عمر إبراهيم
تُعدّ اللغة الأم من أهمّ مقومات وجود الشعوب والأمم، لأنها ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل وعاء يحمل التاريخ والثقافة والتراث والهوية القومية. واللغة الكوردية، بما تمتلكه من عمق حضاري وأدبي، تُجسّد ذاكرة الأمة الكوردية عبر آلاف السنين، وتحفظ ملامح وجودها في جغرافية كوردستان.
لقد عانى الشعب الكوردي عبر مراحل طويلة من محاولات طمس لغته ومنعها في التعليم والإعلام والمؤسسات الرسمية، لأن استهداف اللغة كان دائمًا وسيلة لإضعاف الهوية القومية وقطع الصلة بين الإنسان الكوردي وتاريخه وثقافته. ومع ذلك بقيت اللغة الكوردية حيّة في البيوت والأغاني والحكايات الشعبية والشعر والتراث الشفهي، تنتقل من جيل إلى آخر رغم كل الصعوبات.
إن اللغة الكوردية ليست لهجات متفرقة فحسب، بل لغة غنية بمفرداتها وأدبها وموسيقاها وجمال تعبيرها. وقد قدّم الأدباء والشعراء الكورد عبر التاريخ أعمالًا عظيمة ساهمت في الحفاظ على هذه اللغة وتطويرها، لتبقى رمزًا للهوية والانتماء.
وتبرز أهمية اللغة الأم في بناء شخصية الإنسان منذ الطفولة، لأنها اللغة التي يفكر بها الطفل ويعبّر من خلالها عن مشاعره وأحلامه. كما أن التعليم باللغة الأم يمنح الفرد ثقة أكبر بنفسه ويساعده على الإبداع والتعلّم بصورة أفضل. لذلك فإن حماية اللغة الكوردية وتطويرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام مسؤولية قومية وثقافية تقع على عاتق الجميع.
إن يوم اللغة الكوردية ليس مناسبة احتفالية فقط، بل هو تذكير بحق الشعب الكوردي في الحفاظ على لغته وثقافته وهويته القومية. فاللغة التي تصمد أمام المنع والتهميش تتحول إلى رمز للمقاومة والبقاء.
ومن واجب الأجيال الجديدة أن تعتز بلغتها الأم، وأن تتحدث بها وتكتب بها وتعمل على تطويرها، لأن الأمة التي تحافظ على لغتها تحافظ على وجودها وكرامتها وذاكرتها التاريخية.
فاللغة الكوردية ستبقى صوت الأمة الكوردية، ومرآة ثقافتها، والجسر الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.