هوشنك أوسي
القارئ لكتب أوجلان الأخيرة: “من دولة الرهبان السومريّة نحو الحضارة الديمقراطيّة”، “مانيفستو الحضارة الديمقراطيّة”، وحديثه المملّ عن الديمقراطيّة، وطروحاته الخزعبلاتيّة حول الديمقراطيّة مثل: «الأمّة الديمقراطيّة»، «الجمهوريّة الديمقراطيّة»، «الاندماج الديمقراطي»… إلخ، ربّما يعيد النظر في المرجعيّات التاريخيّة والاجتماعيّة للفلاسفة الآباء المؤسسين لفكرة الديمقراطيّة وللنظام الديمقراطي ككل، ابتداءً بأثينا ومرورًا بأمريكا وصولًا إلى الدول الإسكندنافيّة، بل وقد يُنصِّب أوجلان «إلهًا» للديمقراطيّة! لكن أوجلان، منذ تأسيس حزبه سنة 1978 وحتى اللحظة (48 سنة)، هو الزعيم الأوحد للحزب من دون نائب، وكلّ قيادي طرح مشروعًا إصلاحيًّا يعيد الحزب من الحالة الدوغمائيّة – الوثنيّة – الفردانيّة الأوجلانيّة إلى الحالة المؤسسيّة الطبيعيّة، كان أوجلان لهم بالمرصاد، فأطاح بهم، وقُتلوا في ظروف مختلفة. شخص لا يتحمّل الرأي الآخر داخل حزبه وخارجه، وربّى جماعته على هذا السلوك العصابي الرهابي والإرهابي، وينتظر ليلًا نهارًا، قيامًا وقعودًا، للديمقراطيّة، بينما يفرض حلوله وطروحاته ومشاريعه الديمقراطيّة على حزبه والموالين له بطريقة فيها الكثير من الإكراه والجبر والغصب والعنف المعنوي.
هكذا مفارقة أوجلانيّة مجنونة ورهيبة، هي أقرب إلى التجربة القذّافيّة في العالم العربي: جنون عظمة + هستيريا تنظير + أوهام وخرافات الإنقاذ والخلاص والقيادة والريادة = الأخ القائد، قائد العرب، ملك ملوك إفريقيا.
وليس سرًّا أن نظام القذّافي، في الثمانينيات والتسعينيات، قدّم العون والمساعدة للجماعة الأوجلانيّة، في إطار تقديم القذّافي الدعم المادّي لجماعات مسلّحة تحت شعار «دعم حركات التحرر الوطني» من ثروات الشعب الليبي. وعندما كان القذّافي يُسأل عن منصبه، كان يقول، بما معناه: لا منصب لي، الشعب يحكم، وأنا فقط المرشد أو الموجّه الإيديولوجي. القصّة نفسها مع أوجلان؛ إذ ينفي عن نفسه المناصب، ويختصرها بالإرشاد الإيديولوجي المحض، غير أنّ الحقيقة خلاف ذلك تمامًا.
الفارق بين القذّافي وأوجلان أنّ الأوّل كان رجلًا عسكريًّا قاد انقلابًا على النظام الملكي وبنى دولة، بينما الثاني تحوم الشبهات حوله بشأن علاقته القديمة التأسيسيّة مع الاستخبارات التركيّة. زد على ذلك أنّه أسّس جماعة عنفيّة شديدة العداء والعدوانيّة ضد الحركات السياسيّة الكرديّة في أجزاء كردستان الأربع، وتاريخ الجماعة الأوجلانيّة الدموي خير دليل على ذلك.
بدأ أوجلان مسيرته بطرح شعار بدا مشروعًا، وهو إقامة دولة قوميّة اشتراكيّة كردستانيّة مستقلّة، واستنزف مقدّرات الكرد الماديّة والبشريّة لتحقيق ذلك الشعار (من 50 إلى 70 ألف شهيد) وهاجم كلّ من طالب بالحكم الذاتي باعتبار ذلك تنازلًا وتخاذلًا وخيانةً وعمالةً للدول والأنظمة التي تحتل كردستان. واليوم يطالب مؤيّديه في تركيا وسوريا والعراق وإيران بالاندماج في هذه الدول الأربع، من دون أن تجري هذه الدول إصلاحات دستوريّة حقيقيّة تعترف بالوجود القومي الكردي وتضمّن استحقاقاته السياسيّة والثقافيّة في دساتيرها.
يسمّي أوجلان ذلك «الاندماج الديمقراطي»، غير أنّ هذا الاندماج طريق باتجاه واحد: اندماج الكرد في أنظمة هذه الدول، بينما تبقى الأنظمة على حالها. ولو كان هذا الاندماج ديمقراطيًّا فعلًا، لكان باتجاهين يلتقيان في منتصف الطريق؛ يتنازل الكرد عن حق الانفصال مقابل أن تتنازل هذه الدول عن جزء من عقيدتها القوميّة الإقصائيّة، وتعترف دستوريًّا بالتعدديّة القوميّة وبالكرد والسريان والأرمن. أي ألّا يقتصر التنازل على الكرد وحدهم.
إن القبول الأعمى والببغائي والتجميلي بالطرح الأوجلاني من قبل مئات الآلاف من أتباعه لن يبدّد قباحته ولا-ديمقراطيّته. فالقبول به يصادق عمليًّا على السرديّة العنصريّة لهذه الدول، وكأنّ الكرد كانوا يرفضون الاندماج أصلًا، وكأنّ مطالبهم بالاستقلال أو الفيدراليّة أو الحكم الذاتي كانت خطأ وخطيئةً كبرى ندم الكرد على اقترافها.
الطامّة الكبرى أنّ الوعي الأوجلاني الببغائي الهذياني الساذج لا يرى في النظام الفيدرالي الاتحادي شكلًا من أشكال الاندماج؛ إذ إن الفيدراليّة والحكم الذاتي هما في جوهرهما أنظمة اندماجيّة داخل دولة واحدة ذات سيادة ودستور واحد. أمّا «الاندماج الديمقراطي» الأوجلاني بصيغته المطروحة فليس سوى صيغة صهر سياسي وقانوني بشع.
خطورة نموذج الصهر «الديمقراطي» أنّ قطاعات واسعة من الكرد واقعة تحت تأثير إعلام الجماعة الأوجلانيّة الدوغمائيّة، التي تمتلك قدرة كبيرة على قلب الباطل حقًّا والحقّ باطلًا، وتجميل الاستسلام والصهر باعتباره قمّة الانتصار والوعي الديمقراطي. أمّا المنتقدون لأفكار أوجلان فيوصمون بالقومويّة الضيّقة والرجعيّة والخيانة والعمالة للاستعمار والرأسماليّة العالميّة وأمريكا وإسرائيل، بزعم أنّهم لا يفهمون عبقريّة أوجلان ونبل أفكاره.
نجح أوجلان وجماعته، مع شديد الأسف، في التأثير على ملايين الكرد منذ 1978 وحتى 2026، وصادر القرار السياسي للكرد في سوريا، وأجبر «قسد» على الاندماج مع نظام أبو محمد الجولاني، ويسعى أوجلان إلى فرض نموذج الاندماج الديمقراطي نفسه على كرد تركيا وإيران أيضًا.
وخير تلخيص للمسعى الإيديولوجي السياسي الأوجلاني هو دمج قطيع الحملان بقطيع الذئاب؛ صورة أقرب إلى انتحار قومي سياسي جماعي طوعي. وقطيع الحملان الأوجلاني ذاك، فجأةً يتحوّل إلى قطيع ذئاب ضدّ معارضيه! لقد تحوّل الحزب والموالون له من جماعة سياسيّة إلى ما يشبه الطائفة الدينيّة المغلقة، شديدة التعصّب لأوجلان وخطابه، لكن تقدّم نفسها باسم «حركة الحرية» وتدعو إلى الديمقراطيّة والمجتمع الإيكولوجي والدفاع عن حقوق مجتمع الميم، بينما تصادر حقّ الكرد في التفكير والنقد والبحث عن خيارات سياسيّة أخرى خارج الحظيرة الأوجلانيّة.
حاصل القول: على امتداد قرن فشلت تركيا في سياسات الصهر والإنكار بحق الكرد رغم المجازر وطمس الهوية وحظر اللغة والثقافة. فهل سينجح ربيب الـMIT عبدالله أوجلان في فرض الصهر «الديمقراطي» على الكرد؟
10/5/2026