شادي حاجي
في ظل التحولات السياسية التي تعيشها سوريا، تتزايد النقاشات حول شكل المرحلة الانتقالية وآليات تمثيل المكونات القومية والدينية والطائفية، وفي مقدمتها الشعب الكردي داخل أي مجلس تشريعي أو «مجلس شعب مؤقت». وبينما تبدو مشاركة القوى والأحزاب الكردية في هذه المؤسسات خطوة ضرورية لضمان الحضور السياسي الكردي في مستقبل البلاد، فإن ثمة إشكالية جوهرية تفرض نفسها بقوة:
هل يمكن لقضية قومية تاريخية بحجم القضية الكردية العادلة أن تُحسم عبر التصويت العددي داخل مجلس شعب سواء كان مؤقتاً ومنتقى أو منتخباً، أم أنها تحتاج إلى توافق وطني ودستوري يُبنى خارج مجلس الشعب قبل أن يُكرَّس داخله، بما يضمن شراكة مستقرة بين مكونات الدولة السورية؟
إن القضية الكردية في سوريا ليست ملفاً خدمياً أو سياسياً عابراً يمكن حسمه عبر التصويت البرلماني التقليدي، بل هي قضية وطنية ودستورية ترتبط بمفهوم الشراكة في الدولة والاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع السوري. ولذلك، فإن تحويل الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا إلى مادة خاضعة للأكثرية العددية يحمل في طياته خطراً سياسياً وقانونياً كبيراً، لأنه يضع مصير قضية تاريخية تحت «سيف التصويت» الذي قد تحكمه الاصطفافات السياسية المؤقتة، أو الحسابات الإقليمية، أو حتى المزاج الشعبي المتغير.
من هنا، تبرز أهمية أن يدرك ممثلو الكرد في أي مجلس تشريعي مستقبلي أن دورهم الأساسي يجب ألا ينحصر في خوض معارك رقمية داخل قاعة البرلمان، بل في العمل على نقل القضية الكردية إلى مستوى التفاهمات الوطنية العليا مع صانعي القرار السياسي في الدولة السورية. فالقضايا المصيرية المتعلقة بالهوية القومية، والاعتراف الدستوري، والحقوق الثقافية والسياسية، لا تُحسم عادة بمنطق الغلبة، وإنما عبر التوافقات السياسية الكبرى التي تؤسس لاستقرار طويل الأمد.
إن الوصول إلى تفاهمات استراتيجية خارج المجلس التشريعي لا يعني تجاوز المؤسسات أو إضعافها، بل يهدف إلى حماية هذه القضايا من السقوط في لعبة الأغلبية والأقلية. فعندما يتم الاتفاق مسبقاً مع مراكز القرار السياسي على المبادئ الأساسية المتعلقة بالحقوق الكردية، يصبح دور المجلس لاحقاً أقرب إلى تثبيت التوافق الوطني وإضفاء الشرعية الدستورية عليه، بدل تحويله إلى ساحة صراع قد تنتهي بإسقاط الحقوق تحت ضغط التصويت.
كما أن التجارب السياسية في الدول متعددة القوميات تثبت أن الملفات المرتبطة بحقوق الشعوب والمكونات لا تُحل عبر التفوق العددي، بل عبر التسويات التاريخية والتفاهمات العميقة بين القوى الوطنية. فالأغلبية البرلمانية قد تتغير من مرحلة إلى أخرى، لكن الحقوق الدستورية المستقرة يجب أن تبقى ثابتة ومحصنة ضد التقلبات السياسية.
إضافة إلى ذلك، فإن خصوصية القضية الكردية في سوريا تجعلها مرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية معقدة، الأمر الذي يفرض التعامل معها باعتبارها ملفاً سيادياً حساساً يحتاج إلى حوارات ومفاوضات مباشرة مع الدولة ومؤسساتها العليا، لا مجرد نقاش عابر داخل مجلس شعب قد تكون صلاحياته محدودة أصلاً خلال المرحلة الانتقالية.
لذلك، فإن نجاح الطموحات والتطلعات السياسية الكردية لن يتحقق فقط عبر عدد المقاعد أو قوة الكتل داخل المجلس التشريعي، بل عبر القدرة على بناء تفاهمات وطنية حقيقية مع صناع القرار السوري في السلطة الانتقالية في دمشق، قائمة على الاعتراف والشراكة والضمانات الدستورية. فالقضايا المصيرية لا ينبغي أن تُترك رهينة صندوق التصويت، لأن الحقوق القومية لا تُمنح بمنطق الغلبة، بل تُصان بالتوافق الوطني العادل.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً.