خوشناف سليمان
في الليل الطويل الذي يخيّم على شمال سوريا. لا أحد ينام مطمئنًا.
حتى الخرائط نفسها تبدو قلقة.
الحدود التي رسمها الجنرالات قبل قرن. بدأت ترتجف كأنها خطوط مرسومة فوق ماءٍ ساخن. لا فوق اليابسة.
هناك شيء كبير يُطبخ في المنطقة. لكن أحدًا لا يعترف بوصفته الحقيقية.
في القامشلي. لا تبدو المدينة مدينةً واحدة.
في الشارع ذاته. تمرّ سيارة أمريكية مصفحة. ثم حاجز لقوات الحكومة السورية. ثم عناصر من قسد. ثم وجوه عشائرية تراقب الجميع بصمتٍ بدويّ قديم. كأنها تعرف أنّ الدول مؤقتة. وأن القبائل وحدها تتقن الانتظار.
الكرد يعرفون اليوم أنهم يقفون فوق أرض لهم بالكامل وليست لغيرهم
إنها منطقة مؤجلة .. مثل رسالة لم يفتحها أحد منذ سنوات.
الإدارة الذاتية تحاول أن تبدو واثقة. لكنها خسرت الكثير و تدرك أن العالم لا يمنح الشرعية مجانًا.
واشنطن لا تحمل مشروعًا أخلاقيًا للكرد. بل تحمل دفتر مصالح.
حين احتاجت قوةً تقاتل داعش. فتحت أبواب الدعم.
وحين تغيّرت خرائط النار في الشرق الأوسط. بدأت تتحدث بلغة / التفاهمات / و / الاندماج / و / وحدة الأراضي السورية/ .
الكلمات الدبلوماسية غالبًا ما تكون أسماءً مهذبة للخسارات القادمة.
تركيا من جهتها لا ترى في التجربة الكردية سوى خطر مؤجل على حدودها.
أنقرة لا تخاف من دبابة كردية بقدر ما تخاف من فكرة كردية مستقرة.
ولهذا تحاصر الحلم قبل أن يتحول إلى حقيقة.
لكن المشهد أكثر تعقيدًا من حرب بين الكرد وتركيا.
العشائر العربية عادت إلى المسرح بقوة.
ليست عودة فولكلورية كما يظن البعض. بل عودة سياسية وعسكرية وأمنية.
في دير الزور والرقة والريف الشرقي. بفضل ما قدمته لهم الادارة الذاتية و قوات سوريا الديمقراطية / قسد / من تدريب و تأهيل و تنظيم و الكثير من الاسلحة لذلك لم تعد البنادق تُرفع فقط باسم الدولة أو الثورة أو العقيدة. بل باسم النفوذ المحلي أيضًا.
بعض العشائر تشعر أن الإدارة الذاتية لم تفهم حساسيات المنطقة العربية. وبعضها يرى في دمشق فرصة لاستعادة التوازن. وبعضها الآخر يفتح أذنه للأتراك أو للأمريكيين بحسب اتجاه الريح.
وفي الفوضى. دائمًا يظهر شبح داعش.
التنظيم لم يعد يسيطر على مدن كما فعل سابقًا. لكنه يتحرك كدخانٍ أسود داخل الثقوب الأمنية.
يعرف أن الحروب الكبيرة تخلق زوايا مهملة. وأن الدول حين تتصارع تنسى أحيانًا أبوابها الخلفية.
كل الأطراف تعلن أنها تحارب داعش. لكن كل طرف يستخدم وجوده أيضًا كورقة سياسية.
أمريكا تبقي جنودها بحجة التنظيم.
دمشق تقول إن غيابها عن الشرق هو سبب الفوضى.
تركيا تتهم خصومها بصناعة بيئة للتطرف.
أما السكان. فيعيشون بين خوفين .. خوف التنظيم. وخوف الذين يقولون إنهم يقاتلونه.
ثم جاءت الحرب الإيرانية .. الإسرائيلية الامريكية لتخلط الرماد بالنار.
فجأة. لم تعد الحسكة بعيدة عن طهران. ولا دير الزور بعيدة عن تل أبيب.
المنطقة كلها تحولت إلى ممرّ جيوسياسي مفتوح.
إسرائيل تريد قطع الطريق الإيراني نحو المتوسط.
إيران تريد الحفاظ على شرايينها الممتدة عبر العراق وسوريا.
واشنطن تريد إدارة التوازن دون الانجرار إلى حرب شاملة.
وتركيا تريد اقتناص أي لحظة ضعف كردية.
وسط هذا الازدحام الدولي. يبدو الكرد كمن يحملون ماءً في أيديهم أثناء عاصفة.
أما إقليم كردستان العراق. فقد دفع الضريبة بصمتٍ ثقيل.
الإقليم الذي حاول أن يكون مساحة استقرار. وجد نفسه محاصرًا بين العقوبات. والضربات الإيرانية، والضغوط التركية، وارتباك بغداد. و الخيانات الداخلية وتحولات السوق النفطية.
المدن التي كانت تبيع صورة / الجزيرة الآمنة / بدأت تشعر بأن الحروب الحديثة لا تحتاج إلى جيوش كي تدخل البيوت يكفي أن ترتفع أسعار الخبز. أو يتوقف راتب. أو تسقط طائرة مسيّرة قرب حقل نفطي.
المشكلة الكبرى أن الكرد في كل أجزاء المنطقة ما زالوا يقاتلون بأسئلة قديمة. بينما العالم انتقل إلى صراعات جديدة.
العالم لم يعد يناقش حقوق الشعوب كما في القرن الماضي. بل يناقش خطوط الغاز. وأمن الحدود. والممرات العسكرية. وسوق الطاقة.
ولهذا تبدو القضية الكردية اليوم وكأنها تسير فوق حبلٍ مشدود بين اعترافٍ لا يأتي. وخيانةٍ يخشاها الجميع.
لا أحد يقول الحقيقة كاملة.
أمريكا لن تبقى إلى الأبد.
تركيا لن تتوقف عن القلق.
دمشق لن تقبل بسهولة بكيان خارج سيطرتها.
إيران لن تنسحب طوعًا من الممر السوري.
وإسرائيل لن تسمح بتمدد خصومها قرب حدودها الشمالية.
أما الكرد. فما زالوا يحاولون النجاة داخل غرفةٍ تتغير جدرانها كل ليلة.