عبد الرحمن حبش
منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وجد الكورد في سوريا أنفسهم أمام فرصة تاريخية غير مسبوقة لإعادة طرح قضيتهم القومية على المستوى الدولي، مستفيدين من التحولات الكبرى التي ضربت بنية الدولة السورية، ومن المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضتها الحرب. وللمرة الأولى، تحولت القضية الكوردية في سوريا من ملف محلي مهمش إلى قضية حاضرة في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل سوريا وشكل نظامها السياسي القادم.
لقد استطاع الكورد، عبر قواتهم العسكرية والإدارية، أن يصبحوا جزءا من المعادلة السورية الجديدة، خاصة بعد الحرب ضد تنظيم داعش، حيث حظيت قوات سوريا الديمقراطية بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية عدة، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا. كما بدأت العواصم الغربية تنظر إلى الكورد باعتبارهم شريكا فاعلًا في مشروع إعادة تشكيل سوريا المستقبل، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.
وفي خضم هذه التحولات، لعب الرئيس مسعود بارزاني دورا بارزا في دعم جهود توحيد الموقف الكوردي في سوريا، انطلاقا من قناعته بأن أي مشروع كوردي ناجح لا يمكن أن يتحقق دون وحدة سياسية حقيقية بين القوى الكوردية. وقد قاد سلسلة من الاتصالات السياسية والدبلوماسية مع الدول صاحبة القرار والتأثير في الملف السوري، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية، بهدف تثبيت الحقوق المشروعة للشعب الكوردي ضمن مستقبل سوريا الجديدة.
كما سعى الرئيس بارزاني إلى تقريب وجهات النظر بين المجلس الوطني الكردي والإدارة الذاتية، ووفر الغطاء السياسي والدعم المعنوي لإنجاح الحوارات الكوردية – الكوردية، إدراكا منه لحساسية المرحلة وخطورة ضياع الفرصة التاريخية التي أتاحتها المتغيرات الدولية للكورد في سوريا.
وعلى مدى أكثر من عامين، رعت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا سلسلة مبادرات ومحاولات لتوحيد الموقف الكوردي بين المجلس الوطني الكردي والإدارة الذاتية، بهدف تشكيل وفد سياسي موحد يستطيع التفاوض باسم الكورد في أي عملية سياسية سورية مستقبلية. إلا أن تلك الجهود انتهت دون نتائج حقيقية، بسبب استمرار الخلافات الحزبية، وغياب القرار السياسي المستقل، إضافة إلى ارتهان الأطراف الكوردية لأجندات دول إقليمية متصارعة، وعدم امتلاك رؤية سياسية واقعية لقراءة مستقبل سوريا والمتغيرات الدولية المتسارعة.
لقد كانت الحركة السياسية الكوردية في سوريا، في كثير من الأحيان، رهينة لمصالح وسياسات دول إقليمية، مثل تركيا وإيران وبعض الدول العربية، التي لم تكن تنظر بعين الرضا إلى أي مشروع سياسي كوردي مستقل داخل سوريا. وقد انعكس هذا التأثير الإقليمي بشكل مباشر على القرار السياسي الكوردي، وأدى إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإضعاف فرص الوصول إلى مشروع قومي موحد يخدم تطلعات الشعب الكوردي وحقوقه المشروعة.
وفي المقابل، نجحت المشاريع الإقليمية المنافسة، وخاصة المشروع التركي، في فرض رؤيتها على جزء كبير من المشهد السوري، مستفيدة من الانقسامات الكوردية وفشل القوى الكوردية في استثمار الدعم الدولي بالشكل الصحيح. ومع مرور الوقت، بدأت السياسات الأمريكية والأوروبية تتغير تدريجيا، بعدما أدركت تلك الدول أن القوى الكوردية عاجزة عن تقديم مشروع سياسي موحد ومستقر يمكن البناء عليه في مستقبل سوريا.
وهكذا، تراجع الدور السياسي للكورد تدريجيا، بالتزامن مع صعود قوى جديدة على الأرض السورية، وتحول الاهتمام الدولي نحو ترتيبات أخرى مرتبطة بإعادة تشكيل السلطة في دمشق، بينما جرى إبعاد الائتلاف السوري المعارض من المعادلة السياسية، وكان المجلس الوطني الكردي جزءا من هذا التهميش والإقصاء.
أما الاجتماع الدولي الأخير الذي عقد في فرنسا بشأن الملف السوري، فقد شكّل نقطة تحول حاسمة في مسار القضية السورية عموما، والقضية الكوردية خصوصا، حيث بدا واضحا أن مرحلة المشاريع المستقلة قد انتهت، وأن القوى الدولية تتجه نحو إعادة دمج المناطق الكوردية ضمن سلطة دمشق المركزية، بعد سقوط نظام بشار الأسد وتغير موازين القوى الإقليمية والدولية.
اليوم، يعيش الكورد في سوريا واحدة من أصعب مراحلهم السياسية، في ظل حالة من الانقسام والتفكك داخل الحركة السياسية الكوردية، وفقدان الثقة الشعبية، وغياب المشروع القومي الموحد. والأخطر من ذلك، أن القضية الكوردية لم تعد تدار بوصفها قضية شعب يسعى لنيل حقوقه القومية المشروعة، بل أصبحت في كثير من الأحيان ورقة ضمن صراعات ومحاور إقليمية تتحكم بقرارات القوى السياسية الكوردية وتوجهاتها.
لقد أضاع الكورد فرصة تاريخية ربما لن تتكرر بسهولة، ليس بسبب غياب الدعم الدولي، بل بسبب غياب الوحدة والقرار السياسي المستقل والرؤية الاستراتيجية القادرة على تحويل التضحيات العسكرية والسياسية إلى مكاسب وطنية حقيقية. فالقضية الكوردية في سوريا كانت قريبة من أن تصبح جزءا من القرار الدولي، لكنها عادت اليوم لتختزل ضمن حسابات إقليمية ضيقة وصراعات داخلية أنهكت الشارع الكوردي وأفقدته القدرة على التأثير في مستقبل سوريا، الأمر الذي أدى إلى ضرب حلم الشعب الكوردي في الوصول إلى حقوقه القومية والدستورية ضمن سوريا ديمقراطية تعددية.