د. محمود عباس
أزمة الفكر السياسي داخل الحركة الكوردستانية
ليست أزمة الحركة الكوردستانية اليوم في نقص التضحيات، ولا في غياب التجربة، ولا في ضعف الشعور القومي؛ فهذه كلها حضرت بقوة في تاريخها الطويل. الأزمة الأعمق تكمن في أن الفكر السياسي لم يتطور بالقدر الذي يوازي حجم هذا التاريخ، ولا اتساع التحولات التي عصفت بالعالم والمنطقة. فحركة راكمت قرنًا من المقاومة، وخاضت أشكالًا متعددة من الصراع، لا تزال في كثير من مفاصلها تتحرك بأدوات فكرية لم تنضج بما يكفي لمواجهة أسئلة المرحلة الجديدة.
لقد فرضت التحولات الكبرى على الدول والحركات السياسية معًا إعادة النظر في استراتيجياتها، وتحالفاتها، وتعريفها للقوة والمصلحة والهوية. وهذا يضع الحركة الكوردستانية، التي نشأت في ظروف قمع وإنكار وصراعات متكررة، أمام سؤال مصيري، كيف تراجع بنيتها الفكرية دون أن تفقد جوهر هويتها وأهدافها؟ فقد كان طبيعيًا أن تتمحور التنظيمات الكوردية، طوال قرن تقريبًا، حول الدفاع عن الوجود القومي وحماية الهوية من الطمس والصهر، لكن بقاءها أسيرة منطق الدفاع وحده، دون تطوير رؤية سياسية قادرة على تحويل القضية من رد فعل إلى مشروع تاريخي متكامل، جعل الأزمة الفكرية تتراكم داخل بنيتها، حتى غدت إحدى أخطر معوّقات تطورها.
لكن هذه البيئة نفسها، التي فرضت على الحركة الكوردستانية أولويات البقاء والدفاع عن الوجود، جعلت الفكر السياسي في كثير من الأحيان تابعًا للواقع النضالي المباشر. فالأولوية بقيت لإدارة الصراع مع السلطات القائمة، وحماية التنظيم، ومواجهة سياسات الإنكار، أكثر مما كانت لبناء تصورات ناضجة حول شكل الدولة، والمجتمع، والاقتصاد، وموقع الكورد في معادلات المستقبل.
ومن هنا برزت أزمة الفكر السياسي داخل الأحزاب الكوردستانية؛ إذ بقي كثير منها، رغم تاريخه الطويل وتجربته الغنية، يتحرك بعقلية زمنٍ مضى، حيث تحتفظ الزعامات التاريخية بموقع مركزي في تحديد المسار، بينما تبقى المؤسسات الفكرية والبحثية ضعيفة أو غائبة. ولهذا كثيرًا ما تدور النقاشات حول المواقف التكتيكية، والخلافات التنظيمية، والتحالفات الآنية، بدل أن ترتقي إلى سؤال أعمق، ما طبيعة المشروع الكوردي في القرن الحادي والعشرين؟ وكيف يمكن تحويل النضال من حالة دفاع مستمرة إلى مشروع سياسي وثقافي واقتصادي قادر على صناعة المستقبل؟
كما أن الانقسامات داخل الساحة الكوردستانية لا تعكس مجرد تنافس حزبي أو صراع على المواقع، بل تكشف في عمقها غياب أرضية فكرية مشتركة يمكن أن تُبنى عليها لغة حوار وطني. فالخلاف بين التيارات الكوردية لا يدور فقط حول التكتيك أو التحالفات، بل يصل أحيانًا إلى فهم المشروع الكوردي ذاته، هل هو مشروع قومي يسعى إلى الاعتراف الدستوري والفيدرالية أو الاستقلال؟ أم مشروع سياسي يتجاوز الدولة القومية التقليدية، كما تطرح بعض التيارات تحت عناوين مختلفة؟
وليست المشكلة في وجود هذا التعدد بحد ذاته؛ فالحركة السياسية الحية لا يمكن أن تكون بلون واحد. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى قطيعة، والحوار إلى تخوين، والتعدد إلى انقسام يعجز عن إنتاج حدٍّ أدنى من الرؤية المشتركة. عندها لا تبقى الأحزاب أدوات لتطوير القضية، بل تتحول إلى جزر سياسية مغلقة، لكل منها لغتها وحساباتها وتحالفاتها، بينما تبقى القضية القومية معلّقة بين مشاريع لا تلتقي إلا عند الشعارات.
وفي غربي كوردستان، حيث تشكلت خلال السنوات الأخيرة تجربة سياسية وإدارية مختلفة، تظهر أزمة الفكر السياسي بوضوح أكبر. فالنقاش لم يعد يدور حول الإدارة والأمن وحدهما، بل حول هوية المشروع ذاته: هل هو مشروع قومي كوردي يسعى إلى تثبيت الوجود الكوردي دستوريًا وجغرافيًا؟ أم مشروع متعدد الهويات يتجاوز القومية الكلاسيكية؟ أم صيغة هجينة لم تنجح بعد في تقديم تعريف واضح يطمئن الشارع الكوردي ويحمي القضية من الذوبان؟
إن غياب هذا النقاش العميق جعل كثيرًا من الخلافات تبدو كأنها صراعات حزبية أو تنافس على النفوذ، بينما هي في جوهرها تعبير عن أزمة أعمق في تصور المستقبل. وما يجري اليوم من تقلص الجغرافيا، وضغط الاندماج مع دمشق، وتراجع بعض المكتسبات، يكشف أن المشروع الذي لا يعرّف نفسه بوضوح ستعيد القوى الأخرى تعريفه وفق مصالحها.
ولهذا فإن أحد أهم التحديات التي تواجه الحركة الكوردستانية اليوم هو إعادة الاعتبار للفكر السياسي، لا بوصفه تنظيرًا بعيدًا عن الواقع، بل كشرط لبقاء المشروع نفسه. فالقضية الكوردية ليست ملفًا إداريًا عابرًا، بل قضية تاريخية تحتاج إلى رؤية طويلة المدى، قادرة على الجمع بين حق الأمة الكوردية في أرضها وهويتها، وبين قراءة دقيقة لتعقيدات الواقع الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى دور أوسع للمثقفين والباحثين والمؤسسات الفكرية داخل المجتمع الكوردي. فالحركات السياسية لا تطور فكرها عفويًا، بل تحتاج إلى فضاء حر لإنتاج المعرفة، وتحليل الواقع، وطرح الأسئلة الصعبة، بدل ترك القرار السياسي أسير الحسابات الحزبية والظروف الطارئة.
ومن هنا تصبح الخطوة الضرورية هي الانتقال من منطق الصراع الداخلي بين الأحزاب إلى منطق الحوار الفكري بينها. فالتجارب السياسية الكبرى لم تتطور بالصراعات التنظيمية وحدها، بل بالنقاشات الفكرية التي بلورت رؤى جديدة حول الدولة والمجتمع والهوية والمستقبل.
إن أزمة الفكر السياسي داخل الحركة الكوردستانية ليست بالضرورة علامة ضعف نهائي، بل قد تكون مؤشرًا على مرحلة انتقالية تحتاج إلى شجاعة المراجعة. فالحركات التي تمر بتحولات كبرى لا تولد رؤاها الجديدة بسهولة، بل تمر أولًا بلحظات قلق وأسئلة ومراجعة قبل أن تعيد بناء ذاتها.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل الحركة الكوردستانية في السنوات القادمة هو: هل تستطيع أن تتحول من حركة تعتمد أساسًا على التنظيم السياسي والعسكري، إلى حركة تمتلك أيضًا مشروعًا فكريًا متماسكًا، قادرًا على قراءة العالم الجديد وبناء موقع للكورد فيه؟ ففي عالم تتغير فيه قواعد السياسة بسرعة، قد يصبح الفكر السياسي أحد أهم أدوات القوة التي تملكها الشعوب في سعيها إلى مستقبل أفضل.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2026م