زاهد العلواني
في الجزيرة السورية، بدأت تتشكل هيئات وانتخابات ومجالس يفترض أنها تمثل الناس وتدافع عن مصالحهم، لكن المؤسف أن العقلية القديمة ما تزال تحكم المشهد السياسي والاجتماعي ، فبدلاً من أن يُسأل المرشح :
ماذا يحمل من مؤهلات ؟ وما هي كفاءته؟ وما الذي سيقدمه للدستور ؟
أصبح السؤال:
من أي قبيلة هو ؟ أو لأي حزب ينتمي؟
أو لأي مكون قومي أو ديني يمثل؟
العربي يُقدَّم على أنه ممثل القبيلة الفلانية، والكردي على أنه ممثل الحزب الفلاني، والمسيحي على أنه ممثل الطائفة أو الكنيسة، وكأن الوطن لم يعد مساحة مشتركة تجمع الجميع، بل ساحة لتقاسم النفوذ، مع كل أسف، والمحاصصة على الابواب .
إن أخطر ما يهدد مستقبل الجزيرة . عندما يصبح الانتماء القبلي أو الحزبي أو الطائفي أهم من الكفاءة والنزاهة، فإننا نؤسس لمجتمع هشّ لا يعرف معنى المواطنةالحقيقية.
لقد دفعت العراق ،لبنان، ثمناً باهظاً بسبب المحاصصة، وكان من المفترض أن تكون تجربة نبتعد منها ، فالوطن لا يُبنى بالمحاصصة، بل ببناء مؤسسات عادلة تساوي بين العربي، الكردي، المسيحي، وتمنح الفرصة للأكفأ بغض النظر عن قوميته أو دينه أو عشيرته.
الجزيرة السورية تحتاج اليوم إلى خطاب جديد، خطاب يقول إن العربي والكردي والسرياني والآشوري والأرمني شركاء في الأرض والمصير، وإن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للناس والوطن، لا بما يحمله من اسم أو انتماء لقومية، فالمجتمعات التي تتقدم هي التي تنتخب أصحاب المشاريع والعقول، لا أصحاب الشعارات والهويات الضيقة.
متى نصل إلى مرحلة نقول فيها هذا يمثل الشعب لا القبيلة؟
هذا يخدم الوطن لا الحزب؟
هذا يدافع عن العدالة لا عن المكاسب الفئوية؟
إن الخروج من عقلية المحاصصة ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى وعي شعبي وشجاعة أخلاقية ، وإلى جيل جديد يؤمن بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على العنصرية والتخندق، بل على المواطنة والعدالة والشراكة الحقيقية بين جميع أبنائها، تحت شعار ” لاللطائفية لا للعنصرية نعم لوطن للجميع” .