علي شمدين
كما أشرنا في مقالنا السابق «الكرد وسلوك الحجل»، فإن داء الانشقاق كان، ولا يزال، ينخر جسد الحركة الكردية في سوريا، ويمزق صفوفها من دون توقف. ففي الوقت الذي تمر فيه البلاد عمومًا، وكردستان سوريا على وجه الخصوص، بكل هذه المتغيرات العاصفة التي وفّرت للكرد فرصة تاريخية لنيل حقوقهم القومية وتثبيت وجودهم الدستوري في سوريا الجديدة، نرى أن حركتهم السياسية منشغلة بخلافاتها الحزبية الضيقة، التي تكاد أن تجهض هذه الفرصة التي تحققت بالتضحيات العظيمة التي قدمها الشعب الكردي بسخاء خلال عقد ونصف من عمر الأزمة السورية، وأن تعيد القضية الكردية إلى نقطة الصفر.
وعلى الرغم من أن مؤتمر (26 نيسان 2025) شكّل محطة تاريخية فريدة في مجال توحيد الموقف والصف الكردي في سوريا، فإن تخلي أطرافه الرئيسية عن مخرجاته، وتجميد الوفد الكردي المنبثق عنه، وتسابقها إلى التواصل مع الحكومة المؤقتة في دمشق من أجل نيل مكاسب إدارية، على أهميتها، أفقد الحركة الكردية أهم أوراقها السياسية وأقواها، ودفع بها نحو مصيدة تلك الحكومة التي رفضت حتى الآن استقبال الوفد الكردي بوصفه ممثلًا شرعيًا لطموحات الشعب الكردي في سوريا.
إن ما جرى مؤخرًا أمام القصر العدلي في مدينة الحسكة يعكس هذه الحقيقة المرّة بكل تفاصيلها. فالمرسوم الرئاسي رقم (13)، الصادر بتاريخ (16 كانون الثاني 2026)، وعلى الرغم من جوانب القصور والخلل فيه، يقرّ في مادته الأولى بأن: «المواطنين السوريين الكرد يُعدّون جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري، وتُعدّ هويتهم الثقافية واللغوية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة». وقد جاء هذا المرسوم في وقت كانت فيه الحركة الكردية لا تزال تمتلك بعض أوراق قوتها، وفي مقدمتها الشرعية التي حصلت عليها عبر مؤتمر (26 نيسان 2025).
والمفارقة العجيبة أن ممثلي الرئاسة المؤقتة التي أصدرت هذا المرسوم هم أنفسهم الذين انتهكوا مواده في وضح النهار، وأمام بوابة مؤسسة قضائية يُفترض أنها حامية لمثل هذه المراسيم الرئاسية، وذلك عبر شطبهم اللغة الكردية من اللافتة التعريفية المعلّقة على واجهة القصر العدلي في مدينة الحسكة. والأكثر إيلامًا أن هذه الانتهاكات الخطيرة من قبل الحكومة الانتقالية بحق ثاني أكبر مكوّن قومي في البلاد جاءت بعد امتناعها عن استقبال الوفد الكردي، ونجاحها في استدراج الأطراف الرئيسية المشكلة له إلى مصيدة اللقاءات الفردية، وإغراقها في دوامة التنافس على المكاسب الثانوية.
ولم يعد هناك مفرّ من العودة جميعًا إلى مخرجات مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي، والإسراع في تفعيل الوفد المنبثق عنه، والالتزام الجاد بوثيقته السياسية المشتركة، والضغط عبر القوى الدولية الفاعلة باتجاه إرغام الحكومة الانتقالية على اللقاء بممثلي الشعب الكردي، والحوار معهم حول القضية الكردية بوصفها قضية وطنية لا بد من حلّها دستوريًا، لا التعامل معها على أنها مجرد قضية إدارية ثانوية تُحلّ بمراسيم حكومية يمكن الانقلاب عليها في أي وقت.
ولهذا، فإن تنامي الحديث مؤخرًا عن ضرورة تفعيل الوفد الكردي لم يأتِ من فراغ، بل لكي يأخذ هذا الوفد دوره الرئيسي الذي تشكّل من أجله، والارتقاء بهيكليته وتوسيعه نحو تشكيل مرجعية شاملة تضم ممثلي مختلف المكونات الكردية السياسية والثقافية والاجتماعية، بعيدًا عن مبدأ المناصفة وتوزيع الحصص، الذي كان بمثابة (كعب أخيل) في إفشال الاتفاقيات السابقة، ونقطة ضعفها القاتلة.
10 أيار 2026