قابلة للدمج أو التفكيك، وأن تفقد قسد وزنها السياسي المستقل، وأن تقبل واشنطن، صراحة أو ضمنًا، بأن مصالحها مع تركيا أوسع من التزامها بشريك محلي استُخدم في الحرب ضد داعش.
لكن هذه المكاسب لا تعني أن تركيا خرجت من أزماتها. فهي تتحرك تحت ضغط اقتصادي واجتماعي واضح، وتواجه استقطابًا داخليًا، وعبء اللاجئين، ومسألة كردية لم تُحل داخل حدودها. لذلك فإن ما تحققه في سوريا هو، في جانب كبير منه، نجاح في منع خصومها من تثبيت وقائع لا تريدها، أكثر مما هو بناء لحل نهائي مستقر.
تمنع تركيا نموذجًا كرديًا على حدودها، لكنها لا تقدم حلًا ديمقراطيًا للمسألة الكردية. توسع نفوذها في سوريا، لكنها لا تضمن أن يتحول هذا النفوذ إلى استقرار دائم. تساوم الغرب من داخل الناتو، وتفاوض روسيا من داخل التنافس معها، وتستخدم الأمن القومي لتبرير تدخلاتها، لكنها تبقى محكومة بأزمة بنيوية لم تجد لها حلًا.
ومع ذلك، فإن أنقرة من أكثر الأطراف قدرة على استثمار هذه المرحلة. ففي منطقة لا تُحسم فيها الحروب، يصبح الانتظار والضغط والمساومة أدوات أكثر فاعلية من الانتصار السريع.
لكن كل سياسة تقوم على منع الحقوق بدل تنظيمها، وعلى الأمن بدل الاعتراف، تنتج استقرارًا مؤقتًا لا حلًا دائمًا. قد تنجح تركيا في منع نموذج كردي معين، لكنها لا تستطيع إلغاء المسألة الكردية نفسها. تستطيع تأجيلها، تفكيك أدواتها، ضرب تنظيماتها، لكنها لا تستطيع محو أسبابها العميقة.
وهنا تعود القاعدة نفسها: الحرب لا تحسم، بل تؤجل.
إسرائيل: قوة تفرض وقائع لا سلامًا
إسرائيل تبدو في هذه المرحلة قوة عسكرية أكثر منها قوة سياسية قادرة على بناء نظام إقليمي مستقر. تستطيع أن تضرب بقوة، وأن تخترق، وأن تغتال، وأن تعطل قدرات، وأن تفرض وقائع أمنية. لكنها، مثل الولايات المتحدة، تواجه التحدي الصعب: ماذا بعد الضربة؟
كما أن قدرتها على فرض وقائع عسكرية لا تعفيها من أثمان داخلية وخارجية متراكمة: استنزاف اقتصادي، توتر اجتماعي، عزلة سياسية في بعض البيئات الدولية، وتحول الأمن نفسه إلى حالة تعب دائمة.
صحيح أن إسرائيل تستطيع فرض وقائع طويلة الأمد. يمكنها أن تنشئ مناطق عازلة، وتغيّر قواعد الاشتباك، وتضعف خصومًا، وتفرض توازنات ردع جديدة. وهي لا تحتاج دائمًا إلى اتفاق سياسي كي تحقق مكاسب أمنية تستمر سنوات. لكن هذه الوقائع، مهما طال عمرها، لا تتحول بالضرورة إلى سلام أو قبول سياسي.
فالضربة قد تضعف خصمًا، لكنها لا تنهي القضية التي ولد منها الخصم. وقد تردع دولة، لكنها لا تصنع ثقة. وقد تدمر منشأة، لكنها لا تبني عقدًا إقليميًا جديدًا.
في مواجهة إيران، تستطيع إسرائيل أن تقلص بعض القدرات، وأن ترفع كلفة التمدد الإيراني، وأن تضرب أذرع طهران في أكثر من ساحة. لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع شرق أوسط مستقرًا. بل إن الإفراط في استخدام القوة قد يجعل المنطقة أكثر قابلية للانفجار، حتى حين يحقق نتائج عسكرية واضحة.
هذه هي معضلة إسرائيل في اللحظة الراهنة: قوتها تمنحها قدرة واسعة على الفعل، لكنها لا تمنحها وحدها قدرة على إنتاج نهاية سياسية. وكلما اتسع الفارق بين القدرة على الضرب والعجز عن بناء تسوية، تحولت القوة نفسها إلى جزء من دورة الأزمة.
وهذا لا ينطبق على إسرائيل وحدها. إنه منطق إقليمي كامل: كثيرون يملكون أدوات تعطيل، وقليلون يملكون أدوات بناء.
الولايات المتحدة: إدارة التوازن لا صناعة النهاية
لم تخرج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، لكنها لم تعد قادرة بسهولة على هندسته كما كانت تتخيل في مراحل سابقة. ما زالت القوة الأكبر عسكريًا وسياسيًا، وما زالت قادرة على تحريك الملفات، وفرض العقوبات، وتقديم الضمانات، وفتح قنوات التفاوض. لكنها أصبحت أكثر ميلًا إلى إدارة الأزمات من حلها.
في إيران، تضغط ولا تريد الانهيار الكامل.
في سوريا، تستخدم الشركاء المحليين ثم تعيد ترتيب أولوياتها.
في العراق، تريد تقليص النفوذ الإيراني من دون تفجير النظام السياسي كله.
في لبنان، تريد ضبط حزب الله من دون حرب مفتوحة.
وفي الخليج، تريد الطمأنة من دون التورط في حماية لا نهاية لها.
هذه ليست استراتيجية كبرى بقدر ما هي إدارة مستمرة للتناقضات. الولايات المتحدة لا تريد الانسحاب الكامل، ولا تريد التورط الكامل. لذلك تتحرك بين الحضور والابتعاد، بين الضربة والوساطة، بين التهديد والتفاوض.
هنا يظهر معنى «توزيع الكلفة» بصورة أوضح. واشنطن، حين لا تريد دفع ثمن الحرب المباشرة، تبحث عن شركاء محليين. وحين لا تريد دفع ثمن بناء الدولة، تترك قوى محلية وإقليمية تتصارع على ما بعد الحرب. وحين لا تريد دفع ثمن التخلي الكامل، تُبقي حضورًا محدودًا يكفي لإدارة الأزمة، لا لحلها.
هذا السلوك ليس جديدًا. في أفغانستان، بنت واشنطن شراكة طويلة مع قوى محلية ثم انسحبت حين تغيرت أولوياتها. في العراق، أسقطت نظامًا، لكنها تركت فراغًا دفع العراقيون ثمنه طويلًا. وفي سوريا، تعاملت مع قسد كقوة مفيدة ضد داعش، لكنها لم تحول هذا التعاون إلى التزام سياسي دائم تجاه الشعب الكردي.
وفي هذا الموقع الوسطي، يصبح الشركاء المحليون أكثر عرضة للخذلان. فواشنطن لا تتعامل معهم غالبًا بوصفهم أصحاب قضايا تاريخية، بل بوصفهم أدوات ضمن ملفات أكبر. حين تنتهي الوظيفة، يتراجع الالتزام. وحين تتغير الأولوية، تتغير اللغة. وحين تظهر صفقة أكبر، يصبح الشريك الأصغر قابلًا لإعادة التصنيف.
ما حدث لقسد ليس استثناءً، بل مثال مكثف على هذا المنطق. وما قد يحدث لغيرها مستقبلًا سيكون تكرارًا للصيغة نفسها، ما لم تمتلك القوى الصغيرة ضمانات حقيقية لا تقوم فقط على الحاجة المؤقتة.
العراق ولبنان: سيادة منقوصة
في الشرق الأوسط الذي يتشكل الآن، تبدو بعض الدول أقرب إلى ساحات توازن منها إلى دول كاملة السيادة. العراق ولبنان مثالان واضحان.
في العراق، تتداخل الدولة مع الفصائل، والسيادة مع النفوذ الخارجي، والقرار الوطني مع حسابات إيران والولايات المتحدة وتركيا. لا يريد أحد انهيار العراق، لكن كثيرين يستخدمون هشاشته. لا تريد واشنطن تسليمه كاملًا لإيران، ولا تريد طهران خسارة عمقها فيه، ولا تريد تركيا ترك إقليم كردستان خارج حساباتها الأمنية. وهكذا يبقى العراق دولة قائمة، لكنها مثقلة بوظائف إقليمية.
أما لبنان، فقد تحول منذ زمن طويل إلى مرآة لصراعات أكبر من حجمه. لا يستطيع الخروج من نفوذ حزب الله من دون كلفة داخلية وإقليمية، ولا يستطيع البقاء تحت هذا النفوذ من دون انهيار مستمر للدولة. يصبح البلد كله معلقًا بين حرب لا يريدها، وتسوية لا يملك شروطها.
في الحالتين، نرى نموذجًا متكررًا: دولة لا تنهار، لكنها لا تستعيد سيادتها كاملة. تبقى المؤسسات قائمة، وتستمر الحكومة في أداء وظائفها اليومية، لكن القرار الفعلي يظل موزعًا بين قوى داخلية مسلحة، ونفوذ خارجي، وتوازنات إقليمية. وهكذا لا تعود الأزمة شأنًا وطنيًا خالصًا، بل ملفًا مفتوحًا تتدخل فيه مراكز قرار متعددة.
وهذا هو المعنى العملي للفوضى المُدارة. لا أحد يريد انهيارًا شاملًا، لكن لا أحد مستعد أيضًا لدفع ثمن بناء دولة كاملة السيادة. فيبقى الوسط المريض: دولة ضعيفة بما يكفي لاستخدامها، وقوية بما يكفي لمنع الفوضى الشاملة.
وإذا كانت «الفوضى الخلّاقة» التي راجت في الخطاب الأمريكي قبل عقدين توحي بأن تفكيك البنى القديمة قد يفتح الطريق إلى شرق أوسط جديد، فإن ما نراه اليوم هو وجهها الأقل وعدًا: فوضى لا تخلق نظامًا جديدًا، بل تُدار بما يكفي لمنع الانفجار الكامل، وتُستثمر بما يكفي لإعادة توزيع النفوذ والخسائر.
سوريا: عودة المركز أم إعادة إنتاج الأزمة؟
سوريا هي الساحة التي تكشف أخطر الأسئلة. بعد كل هذا الخراب، هل تتجه البلاد إلى دولة جديدة حقًا، أم إلى مركز جديد يعيد إنتاج القديم بوجوه مختلفة؟
إذا كانت الدولة السورية المقبلة ستقوم على منطق استعادة السيطرة فقط، فإنها لن تحل الأزمة، بل ستحجبها مؤقتًا. وإذا كان شعار وحدة سوريا سيُستخدم لإلغاء التعدد، وتجاهل القضية الكردية، وتهميش المناطق التي عاشت تجارب مختلفة خلال سنوات الحرب، فإن ما سيُبنى لن يكون دولة جديدة، بل إعادة تركيب لسلطة قديمة بواجهة أخرى.
القضية الكردية هنا ليست تفصيلًا. إنها اختبار لطبيعة سوريا المقبلة. فالدولة التي تعجز عن الاعتراف بالكرد، وباللغة الكردية، وبالحقوق الثقافية والسياسية والإدارية، لن تكون دولة مواطنة حقيقية. وستظل تحمل داخلها بذور أزمة مؤجلة.
لكن المشكلة لا تخص الكرد وحدهم. فالعرب السنة، والعلويون، والمسيحيون، والدروز، والإسماعيليون، والعشائر، والمدن المدمرة، والمهجرون، وكل الفئات التي دفعت أثمان الحرب، ستسأل كل بطريقتها: ما معنى سوريا الجديدة؟ هل هي دولة لكل من نجا من الحرب، أم مركز جديد يطلب الخضوع باسم الاستقرار؟
الحرب السورية لم تُحسم بالمعنى السياسي. صحيح أن خرائط السيطرة تبدلت، وأن قوى كثيرة تراجعت أو صعدت، لكن السؤال الأساسي بقي قائما: كيف يمكن بناء دولة بعد كل هذا الدم من دون عقد جديد؟
إذا لم يُطرح هذا السؤال بجدية، فإن سوريا لن تخرج من الحرب، بل ستدخل مرحلة أخرى من إدارتها.
ما تحت الجغرافيا السياسية
غير أن قراءة المنطقة من زاوية الدول والجيوش والتحالفات لا تكفي وحدها. فهناك طبقة أعمق تتحرك تحت السطح: الاقتصاد، والمياه، والطاقة، والبطالة، وجيل واسع من الشباب لا يجد مكانًا له في الأنظمة القائمة. أزمة المياه في العراق وسوريا، وتراجع الزراعة، واتساع البطالة بين الشباب، وانهيار الخدمات في مدن كثيرة، ليست تفاصيل اجتماعية هامشية؛ إنها وقود سياسي مؤجل. هذه العوامل لا تظهر دائمًا في بيانات القمم أو خرائط النفوذ، لكنها قد تكون أكثر قدرة على تفجير الفوضى المُدارة من الداخل.
فدول كثيرة في المنطقة لا تواجه فقط أزمات سيادة أو نفوذ، بل أزمات معيشة يومية: تراجع الخدمات، ضعف فرص العمل، تضخم، انهيار عملات، ندرة مياه، ومدن تكبر أسرع من قدرة الدولة على إدارتها. وفي مثل هذه الظروف، لا تبقى الفوضى مسألة حدود وجيوش فقط، بل تصبح مسألة خبز، وكهرباء، وتعليم، ومستقبل.
لذلك قد لا يأتي الانفجار المقبل من قرار عسكري كبير، بل من تراكم صغير في الشارع: سعر خبز، انقطاع ماء، بطالة، أو إهانة يومية. أي ترتيب إقليمي يتجاهل هذا الجانب الإجتماعي سيظل ناقصا، مهما بدا متماسكًا على خرائط النفوذ.
الكرد: من ورقة إلى مسألة مزمنة
في خريطة كهذه، تبدو القضية الكردية، بأجزائها المختلفة، واحدة من أكثر القضايا عرضة للمقايضة. ليست القضية الكردية هنا مركز الشرق الأوسط كله، لكنها تكشف بوضوح مصير القضايا التي تدخل الصراعات الكبرى بلا دولة تحميها ولا ضمانات ثابتة.
في سوريا، انتهى الوهم الأوجلاني إلى انتكاسة قاسية.
في العراق، يملك إقليم كردستان كيانًا دستوريًا، لكنه محاصر بين بغداد وطهران وأنقرة وحسابات الطاقة والحدود.
في تركيا، تستمر الدولة في إدارة المسألة الكردية كملف أمني، حتى عندما تستخدم لغة سياسية أو تفاوضية.
وفي إيران، تبدو كردستان الشرقية أمام لحظة حساسة: نظام ضعيف لكنه لا يسقط، ومعارضة مركزية لا تطمئن القوميات، وخارج دولي يهتم بالنووي والصواريخ والممرات أكثر مما يهتم بحقوق الشعوب.
هذا يعني أن الكرد قد يظهرون في كل أزمة بوصفهم ورقة مفيدة، لكنهم لا يتحولون تلقائيًا إلى طرف مضمون الحقوق. وهذه هي المعضلة التاريخية. فهم حاضرون في الحروب، غائبون غالبًا عن التسويات. يُطلب منهم القتال، أو ضبط الحدود، أو ملء الفراغ، أو إرباك الخصوم، لكن الاعتراف بحقوقهم يُمدد إلى أجل غير مسمى.
غير أن هذه ليست لعنة أبدية. إنها نتيجة سياسية يمكن تغييرها فقط إذا امتلك الكرد أدوات مختلفة: وحدة داخلية أوسع، خطابًا عقلانيًا قابلًا للتدويل، فصلًا واضحًا بين القضايا القومية والتنظيمات العابرة للحدود، وقراءة باردة لمصالح القوى الكبرى. فالحق وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى سياسة قابلة للحماية.
الشرق الأوسط كغرفة انتظار
ما يتشكل اليوم يشبه غرفة انتظار طويلة. الجميع ينتظر شيئًا ما.
إيران تنتظر أن يتعب خصومها من الضغط.
تركيا تنتظر أن تتحول أزمات الآخرين إلى مكاسب لها.
إسرائيل تنتظر أن يتحول التفوق العسكري إلى قبول إقليمي أوسع.
الولايات المتحدة تنتظر أن تنجح إدارة الأزمات من دون تورط كبير.
الأنظمة تنتظر أن ينسى الناس مطالب التغيير تحت ضغط الخوف.
والشعوب تبحث عن حياة ممكنة وسط كل ذلك، لكنها تفعل ذلك غالبًا بلا أدوات كافية للتغيير: وعي مشتت، تنظيمات ضعيفة، سرديات يقينية خانقة، وأنظمة تستعمل القوة لكبح كل تطلع نحو الانعتاق.
لكن الانتظار ليس فراغا. إنه ينتج وقائع. خلاله تُرسم حدود النفوذ، وتُضعف قوى، وتُدمج أخرى، وتُمحى تجارب، وتُعاد كتابة السرديات. وما لا يُحسم عسكريًا قد يُصفّى إداريًا أو دبلوماسيًا أو اقتصاديًا. وما لا يُعلن كخسارة قد يتحول، بمرور الوقت، إلى أمر واقع.
هكذا تعمل المرحلة الراهنة. لا تحتاج دائمًا إلى إعلان كبير. تكفي سلسلة صغيرة من الخطوات: انسحاب محدود، تفاهم غير معلن، دمج إداري، تغيير في الخطاب، إعادة تعريف للشريك، تجاهل لمطلب، تأجيل لضمانة. وفي النهاية يكتشف الطرف الأضعف أن موقعه تغيّر جذريًا من دون أن يكون قد شهد لحظة سقوط واضحة.
هذا ما حدث، بدرجات مختلفة، في أكثر من مكان. وهذا ما قد يحدث مجددًا.
لا نظام جديدًا بل توازنات مؤقتة
ربما كان أخطر أوهام المرحلة هو الاعتقاد بأن الشرق الأوسط يتجه إلى نظام جديد مستقر. ما نراه أقرب إلى توازنات مؤقتة لا إلى نظام. فالنظام يحتاج إلى قواعد، وضمانات، واعتراف متبادل، وحدود مقبولة للقوة. أما ما يجري الآن فهو أقرب إلى تفاهمات اضطرارية بين أطراف لا يثق أحدها بالآخر.
إيران لا تقبل موقعًا مهزومًا.
إسرائيل لا تقبل بقاء تهديدات مفتوحة حولها.
تركيا لا تقبل بصعود كردي مستقل.
العرب لا يملكون مشروعًا إقليميًا موحدًا.
الولايات المتحدة لا تريد التورط الكامل ولا الانسحاب الكامل.
والشعوب تبحث عن حياة ممكنة، لكنها لا تملك غالبًا أدوات تغيير حقيقية.
أما روسيا والصين، فهما لا تقفان خارج هذا المشهد. روسيا تستثمر في فراغ القوة الأمريكية وفي حاجة الأنظمة إلى الحماية السياسية والعسكرية، لكنها لا تملك مشروعًا إقليميًا شاملًا يعيد بناء المنطقة. والصين تتحرك بحذر أكبر، عبر الاقتصاد والطاقة والموانئ والوساطات المحدودة، لكنها تفضّل الاستقرار القابل للتجارة على المغامرة السياسية. لذلك لا يقدمان بديلًا كاملًا عن الولايات المتحدة، بل يوسّعان هامش المناورة داخل الفوضى نفسها.
في مثل هذه الخريطة، يصبح الاستقرار هشًا لأنه لا يقوم على حل المظالم، بل على إدارتها. لا يقوم على بناء الثقة، بل على إدارة الخوف. لا يقوم على الاعتراف، بل على مقايضة الحقوق. وهذا النوع من الاستقرار قد يستمر فترة، لكنه يحمل داخله بذور الانفجار المقبل.
من يدفع الثمن؟
السؤال الأهم في هذه المرحلة ليس: من انتصر؟ لأن لا أحد ينتصر كاملًا. وليس: من هُزم؟ لأن الهزائم لم تعد تعلن دائمًا بصراحة. السؤال الأدق هو: من يدفع الثمن؟
في الغالب، يدفعه من لا يملك دولة قوية.
من لا يملك جيشًا يعترف به الآخرون.
من لا يملك اقتصادًا يحمي قراره.
من لا يملك حليفًا ثابتًا.
من لا يملك سردية قادرة على الوصول إلى العالم.
ومن لا يملك وحدة داخلية تحول قضيته من ورقة إلى مشروع.
والكرد، في أجزاء مختلفة من وطنهم المقسّم، يفتقرون إلى معظم هذه الضمانات إن لم تكن كلها ، وإن لم يكونوا وحدهم من يدفع ثمن الحروب غير الحاسمة والتسويات غير المنصفة.
يدفعه اللاجئون، والمناطق الحدودية، والأقليات القومية والدينية، والحركات المحلية، والطبقات الفقيرة، والمدن المدمرة، والشعوب التي تدخل الحروب باسم الحرية أو الأمن أو الخلاص، ثم تخرج منها وهي مطالبة بقبول ما تقرره عواصم القرار.
هذا هو الوجه الأكثر قسوة للحروب التي لا تحسم. فهي لا تترك الجميع في المكان نفسه. بل تعيد ترتيب مواقعهم بصمت. تمنح بعضهم وقتًا إضافيًا، وتسحب من آخرين أوراقهم. تضعف دولًا، لكنها لا تنصف شعوبًا. تضرب أنظمة، لكنها لا تبني بدائل. وتفتح تفاوضًا طويلًا حول الأمن، بينما تبقى العدالة مؤجلة.
كيف يمكن كسر الدائرة؟
لا يبدأ الخروج من هذه الدائرة بانتظار قوة كبرى أكثر عدلًا، ولا بالتعويل على حرب فاصلة تغيّر كل شيء، ولا بتوسل الخطاب الأخلاقي وحده. يبدأ من بناء قدرة داخلية على التفاوض: مؤسسات تمثيلية، خطاب حقوقي واضح، وحدة سياسية أوسع، وفصل بين القضية العادلة والأدوات التنظيمية التي تسهل تحولها إلى أدوات صغيرة في مشاريع الكبار.
ومع ذلك، لا تعني الفوضى المُدارة أن المنطقة محكومة بالبقاء داخل الدائرة نفسها إلى الأبد؛ فقد تأتي الاختراقات من تعب المجتمعات من الحرب، أو من ضغط الاقتصاد على الأنظمة، أو من صعود أجيال جديدة أقل ارتباطًا بسرديات الصراعات القديمة.
هذا يخص الكرد، لكنه لا يخصهم وحدهم. يخص كل جماعة أو شعب أو حركة تدخل صراعات المنطقة من موقع هش. فالحق لا يحمي نفسه بنفسه. والعدالة لا تنتصر لمجرد أنها عدالة. لا بد أن تتحول إلى سياسة، وأن تتحول السياسة إلى تنظيم، والتنظيم إلى قدرة على التفاوض، والتفاوض إلى ضمانات.
غير أن هذا المسار ليس سهلًا ولا سريعًا. فالقوى الصغيرة تتحرك غالبًا داخل بيئات قاسية، وتحت ضغط الخوف، والانقسام، والحاجة، والتهديد الخارجي. لكنها، إذا لم تبنِ أدواتها الخاصة، ستبقى مادة في أدوات الآخرين.
خاتمة الثلاثية
حين لا تحسم الحروب، لا يعني ذلك أن شيئًا لا يحدث. على العكس، يحدث الكثير. لكن ما يحدث لا يظهر دائمًا كحدث كبير. إنه يظهر كتآكل، ودمج، وتراجع، وانتظار، وإعادة ترتيب. هكذا تُستنزف إيران من دون أن تسقط. وهكذا يُدفع الشعب الكردي في سوريا إلى ما بعد الوهم. وهكذا يتشكل شرق أوسط لا يملك نهاية واضحة لصراعاته، بل قدرة متجددة على إدارتها.
هذه القراءة ليست متشائمة بالضرورة، لكنها قراءة لا تريد أن تخلط بين الحركة والتقدم، ولا بين الحرب والحسم، ولا بين التسوية والعدالة. فالمنطقة تتحرك كثيرًا، لكنها لا تتقدم بالضرورة. تُعقد تفاهمات كثيرة، لكنها لا تحل دائمًا جذور الأزمات. وتُعلن انتصارات كثيرة، لكنها غالبًا ما تكون انتصارات ناقصة، مؤجلة، أو قابلة للتراجع عنها.
في إيران، يتأكد أن الضعف لا يعني السقوط.
وفي حالة كردستان الغربية، يتأكد أن التضحية لا تعني الاعتراف.
وفي الشرق الأوسط كله، يتأكد أن القوة لا تعني القدرة على بناء نهاية.
لذلك تبدو المنطقة عالقة بين حروب لا تتحول إلى حروب شاملة، وتسويات لا تنتج عدالة. وبين هذين الحدين، تُدار الشعوب، وتُستعمل القضايا، وتُؤجل الحقوق، وتُعاد صياغة الخرائط من دون إعلان رسمي دائمًا.
ربما يأتي يوم تنكسر فيه هذه الحلقة. ربما يولد عقد إقليمي جديد، أو دول أكثر عدالة، أو حركات سياسية أكثر نضجًا، أو وعي شعبي يرفض أن يبقى مادة في صراعات الآخرين. لكن ذلك لن يحدث تلقائيًا. لن يحدث لأن حربًا أضعفت نظامًا، أو لأن قوة كبرى وعدت شريكًا، أو لأن قضية عادلة تستحق الانتصار.
سيحدث فقط حين تتحول العدالة إلى سياسة، والسياسة إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة تفاوض، والقوة إلى ضمانات.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الشرق الأوسط يعيش المعادلة نفسها:
حروب لا تحسم، وتسويات لا تنصف، وشعوب تدفع ثمن ما لم تقرره.
20 أيار/مايو 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق ملا تمثل القضية الكردية في سورية إحدى أكثر الملفات حساسية وتشابكاً، ليس فقط بحكم تعقيداتها الداخلية، وإنما أيضاً بسبب تداخلها مع الحسابات الإقليمية والدولية، والإشكالات التاريخية المتعلقة بمفهوم الهوية الوطنية السورية. وعبر العقود الماضية، فشلت أنظمة الحكم المُتعاقبة في تقديم مقاربة وطنية شاملة تنظر إلى الكرد بوصفهم شريكاً في الدولة السورية، له حقوق في التمثيل والإدارة، ما دفع قطاعاً…

خالد حسو   “هناك رجالٌ يمرّون في التاريخ، وهناك رجالٌ يصنعون التاريخ.”   حين يُكتب تاريخ النضال الكوردي، لا يُذكر اسم مسعود بارزاني كزعيمٍ سياسي فحسب، بل كأحد أبرز الرجال الذين حملوا قضية شعبهم في أصعب مراحلها، وحوّلوها من صرخةٍ في الجبال إلى قضيةٍ يسمعها العالم بأسره. هذه ليست حكاية سلطة أو منصب، بل سيرة شعبٍ قاوم الإبادة والتهجير والحصار…

لاوين ابراهيم في ظل ما نشهده اليوم من فشل متكرر لمؤتمرات “وحدة الموقف والكلمة”، ومن تراجع واضح لدور القوى الكوردية التقليدية، يبرز سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: من الذي فوّض هذه الجهات أصلاً لتقرير مصير الكورد في سوريا؟ لسنوات طويلة احتكرت أحزاب وقوى معينة الحديث باسم الشعب الكوردي، وقدّمت نفسها ممثلاً شرعياً لقضية ملايين الكورد، دون انتخابات حقيقية، ودون مرجعية…

فيصل اسماعيل رفعت الحركة الكوردية منذ ستينات القرن الماضي شعار “عاشت الأخوة العربية الكوردية” للتأكيد أن الكورد لا يعادون العرب، بل يطالبون بشراكة عادلة واعتراف بحقوقهم القومية ضمن الوطن. كان ذلك الشعار قائمًا على فكرة واضحة: وجود شعبين رئيسيين يجب أن تجمعهما علاقة شراكة واحترام متبادل، لا علاقة إنكار وهيمنة. لكن مع صعود فكر عبد الله أوجلان وتجربة حزب الاتحاد…