بين الإحصاء العربي والإحصاء الكوردي

عنايت ديكو

بما أن الآبوجية كانوا يسيطرون، عسكرياً وأمنياً وإدارياً، على معظم المناطق الكوردية في سوريا، من كورداغ إلى الأحياء الكوردية في حلب،
ومن السفيرة والباب وجرابلس وكوباني، إلى سري كانييه وگرى سپي،
ومن عامودا وقامشلو إلى عين ديوار وديريك والحسكة والرقة ودير الزور .
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو:
لماذا لم يقوموا بإجراء إحصاء سكاني شامل ودقيق للكورد في سوريا؟
لماذا لم نرَ مشروعاً وطنياً حقيقياً لتوثيق الوجود البشري الكوردي؟
لماذا لم تُفتح سجلات ميدانية دقيقة تُحصي عدد الكورد، وأماكن وجودهم، وقراهم، وعشائرهم، نازحيهم، ومغتربيهم، والمجردين من الجنسية؟
ولماذا لم يتم إنشاء قاعدة بيانات قومية تحفظ الثقل الديمغرافي الكوردي وتمنع تزوير الحقائق مستقبلاً؟
أليست معرفة الحجم الحقيقي للشعب الكوردي في سوريا من أهم الأسس السياسية لأي مشروع قومي أو تفاوضي مع الحكومات السورية؟
أليست الديمغرافيا هي السلاح الأخطر في وجه كل مشاريع الإنكار والتذويب والتغيير السكاني؟
لكن، وبدلاً من ذلك، رأينا:
الخنادق …
الأنفاق …
المدن المخفية تحت الأرض …
والموازنات الهائلة التي صُرفت على العسكرة،
وملايين الدولارات التي صُرفت على التماثيل وصور القائد واليافطات الملونة والمزركشة والكليبات الثورية .
وعلى الطرف الآخر بقي الشعب متفرجاً وفاقداً للقرار ، وبقي بلا توثيق حقيقي، وبلا مرجعية رقمية دقيقة تُثبت وجوده وامتداده القومي والجغرافي.
لقد كان بإمكانهم — خلال سنوات السيطرة الطويلة — أن يقوموا بأكبر عملية إحصاء قومي كوردستاني في سوريا، إحصاء يُصبح لاحقاً وثيقة تاريخية وسياسية وقانونية في وجه كل من ينكر وجود الكورد أو يقلل من نسبتهم.
لكن ذلك لم يحدث.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل كان هذا جهلٌ بأهمية الديمغرافيا ؟
أم أن المسألة لم تكن ضمن أولويات المشروع أصلاً ؟
أم أن الشعب كان مجرد وقودٍ لمشاريع أخرى لا علاقة لها بالقضية الكوردية كما تم تسويقها ؟
نعم … سؤالٌ كبير …
وجوابه، كما يبدو، ما زال محفوظاً عند الأستاذ عبد الله أوجلان وصديقه البهچلي الماكر .
—————-

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…