صلاح عمر
لم يكن ظهور مظلوم عبدي في بودكاست حسين الشيخ حدثًا إعلاميًا عابرًا، بل كان لحظة انكشاف كامل لمشروع سياسي بدا، في كل تفاصيله، أضعف من أن يحمل نفسه. فالرجل الذي يُفترض أنه يقود تجربة سياسية وعسكرية معقدة ظهر بلغة متعثّرة، وبخطاب هشّ، وبمعرفة لا تكفي لقراءة تاريخ قريب، فضلًا عن صياغة مستقبل. لقد بدا كمن يقف أمام مرآة لا أمام جمهور، يبحث عن الكلمات المتقاطعة في صحيفة مهترئة، ويستعين بالمذيع ليكمل عنه الفكرة، في مشهد لا يليق بقائد سياسي، لأن اللغة ليست زينة، بل سلطة، ومن لا يملك لغته لا يملك مشروعه ولا القدرة على الدفاع عنه. ولم يكن الارتباك اللغوي سوى انعكاس لارتباك أعمق في المصطلح والمفهوم والرؤية، فالمصطلحات التي استخدمها لم تكن نتاج رؤية سياسية، بل نتاج فراغ، وكأنّ ما يُسمّى بجهازهم المعرفي — تلك “الأكاديميات” و“المنصّات الفكرية” التي تُرفع كيافطات — ليس إلا ديكورًا سياسيًا يخفي خواءً فكريًا فاضحًا، لا ينتج معرفة ولا يصوغ رؤية، بل يكتفي بتكرار خطاب مُعلّب لا يملك عمقًا ولا شرعية.
.وحين يتحدث قائد سياسي عن التاريخ فيقع في أخطاء فادحة، ويقول “لنكن دقيقين” ثم يقع في عدم الدقة، ويقدّم روايات متناقضة عن بدايات الحركة، وعن وجود المقاتلين، وعن علاقة النظام بهم، فإنّ الأمر لا يعود إلى سهو، بل إلى غياب معرفة سياسية أساسية، وإلى ضيق في الأفق لا يسمح ببناء شرعية على رواية لا يعرف صاحبها تفاصيلها. ويبلغ الارتباك ذروته حين يتعلّق الأمر بإقليم كردستان، فالتكرار المتعمّد لوصف الإقليم بـ“شمال العراق” لم يكن خطأ لغويًا، بل موقفًا سياسيًا، وانعكاسًا لخطاب أيديولوجي لا يرى في الإقليم كيانًا كرديًا، بل مجرد جغرافيا عراقية، وكأنّ الرجل يتحدث من خارج الوعي القومي الذي يدّعي تمثيله، فكيف يمكن لمشروع كردي أن يثق بقيادة لا تعترف بأحد أهم منجزات الحركة القومية الكردية الحديثة؟ ثم تأتي المسألة العسكرية التي يُكثر عبدي من الحديث عنها، لكنها لا تصمد أمام التحليل السياسي، لأن السيطرة على المناطق الكردية لم تكن نتيجة معارك فقط، بل نتيجة تفاهمات سياسية مع النظام، تفاهمات يعرفها القاصي والداني جيدًا، ويعرفون تفاصيل “التسليم والاستلام”، ويعرفون الاجتماعات التي جرت في السليمانية بين النظام البائد والحرس الثوري الإيراني والاتحاد الوطني وحزب العمال الكردستاني، مما يجعل الانتصار العسكري بلا رؤية سياسية مجرّد هزيمة مؤجلة، لأن القوة التي تُدار بعقل سياسي ضيق لا تتحول إلى مشروع، بل إلى عبء. ويبقى السؤال الأكثر حساسية: من يحكم فعليًا؟ فالمقابلة كشفت، بوضوح لا لبس فيه، أن مظلوم عبدي ليس صاحب القرار، وأن الوجوه الظاهرة ليست سوى واجهة سياسية لسلطة خفية تُدير المشهد من خلف الستار، سلطة لا تظهر للعلن، لكنها تتحكم في كل شيء، مما يجعل القيادة مجرد تمثيل سياسي لقرارات تُصنع في مكان آخر، وتُمرَّر عبر وجوه لا تمتلك القدرة على النقاش أو الاعتراض. وهنا يتولّد السؤال الحتمي الذي لا يمكن الهروب منه: هل نحن أمام أزمة قائد أم أمام أزمة مشروع؟ هل المشكلة في مظلوم عبدي كشخص، أم في البنية التي صعد منها؟ هل الخلل في اللغة التي يتحدث بها، أم في الفكر الذي لا يملك أدوات التعبير عنه؟ هل الارتباك نابع من ضعف فردي، أم من مشروع سياسي لا يمتلك رؤية ولا استراتيجية ولا استقلالية قرار؟ وهل يمكن لقائد أن يكون قويًا إذا كان المشروع نفسه هشًا؟ وهل يمكن لمشروع أن ينهض إذا كانت قيادته مجرد واجهة لسلطة لا تُرى؟ إنّ ما ظهر في المقابلة لا يسمح بتخفيف حدّة السؤال، ولا بتأجيله، لأن الخطأ لم يكن خطأ فردًا، بل علامة على أزمة بنيوية في الخطاب، وفي الرؤية، وفي القيادة، وفي المشروع ذاته.